عبد المجيد قرشيمنذ اندلاع الحرب في السودان، تكاثرت المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف القتال وتهيئة المناخ للتوصل إلى تسوية سياسية. فشهدنا تحركات للمبعوث الأمريكي، واجتماعات للرباعية والخماسية، وجهودًا من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد)، إضافة إلى مبادرات من دول الجوار. ورغم أهمية هذه التحركات، فإن التجربة السودانية تؤكد حقيقة أساسية، وهي أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يُستورد من الخارج، وإنما يصنعه السودانيون أنفسهم.إن المجتمع الدولي يستطيع أن يمارس الضغط، وأن يوفر الضمانات، وأن يهيئ منصات الحوار، وأن يقدم الدعم الفني والإنساني، لكنه لا يستطيع أن يخلق الإرادة الوطنية أو يفرض المصالحة بين أبناء الوطن. فالتاريخ يعلمنا أن الاتفاقات التي لا تستند إلى قناعة وطنية وإرادة داخلية غالبًا ما تكون قصيرة العمر، بينما يستمر السلام عندما يشعر الجميع بأنهم شركاء في صناعته ومسؤولون عن حمايته.لقد أثبتت السنوات الماضية أن تعدد المبادرات الخارجية، رغم حسن النوايا في كثير من الأحيان، لم يؤدِّ إلى إنهاء الأزمة بصورة نهائية. ويرجع ذلك إلى أن جوهر الأزمة سوداني، وبالتالي فإن مفتاح الحل يجب أن يكون سودانيًا أيضًا. فلا يمكن لأي وسيط، مهما كانت مكانته، أن يعرف مصالح السودان أكثر من السودانيين أنفسهم، ولا يمكن لأي دولة أن تكون أكثر حرصًا على استقرار السودان من شعبه.وفي هذا السياق، تأتي مبادرة الفريق مالك عقار باعتبارها محاولة لإطلاق حوار سوداني يفتح الباب أمام القوى السياسية والمدنية والمجتمعية للبحث عن أرضية مشتركة. وقد يختلف الناس حول تفاصيل المبادرة أو آليات تنفيذها، وهذا أمر طبيعي في أي عمل سياسي، لكن الاختلاف حول التفاصيل لا ينبغي أن يقود إلى رفض أي مبادرة وطنية من حيث المبدأ.إن المبادرات الوطنية لا تُقاس بالكمال، وإنما بقدرتها على فتح نافذة للحوار وتقريب وجهات النظر. فليس مطلوبًا أن تحقق المبادرة كل الأهداف منذ يومها الأول، وإنما أن تخلق مناخًا يسمح بتراكم الثقة، ويهيئ الطريق أمام خطوات أكبر نحو وقف الحرب وإعادة بناء الدولة.ومن هنا، فإن مسؤولية القوى المدنية تصبح مسؤولية تاريخية. فهي مطالبة اليوم بالابتعاد عن سياسة الرفض المطلق، وأن تتعامل مع أي مبادرة وطنية بعقلية نقدية بناءة، فتدعم ما تراه إيجابيًا، وتقترح التعديلات اللازمة على ما يحتاج إلى تطوير، بدلاً من الاكتفاء بإصدار بيانات الرفض أو انتظار مبادرات خارجية.إن القوى المدنية تمتلك رصيدًا كبيرًا من الخبرات والكفاءات، ويمكنها أن تضيف للمبادرة رؤى تتعلق بالتحول الديمقراطي، والعدالة الانتقالية، والإصلاح المؤسسي، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين واللاجئين، وهي ملفات لا تقل أهمية عن وقف إطلاق النار نفسه. لذلك فإن المشاركة الفاعلة في أي عملية حوار وطني تمثل فرصة للتأثير الإيجابي، بينما يؤدي الغياب إلى ترك الساحة لآخرين.كما أن نجاح أي مبادرة وطنية يتطلب مشاركة واسعة من مختلف مكونات المجتمع السوداني، بما في ذلك الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والإدارات الأهلية، والشباب، والنساء، والنقابات، والقيادات الدينية، لأن السلام لا يُبنى بين النخب السياسية وحدها، بل يحتاج إلى قاعدة اجتماعية واسعة تؤمن به وتحميه.ولا يعني دعم المبادرات الوطنية التقليل من أهمية الدور الدولي. فالمجتمع الدولي يظل شريكًا مهمًا في تقديم المساندة الاقتصادية والإنسانية، وفي مراقبة تنفيذ الاتفاقات، وفي دعم جهود إعادة الإعمار. لكن هذا الدور يجب أن يبقى دورًا مساعدًا ومسهلًا، لا بديلًا عن الإرادة الوطنية السودانية.إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جامع يعيد بناء الثقة بين أبنائه، ويؤسس لدولة تقوم على المواطنة وسيادة القانون والعدالة، بعيدًا عن الإقصاء والاستقطاب الحاد. ولن يتحقق ذلك إلا عبر حوار سوداني شامل يشارك فيه الجميع دون استثناء، ويضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والجهوية والشخصية.إن وقف الحرب هو الأولوية القصوى، لكن السلام الحقيقي لا يعني مجرد صمت البنادق، بل يعني بناء عقد اجتماعي جديد يحقق العدالة، ويضمن المشاركة السياسية، ويحفظ وحدة السودان، ويمنع تكرار المآسي التي عاشها الشعب خلال السنوات الماضية.وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم: من يصنع السلام في السودان؟ والإجابة واضحة؛ ليس المبعوث الأمريكي، ولا الكونغرس الأمريكي، ولا الرباعية أو الخماسية، مهما كان تأثيرهم. هؤلاء يستطيعون أن يسهلوا الطريق، وأن يدعموا الجهود، وأن يقدموا الضمانات، لكن السلام الحقيقي لا يصنعه إلا السودانيون عندما يجلسون معًا، ويتحاورون بإرادة وطنية صادقة، ويضعون مستقبل السودان فوق كل اعتبار.ولذلك، فإن دعم المبادرات الوطنية، وفي مقدمتها أي مبادرة تفتح باب الحوار بين السودانيين، ينبغي أن يكون واجبًا وطنيًا. فربما تكون الخطوة الأولى نحو إنهاء الحرب واستعادة الدولة وبناء مستقبل يستحقه كل أبناء السودانThe post السلام الحقيقي يصنعه السودانيون appeared first on صحيفة مداميك.