تحقيق: إدريس عبد اللهلم يعد الأمر في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، مجرد أزمة عابرة أو يوماً قاسياً يمر وينقضي كغيره من أيام الحرب السودانية؛ بل تحول الواقع هناك إلى زلزال إنساني ممتد زادت من وطأته ظروف النزوح المستمرة والخانقة. تعيش هذه المدينة العريقة معاناة حقيقية تفاقمت مع توالي الأزمات وتداخلها، لتصل ذروتها مؤخراً بانعكاسات مرعبة بلغت حد انعدام مياه الشرب بشكل تام في عدد من الأحياء والمعسكرات. وفي ظل هذا المشهد المأساوي، لم تعد حتى المياه الأساسية الصالحة للاستخدام الصحي والنظافة الشخصية متوفرة، ما ضاعف من حجم المأساة اليومية للسكان والدفع بهم نحو حافة الهلاك.هذا الواقع المحتدم محلياً تؤكده الأرقام الدولية المرعبة؛ إذ حذرت المنظمة الدولية للهجرة في بيان حديث لها، من تدهور سريع خطير في الوضع الإنساني بإقليم كردفان جراء تصاعد العنف الأخير. وكشفت المنظمة أن الإقليم بات يمثل أحد أبرز مراكز النزوح في البلاد، حيث يقيم فيه نحو مليون نازح داخلياً، أي ما يعادل 11% من إجمالي النازحين في السودان. وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد النازحين في الإقليم قفز بنسبة تصاعدية مخيفة بلغت 65% منذ احتدام العمليات العسكرية في أكتوبر 2025، حيث ارتفع العدد من 132 ألف شخص في فبراير 2026 ليصل إلى أكثر من 219 ألف نازح بحلول نهاية يونيو المنصرم؛ ما يعني تشريد أكثر من 87 ألف شخص إضافي في غضون أربعة أشهر فقط.تدمير المؤسسات وشلل البنية التحتية (جذور الكارثة اللوجستية)تولّدت هذه الأزمة الإنسانية الطاحنة من رحم مخطط عسكري استهدف البنية التحتية للمدينة بشكل مباشر. لم يكن انهيار الخدمات ناتجاً عن أعطال فنية طبيعية، بل كان نتيجة استراتيجية لعمليات عسكرية متعمدة وممنهجة شنتها قوات الدعم السريع لضرب المنشآت الحيوية وشل حركة الحياة.تقول محاسن حسن (اسم مستعار)، العضوة في غرفة طوارئ الأبيض، في حديثها لـ “مداميك” كاشفةً عن الأبعاد الممنهجة لهذه الحرب اللوجستية:”إن الأزمات المتكررة التي تعيشها المنطقة ناتجة في الأصل عن استهداف مباشر وممنهج من قِبل قوات الدعم السريع لمناطق وأحياء معينة بهدف خلق أزمة إنسانية طاحنة تكسر إرادة المدنيين. وقد شمل هذا الاستهداف محاولات متكررة وناجحة لضرب شبكة ومحولات الكهرباء الرئيسية، مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي لأيام متواصلة وأسابيع، وهو ما تسبب بدوره في شلل شبه تام لجميع مصادر المياه والمضخات والآبار الجوفية التي تعتمد أساساً على الطاقة الكهربائية لتشغيل محركاتها وسحب المياه من باطن الأرض”.وتؤكد محاسن أن سلاح التعطيش تم تطبيقه بضرب المحول الرئيسي المغذي لشبكة المياه؛ سواء عبر القصف المباشر أو بسقوط مقذوف ثقيل على ناقلة مياه (تانكر) كانت تتوقف بجواره،مما أدى لتدمير شريان الحياة الأساسي في المدينة. ولم يتوقف الأمر عند تجفيف الصنابير، بل امتد ليشمل قطع سبل الخدمات البيئية والصحية؛ إذ جرى استهداف وتدمير ناقلات الوقود وتناكر الغاز وناقلات المياه، بل وحتى ناقلات الصرف الصحي.وتضيف محاسن بمرارة: “كان يكفي أن تتوقف أي ناقلة مياه أو عربة خدمات بالقرب من أي منشأة مدنية، مثل المدارس أو المراكز الصحية، ليتم قصفها فوراً وبلا تردد، مما يبرز حجم الاستهداف المأساوي والمباشر الموجه ضد المدنيين العزل”.وقد أسفرت هذه الهجمات عن أضرار فادحة على المستوى البشري والبنيوي، حيث وثقت غرفة الطوارئ مقتل عدد من العمال المتطوعين في تقديم الخدمات الإنسانية إثر قصف ناقلة مياه بجوار منشأة تعليمية، بالإضافة إلى استشهاد طالبة في مقتبل العمر متأثرة بجراحها جراء الشظايا المتطايرة. كما ألحق القصف المستمر أضراراً بالغة ببعض المدارس الخاصة والمؤسسات التعليمية في المنطقة، ومن بينها مدرسة “دار الفكر” ومدرسة أخرى تقع في الاتجاه الغربي (غرب الأبيض)، حيث استهدف القصف في المحيط نفسه ناقلتين، إحداهما للصرف الصحي والأخرى للمياه، مما أدى إلى تعطيل العملية التعليمية تماماً وتشريد الطلاب وتهديد حياتهم بشكل مباشر، محولاً المؤسسات المدنية إلى ركام.تتطابق هذه الشهادات مع تقارير دولية متقاطعة أوضحت أن القصف الذي استهدف محطة الكهرباء الرئيسية ومحطات الوقود والمواقع المدنية تسبب في مقتل وإصابة عشرات الأشخاص خلال الأسبوعين الماضيين فقط، وهو امتداد لنمط أعنف حذرت منه الأمم المتحدة سابقاً في 12 مايو 2026، كاشفة عن تصاعد مرعب للهجمات بالطائرات المسيّرة في إقليم كردفان، والتي أسفرت وحدها عن مقتل ما لا يقل عن 880 مدنياً خلال الفترة الممتدة بين يناير وأبريل 2026.غلاء المعيشة وتجفيف الأسواق (النتيجة المباشرة لغياب الوقود)ألقى هذا التدمير الممنهج للمؤسسات والمنشآت النفطية بظلاله فوراً على الأسواق المحلية وحركة التجارة داخل المدينة، لينقلب الوضع المعيشي إلى جحيم لا يطاق. تذكر غرف طوارئ الأبيض أن الأزمة بدأت تتبلور أولاً مع ضرب محطات الوقود الرئيسية في مداخل ومخارج المدينة بأسلحة ثقيلة، مما أدى إلى خروجها جميعاً عن الخدمة بشكل كامل، وهو ما انعكس كارثياً وبشكل فوري على قطاع الخدمات والسلع.وفي ظل هذا الحصار وتوقف الإمداد، ارتفعت الأسعار بشكل جنوني وغير مسبوق. يروي الناشط الاجتماعي محمد عثمان لـ “مداميك” واصفاً هذا الاختناق المعيشي وطحن القدرة الشرائية للسكان: “لقد تفاقمت أزمة الأسعار للسلع التموينية بشكل جنوني وغير مسبوق، وارتفعت تكلفة المواصلات والتعاملات اليومية البسيطة والضرورية إلى أرقام خيالية تفوق بمراحل القدرة الشرائية للمواطن الذي فقد مصدر دخله منذ أشهر طويلة، ليصبح الوضعالإنساني بأكمله كتلة معقدة من الأزمات وفي غاية الصعوبة والتشابك، ولا يملك الأهالي المحاصرون معه سوى الصبر ومقاومة الواقع المرير”.وانعكس انقطاع الوقود وشل حركة النقل على تكلفة الحصول على قطرة الماء التي باتت تتطلب ميزانيات تفوق طاقة العائلات. وتعود محاسن حسن لتوضح المعاناة المادية المترتبة على ذلك قائلة: “مع اشتداد أزمة العطش وانقطاع الإمداد المائي، ارتفعت تكلفة الحصول على قطرة الماء لتصل إلى أرقام فلكية وخيالية لا يستوعبها عقل، حيث تراوح سعر برميل المياه أو الشحنة البسيطة بين 10 آلاف و18 ألف جنيه سوداني، وهو سعر يتحرك صعوداً متأثراً بطبيعة الموقع الجغرافي ومدى خطورة وصعوبة الوصول إلى كل منطقة مستهدفة بالتوزيع نتيجة توقف الناقلات أو تعرضها للقصف المستمر”.ورغم أن الأيام القليلة الماضية شهدت تحسناً طفيفاً جزئياً مع العودة التدريجية والبطيئة للتيار الكهربائي إلى بعض مناطق المدينة وعودة بعض المضخات للعمل ضاخةً المياه في بعض الخطوط، إلا أن ناشطاً في لجان مقاومة الأبيض ينبه عبر “مداميك” إلى أن الأزمة الاقتصادية أعمق من ذلك بكثير، ويقول: “إن عودة التيار الكهربائي، ورغم أهميتها البالغة، لم تكن ولن تكون كافية لحل الأزمة الإنسانية بشكل كامل وجذري؛ إذ ما تزال الأبيض تواجه تحديات بالغة التعقيد والخطورة تتمثل في استمرار أزمة النقص الحاد والجنوني في الوقود، إلى جانب الانعدام شبه التام لوسائل المواصلات الداخلية والاتصالات التي لم تتوفر بعد، وهو ما يعيق بشكل كبير استعادة وتيرة الحياة الطبيعية ويقيد حركة المواطنين”.مخيمات النزوح وحصار الموارد (أزمة تمويل التكايا والمطابخ الجماعية)تحت وطأة هذا الاختناق الاقتصادي والخدمي، تقبع الفئة الأكثر هشاشة في مواجهة الكارثة: النازحون. أصبحت الأبيض بموجب موقعها الجغرافي ملاذاً رئيسياً يغص بنحو 500 ألف شخص، من بينهم أكثر من 83 ألف نازح داخلي وفق الأرقام الأممية، يتوزعون على مخيمات ومراكز إيواء تفتقر لأبسط مقومات الحياة.وتتحدث ناشطة في غرف طوارئ الأبيض لـ “مداميك”، مفضلة حجب اسمها لأسباب أمنية بالغة الحساسية، واصفةً الوضع الإنساني داخل معسكرات ومخيمات النزوح الجماعي بأنه يمر بمرحلة حرجة جداً وخطيرة، وتشرح عمق الأزمة اللوجستية والتمويلية التي تضرب المخيمات قائلة:”في الفترة الفائتة كان النازحون والسكان المتردون يعتمدون بصورة أساسية وشبه كاملة على التمويل والدعومات الإنسانية التي تأتي من (التكايا) المطابخ الجماعية، والمساعدات الدولية الخيرة. ولكن في هذه الفترة الحالية، يعاني العمل الإنساني من شح حاد في التمويل وتجفيف للموارد. وفوق ذلك كله، هنالك قرارات وتوجيهات رسمية صدرت مؤخراً من بعض المفوضين والجهات المسؤولة تقضي بعدم توجيه تمويل المنح إلى المعونات الإنسانية المباشرة أو التكايا. لذلك، نحن نتوقع، بل ونرى بأعيننا، أن الوضع الإنساني يسير نحو الأسوأ، وسيكون حرجاً ومأساوياً جداً في مقبل الأيام إذا لم يتم تدارك الأمر”.وتصطدم هذه الشهادة الميدانية المحلية مع التقارير الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة، والتي نوهت فيها إلى تسجيل أكثر من 100 حادثة أمنية تسببت بنزوح قسري في إقليم كردفان خلال أقل من تسعة أشهر، بمعدل حادثة كبرى كل يومين إلى ثلاثة أيام، ما يعكس تدهوراً متسارعاً وحاداً في بيئة الحماية للمدنيين. وتدعم منظمة الهجرة الدولية هذا التخوف المحلي بإعلانها الرسمي أنها ورغم قيامها مع شركائها بتخزين مواد إغاثية أساسية وخيام طوارئ، إلا أن نقص التمويل الحاد وتدهور الأوضاع الأمنية يحدان بشكل مكبل من نطاق العمليات الإنسانية وقدرتها على التدخل، محذرة من أن أكثر من 30 مليون شخص في السودان بحاجة ماسة للمساعدات خلال عام 2026 في ظل فجوة تمويلية هائلة تهدد استمرار الدعم المنقذ للحياة.وقد امتدت هذه المعاناة لتشمل البيئة التعليمية والمدارس التي تحول جزء كبير منها إلى مراكز إيواء مكتظة بالنازحين. ويشير ناشط في لجان مقاومة الأبيض لـ “مداميك” إلى أن المدارس تحولت بسبب قطع المياه والتمويل إلى بؤر طاردة:“أدى انقطاع الإمداد المائي إلى جفاف المدارس تماماً وتحولها إلى بيئات غير صالحة للاستخدام البشري، فافتقرت تماماً لمياه الشرب النقية، وانعدمت فيها المواد الغذائية والوجبات والاحتياجات الأساسية للطلاب والنازحين المعوزين، مما أدى إلى نشوء كارثة إنسانية معقدة ومركبة تجمع بين الجوع والعطش والجهل والأوبئة داخل هذه المنشآت الحيوية”.الانهيار الصحي والوضع الوبائي (الموت الصامت خلف الجدران)كان النتاج التلقائي والمروع لتدمير البنية التحتية، وغلاء المعيشة، وتجفيف تمويل التكايا، هو الانهيار الكامل للقطاع الصحي في حاضرة شمال كردفان. تحول المرض في الأبيض إلى عقوبة إعدام صامتة تُنفذ خلف جدران المنازل ومخيمات النزوح المفتقرة للرعاية الطبية.وتكشف الناشطة في غرف الطوارئ الطبية بالأبيض، “وجدان محمد” (اسم مستعار لحمايتها)، في حديثها لـ “مداميك”، عن تفاصيل هذه المأساة الصامتة والمخفية قائلة:”هناك مأساة حقيقية مخفية وراء الجدران لا يراها الناس؛ حيث وجدنا مئات الأسر التي تعيش وضعاً صحياً كارثياً دون أن تملك القدرة أو الجرأة على الذهاب للمستشفى لطلب العلاج. تلجأ هذه الأسر إلى حبس أطفالها ونسائها وأمهاتها المرضى داخل المنازل والمخيمات المفتقرة لأبسط مقومات الحياة، لأنهم يعلمون يقيناً أنه حتى لو نجحوا في المخاطرة والوصول إلى المستشفى في اليوم الأول أو الثاني، فإنهم سيصطدمون بالحقيقة المرة وهي انعدام الدواء المجاني، والاضطرار لتحمل تكلفة علاجية باهظة لا تملك الأسرة منها جنيه واحداً، فيضطرون في النهاية لحمل مريضهم والعودة به إلى البيت ليموت ببطء وصمت بين يديهم بسبب انعدام الأمن وارتفاع تكاليف الحركة”.وتسترسل وجدان في وصف الحالة التشغيلية المتردية للمرفق الحكومي الوحيد المتبقي لخدمة الفقراء بالمدينة، قائلة:”المستشفى الحكومي الرئيسي والوحيد الذي يلجأ إليه عامة الشعب والفقراء في المدينة، بات يعمل الآن بدون أي مقومات طبية أو تشغيلية حقيقية، ويفتقر إلى المستلزمات الطبية الكافية لخدمة الأعداد الهائلة من المرضى والجرحى، فضلاً عن الانعدام الكامل للأدوية المنقذة للحياة وأدوية الطوارئ. صحيح أن بعض المنظمات الدولية والمحلية قامت بإنشاء شراكات مع بعض الجهات ووفرت اليسير جداً من الأدوية، إلا أن معظم الأدوية الحيوية والأساسية غير متوفرة إطلاقاً. هذا النقص الحاد يجعل الوضع الصحي للمريض يتدهور بسرعة البرق؛ لأنه حتى وإن توفر جزء بسيط من العلاج، فإن غياب بقية الأدوية والمحاليل والمستلزمات الضرورية المرتبطة بالبروتول العلاجي يجعل الطبيب عاجزاً، وبالتالي لا نكون قد قدمنا أي خدمة حقيقية للمريض طالما أنه يفتقر لما يبقيه على قيد الحياة”.هذا الشلل الطبي يتزامن مع تحذيرات مرعبة أطلقها أحد الكوادر الطبية العاملة في مستشفى الأبيض لـ “مداميك”، مؤكداً أن الوضع الوبائي في المدينة يسير بالتوازي مع هذه الأزمات نحو الانفجار، حيث قال: “إن الوضع بات ينذر بكارثة صحية كبرى مع انتشار حالات مؤكدة لمرض الكوليرا والتهاب السحايا، فضلاً عن تسجيل إصابات متزايدة بالسعال الديكي وسط الأطفال، وهي أوبئة تفتك بأجساد أنهكها سوء التغذية الحاد والجوع، وفي ظل انعدام كامل لخدمات رعاية الحوامل والصحة الإنجابية في المعسكرات التي تفتقر لأبسط مقومات النظافة والمياه الآمنة”.الرعب الوجودي والهاوية الوشيكة (سيناريوهات الحصار)خلف كافة الأرقام والإفادات المادية عن العطش والجوع والانهيار الصحي، يقبع الهاجس الأكبر الذي يطحن نفوس من تبقى في المدينة: الرعب الوجودي من الإبادة أو الاجتياح الوشيك، والوقوع تحت مقصلة حصار خانق لا يرحم يعيد سيناريوهات التجويع التي شهدتها مدن سودانية أخرى.تنقل محاسن حسن الملامح النفسية الكابوسية التي تعيشها العائلات لـ “مداميك” قائلة:”أسوأ ما في هذه الأزمة الإنسانية الشاملة بالأبيض هو الواقع النفسي والوجودي؛ أن يعيش الإنسان في قلق دائم وخوف مستمر ورعب لا ينقطع. باتت مدينة الأبيض مهددة بشكل حقيقي وفي كل ثانية بسقوط قذيفة أو اجتياح، وتعيش تحت وطأة تهديد عسكري مباشر وموجه بشكل أساسي نحو المدنيين العزل وبنيتهم التحتية. هذا الوضع المتأزم والخانق دفع بأعداد غفيرة من المواطنين إلى مغادرة المدينة والنزوح الجماعي عنها نحو المجهول، فراراً بحياتهم وحياة أطفالهم وخوفاً مما تخبئه الأيام القادمة. ويتنامى رعب حقيقي وقلق متزايد بين السكان المتبقين من فرض حصار عسكري محكم وكامل على المدينة من كافة الجهات، وهو الهاجس الأساسي المتسبب في حالة الذعر السائدة في كل زقاق من أزقة المدينة”.هذا التخوف المحلي يكتسب أبعاداً أكثر جدية بالنظر إلى التحذيرات الصارمة الدولية؛ إذ أطلقت منظمات أممية وإقليمية ودول كبرى، بينها الولايات المتحدة الأمريكية، تحذيرات شديدة اللهجة من فظائع إنسانية وانتهاكات واسعة قد تُرتكب في المدينة، بناءً على رصد تقارير استخباراتية وميدانية تؤكد وجود حشود عسكرية ضخمة وغير مسبوقة لـ “قوات الدعم السريع” تحيط بمدينة الأبيض من عدة محاور وتستعد لاقتحامها.وفي هذا السياق، لخص رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان، محمد رفعت، المأساة الوجودية للأهالي قائلاً:“إن العائلات في السودان وفي كردفان لم تعد تملك أي خيارات آمنة لحماية نفسها، فكثير من هذه الأسر قد نزح سابقاً لمرات متعددة، ويجد نفسه اليوم مضطراً مجدداً لترك منزله البديل، ووسائل عيشه البسيطة، وشبكات الدعم المجتمعي التي بناها بشق الأنفس”. مشدداً على أن استمرار هذا العنف وتوسع نطاقه يتطلب بشكل حتمي ضمان وصول آمن، عاجل ومستدام للمنظمات الإنسانية إلى المتضررين.ورغم عدم توفر إحصاءات محلية دقيقة وحصرية حول أعداد المغادرين والنازحين من الأبيض بسبب التدابير الأمنية، إلا أن المشاهد عياناً هو خروج قوافل هائلة من المواطنين الفارين؛ لينضموا بذلك إلى شتات النزوح الإقليمي الذي وثقته لجان الهجرة الدولية بأن أكثر من 288 ألف نازح في إقليم كردفان هم في الأصل من سكان المنطقة الذين تشردوا داخلياً، بينما تستضيف ولاية شمال كردفان وحدها أكثر من 234 ألف نازح موزعين على 667 موقعاً بائساً في ثماني محليات، استقبلت منها الولاية نحو 33 ألفاً و465 نازحاً جديداً خلال الأشهر الأخيرة في تدفق مستمر لا يتوقف.نداء الاستجابة الأخيرةتتضافر المؤشرات الميدانية المتواترة من الأبيض، مسنودة بالأرقام الأممية المفزعة، لتؤكد أن إنقاذ المدينة لم يعد يحتمل التأجيل أو المماطلة السياسية. إن حماية الفئات الأكثر ضعفاً وتأمين الإمداد المائي والدوائي والوقود للفرق الطبية، وتحسين خدمات الإصحاح البيئي، وضمان وصول آمن ودون عوائق للمساعدات، هي المطالب الأساسية العاجلة لمنع تحول مدينة الأبيض إلى مقبرة جماعية مفتوحة، ووقف واحدة من أبشع الأزمات الإنسانية في التاريخ البشري الحديث جراء آلة الحرب التي بدأت منذ عام 2023 وتسببت حتى الآن في مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص في شتى أنحاء البلاد.The post مداميك داخل الأبيض.. الموت صمتاً بين فكي الحصار وسلاح “الإبادة اللوجستية” appeared first on صحيفة مداميك.