الدواء في زمن الحرب.. انهيار العملة والجبايات والسوق السوداء تدفع القطاع نحو الهاوية

Wait 5 sec.

مداميك: ندى رمضانأدت الحرب المستمرة في السودان إلى اضطراب غير مسبوق في قطاع الدواء، انعكس بصورة مباشرة على وفرة الأدوية وأسعارها، ودفع شركات إلى تعليق نشاطها أو تقليصه، بينما توسعت السوق السوداء لتصبح المنقذ الوحيد لآلاف المرضى. وفي ظل انهيار سعر صرف الجنيه، وارتفاع تكاليف النقل والجبايات، وتراجع الإنتاج المحلي، تتفاقم معاناة المرضى في الحصول على العلاج، وسط تحذيرات من أزمة دوائية قادمة.وتزامنت هذه التطورات مع تطبيق زيادة جديدة في سعر الدولار الجمركي بنسبة (6.4%) ليرتفع سعره إلى أكثر من (3700) جنيه بدلاً من (3500) جنيه، في وقت عزت فيه مصادر الزيادة إلى ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية، الذي واصل صعوده إلى (5400) جنيه للدولار الواحد، ما ينذر بموجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وعلى رأسها الدواء.اختصرت المواطنة (ح.ر)، من سكان محلية شرق النيل بولاية الخرطوم، حجم المأساة التي يعيشها المرضى في السودان بقولها: “لم تدمر الحرب المنازل فقط، بل دمرت حقنا في العلاج.” واضافت أن انهيار معظم المستشفيات والمرافق الصحية جعل الوصول إلى طبيب مختص أو دواء رحلة شاقة تستنزف الوقت والمال، وتفوق تكلفتها قدرة معظم الأسر.وتروي أنها أمضت أكثر من ثلاث سنوات تتنقل مع أسرتها بين البحث عن علاج لوالديها المصابين بالسكري وارتفاع ضغط الدم، ومحاولة متابعة حالتها الصحية بعد عملية جراحية في الرحم أجرتها قبل الحرب، لكن نقص الأدوية وارتفاع أسعارها وانتشارها في السوق السوداء جعل العلاج “حلمًا بعيد المنال”.وأضافت انهم اضطروا إلى السفر إلى بورتسودان لإجراء عمليات عيون لوالديها ومراجعة طبيبة مختصة لحالتها، إلا أن تكلفة العملية الواحدة، التي بلغت نحو مليون  ونصف المليون جنيه سوداني، إضافة إلى مصروفات السفر التي تجاوزت ثلاثة ملايين جنيه، أجبرتهم على العودة إلى الخرطوم دون تلقي العلاج اللازم.ولا تقف معاناة (ح) وأسرتها عند ذلك، إذ تبلغ رسوم مقابلة الطبيب في الخرطوم نحو (50) ألف جنيه، بينما تصل تكلفة الفحوصات إلى (195) ألف جنيه، ويبلغ سعر الحقنة الواحدة (450) ألف جنيه، وهي تحتاج إلى ثلاث حقن بصورة دورية. كما تصل تكلفة المواصلات إلى أقرب مستشفى أو مركز صحي نحو (35) ألف جنيه للرحلة الواحدة، في ظل انعدام مصادر الدخل.وأشارت إلى أن النساء الحوامل أصبحن مطالبات بتوفير المستهلكات الطبية بأنفسهن قبل الولادة، والتي تتجاوز تكلفتها (150) ألف جنيه سوداني، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من الأسر التي اعتمدت غالبيتها على البدائل العشبية والوصفات المنزلية.واختصرت (ح. ر) واقع القطاع الصحي بقولها:”في الخرطوم، لم يعد الخوف من الحرب وحده ما يهدد حياتنا، بل أصبح غياب الرعاية الصحية خطرًا لا يقل فتكًا.. وإذا لم يمت الناس بسبب الحرب، فقد يموتون لأنهم لم يجدوا طبيبًا أو دواءً في الوقت المناسب”.نقص الأدوية رغم كثرة الشركاتمن جانبه، يقول الصيدلي الدكتور محمد أحمد لـ(مداميك) إن مدينة ود مدني بولاية الجزيرة تضم أكثر من (200) شركة موردة وموزعة للأدوية، في سابقة تعد الأولى من نوعها بولاية الجزيرة، إلا أنها لا تزال تعاني نقصًا واضحًا في الأدوية المنقذة للحياة، في ظل غياب ملحوظ لدور الصندوق القومي للإمدادات الطبية الحكومي.ويشمل النقص أصنافًا أساسية مثل المحاليل الوريدية، و”البنادول درب”، وحقن الأرتيسونات المستخدمة في علاج الملاريا. واضاف:”ازدهار السوق السوداء يعد مؤشرًا مباشرًا على ندرة الدواء وشح الأصناف الحيوية”،وأوضح أن نشاط السوق السوداء توسع بصورة ملحوظة رغم وجود الأجهزة الرقابية، واشار إلى أن الحرب وارتفاع سعر صرف الدولار، والرسوم والجبايات المفروضة على شاحنات الأدوية أثناء النقل بين المدن، كلها عوامل أدت إلى انفلات أسعار الدواء. وأبان أن أكثر الأصناف تأثرًا بالنقص هي أدوية الملاريا وحمى الضنك، نتيجة ارتفاع الطلب عليها، ما يدفع المرضى وذويهم إلى اللجوء للسوق السوداء وشراء العلاج بأسعار باهظة لإنقاذ الأرواح.شركات تعلق نشاطهاوكشف محمد أحمد عن توقف عدد من شركات الأدوية والموردين والموزعين عن البيع، بسبب الارتفاع المتسارع في سعر الدولار واتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، موضحًا أن بعض الشركات فضلت تعليق نشاطها تجنبًا للخسائر.وأشار إلى أن مجلس الأدوية والسموم حدد سعر الدولار لاستيراد الأدوية عند (4750) جنيهًا، بينما يعتمد موردو المعدات الطبية سعرًا يقارب (5.200) جنيه، وهو فارق قال إنه يفوق قدرة الموردين على التحمل، متوقعًا خروج مزيد من الشركات من السوق وحدوث أزمة دوائية أكثر حدة خلال الفترة المقبلة.النقل والجبايات يضاعفان التكلفةويرى محمد أحمد أن الأزمة لا ترتبط بسعر الصرف وحده، إذ أسهم ارتفاع أسعار الوقود والنقل، والرسوم المفروضة على الطرق، وجبايات المرور، إلى جانب تأخر الشحن العالمي وتعطل حركة البضائع عبر الموانئ، في مضاعفة تكلفة وصول الأدوية إلى الأسواق. وأضاف أن سوق الدواء يعمل في ظروف استثنائية فرضتها الحرب، بينما تجاوزت الأسعار القدرة الشرائية لغالبية المواطنين، خاصة مرضى الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض الكلى والسرطان.التصنيع المحلي يفقد ميزتهوفي ما يتعلق بالإنتاج المحلي، أوضح أن السلطات كانت تمنع استيراد أي دواء يُصنع داخل السودان، لكن تدمير عدد من المصانع خلال الحرب دفع الشركات إلى اللجوء إلى التصنيع التعاقدي في مصر وسلطنة عُمان، مع الالتزام بالمواصفات نفسها.وأشار إلى أن تكلفة التصنيع خارج السودان أصبحت أقل من الإنتاج المحلي، بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف الكهرباء والوقود والطاقة، ما جعل التصنيع الخارجي الخيار الأكثر جدوى اقتصاديًا.وأبان أن السلطات تسعى لإعادة التصنيع الدوائي إلى السودان، واشترطت إدارة الصيدلة وجود معامل لضبط الجودة داخل المصانع المحلية، لكنه انتقد هذا الشرط، معتبرًا أن مسؤولية الرقابة على الجودة تقع على عاتق وزارة الصحة والجهات المختصة، وليس على الشركات المصنعة أو المستوردة، مستبعدًا تنفيذ القرار بصيغته الحالية.استثمارات مهددةوأكد الدكتور محمد أن بعض الشركات حاولت استئناف نشاطها بعد توقف دام ثلاث سنوات، إلا أن انهيار العملة وارتفاع تكاليف التشغيل دفع عددًا منها إلى التراجع عن خطط العودة. وتساءل عما إذا كان مجلس الأدوية والسموم سيلجأ إلى زيادات جديدة في أسعار الأدوية لمواكبة الفارق بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية، وما إذا كانت الشركات ستحصل على تعويضات عن تلك الفجوة.وقطع قائلا “الاستثمار في قطاع الدواء أصبح طاردًا في ظل استمرار الحرب، والسوق السودانية بات يُنظر إليها باعتبارها عالية المخاطر”. وأشار الى أن بعض الشركات بدأت بالفعل في تقليص العمالة والاعتماد على الموزعين بدلًا من الصيادلة لخفض النفقات ومواجهة الخسائر.اقتصادي: أسعار الدواء تضاعفت أكثر من عشر مراتبدوره، قال المحلل الاقتصادي د. الفاتح عثمان محجوب إن انهيار سعر صرف الجنيه السوداني بسبب الحرب كان “كارثيًا” على غالبية المواطنين، موضحا أن قيمة الجنيه انخفضت إلى نحو عشر قيمته قبل الحرب، بينما ظلت مرتبات معظم العاملين، خاصة في قطاع التعليم، عند مستويات ما قبل الحرب.وأشار إلى أن موجة الغلاء شملت جميع قطاعات المعيشة والخدمات، ولم يكن الدواء استثناءً، إذ تضاعفت أسعاره إلى عشرة أضعاف، بل تجاوزت ذلك في بعض الأصناف. وأضاف أن العلاج أصبح أحد أكبر هموم المواطنين، وهو ما يبرز أهمية التأمين الصحي باعتباره إحدى أهم أدوات وزارة الصحة لتوفير العلاج بأسعار مدعومة.وأوضح محجوب أن الأزمة تبدأ عندما يعتذر التأمين الصحي عن عدم توفر الدواء المطلوب، أو يعلن أن العلاج غير مشمول بالتغطية، ليجد المواطن نفسه عاجزًا عن شراء الدواء من السوق التجارية، خصوصًا في ظل توقف الدخول الحقيقية، باستثناء من يتلقى دعمًا من أقارب يعملون في الخارج أو في مناطق التعدين.ويرى د. محجوب أن الحل يكمن في توسيع مظلة التأمين الصحي لتشمل مزيدًا من المواطنين، وإضافة أصناف علاجية وأدوية جديدة إلى قائمة الخدمات المغطاة.وفي ما يتعلق بتهريب الدواء، أوضح أن معظمه يدخل عبر إريتريا وجنوب السودان، واشار إلى أن ظروف الحرب دفعت السلطات، في بعض الفترات، إلى التغاضي عن الدواء المهرب، رغم أن جزءًا كبيرًا منه فاسد أو غير مسجل في السودان. واكد ان”تهريب الدواء يحقق أرباحًا ضخمة، ولذلك لن يتوقف بسهولة، خاصة في ظل تماهي دولتي جنوب السودان وإريتريا مع شبكات تهريب الدواء”.The post الدواء في زمن الحرب.. انهيار العملة والجبايات والسوق السوداء تدفع القطاع نحو الهاوية appeared first on صحيفة مداميك.