محمد حيدر المشرفلا يملك أحد أن يحاكم الناس أخلاقياً بسبب تشجيعهم لهذا الفريق أو ذاك، وليس من حق أحد أن يعتبر تشجيع فريق غير منتخب بلاده اعتداءً عليه أو إعلاناً صريحاً للعداء تجاه وطنه.بل إن المكايدات بين مشجعي كرة القدم، عند الهزيمة أو الانتصار، جزء أصيل من متعة اللعبة. نشأت في عائلة هلالابية بالكامل، بل وفي حي أمدرماني هلالابي بالكامل، ولم يهدِ الله منهم إلى سواء المريخ العظيم إلا والدي، وأحد أعمامي، وأنا، وأخي عمار، وقلة قليلة. كنا فئة صغيرة في مواجهة جيش من الهلالاب المتحمسين، لكننا كنا فئة ذات شوكة؛ نكايدهم كيداً بكيد، ومكاواةً بمكاواة، في طقس اجتماعي شديد الحميمية والجمال، رغم أنني مررت بأيام عصيبة امتنعت فيها حتى عن تناول الطعام بعد هزائم المريخ. هكذا هي اللعبة يا غبي !!غير أن العلاقة بين الشعبين السوداني والمصري علاقة متشابكة ومعقدة، تتداخل فيها مسارات تاريخية ونفسية وسلوكية متعددة. وربما تعود جذور بعض هذا التعقيد إلى التاريخ الحديث المشترك، منذ حملات الدفتردار الانتقامية، ومروراً بتولي عدد من الإداريين المصريين مهام ذات طبيعة قاسية تجاه السودانيين نيابة عن المستعمر الذي حكم البلدين، مثل تحصيل الضرائب، ومصادرة الممتلكات، وممارسة قدر مفرط من القسوة في القيام بذلك. كما قام المستعمر المشترك باستخدام العسكر المصريين كأدواتٍ لقمع حالات التمرد الوطني السوداني المتعددة ضد الاستعمار.وفي المقابل، شاهدت في أحد الأفلام المصرية القديمة مشهداً للقمع الشديد الذي كان يتعرض له الفلاح المصري في الحقبة الخديوية، وكانت اليد التي تبطش به فرقة سودانية من الهجانة. ووفقاً لبعض الروايات التاريخية والأعمال الأدبية والسينمائية، فإن هذه القوات تشكلت في بداياتها من جنود وضباط مصريين وسودانيين تحت قيادة بريطانية، واشتهرت بأساليب عنيفة، من بينها استخدام الكرابيج السودانية (اسواط العنج) لفرض السيطرة وإرهاب الفلاحين المصريين.انتهت تلك الحقبة بشرها القليل والكثير، وبدأ التاريخ صفحة جديدة أكثر إشراقاً مع المد الاشتراكي والتحرري والناصري. وما زلنا نذكر مدى ارتباط أجدادنا بمصر واحترامهم لعبد الناصر ونجيب والسادات؛ بل إن صورة عبد الناصر كانت معلقة في صوالين كثير من السودانيين. وباستثناء سخريتهم الحادة من تصرفات صلاح سالم المفرطة في سبهلليتها، والتي لم تأخذ الشعب السوداني بالجدية الكافية، فإن المزاج العام في ذلك الوقت كان شديد الود تجاه مصر.يقول مريد البرغوثي في شهواته(شهوة لوجود الرجال الذين بنوا فى المضافة بيت الكرم وبيت النكات اللئيمه بيت التهكم من كل عال قوى وبيت المساء الطويل بطول الجدال وأخبار كل البلاد كأن الحصيرةَ من تحتهمْ هيئةٌ للأُمَمْ)لكن السنوات تراكمت، وبدأ الوعي السوداني ينتبه إلى الذهنية التي تُدار بها العلاقة المصرية مع السودان، وكأن السودان كان إرثا من الحقبة الخديوية التي تحررت منها مصر نفسها. وقد استمعت قبل سنوات إلى الدكتور مصطفى الفقي، وزير خارجية مصر الأسبق، وهو ينتقد بوضوح النهج المخابراتي المصري في إدارة العلاقة مع السودان.هذه الذهنية، تحديداً، هي المسؤولة عن كثير مما يحدث اليوم. فقد تراكمت أخطاؤها في السودان حتى تحولت مكانة مصر لدى قطاعات واسعة من السودانيين تدريجياً من الود العميق إلى حالة من القلق والتوجس من الأدوار التي لعبتها الدولة المصرية في السودان: مصر التي دعمت، في نظر كثيرين، أنظمة شمولية متعاقبة؛ ومصر المتغولة على مياه النيل؛ ومصر المحتلة لحلايب وشلاتين (ضمن نزاع حدودي معروف)؛ ومصر التي ظلت، حتى اللحظات الأخيرة من عمر نظام الإنقاذ، تمد الأجهزة الأمنية السودانية بأدوات القمع والغاز المسيل للدموع وما ادراك ما البمبان المصري!!هذا على مستوى الدولة، فماذا عن المجتمع المصري وقواه الناعمة، وفي مقدمتها السينما والتلفزيون والإعلام؟الأمر هنا أكثر فداحة وإيلاماً. فقد ظل الإعلام والفن المصريان، في كثير من إنتاجهما، يقدمان السوداني في صورة كاريكاتيرية جارحة وحاطة من الكرامة الإنسانية. قد يعذر المرء بعض الأصوات الهامشية بجهلها, كالمشخصاتي الابله احمد آدم واشباهه، ولكن كيف يمكن تبرير هذه الصورة عند فنانين كبار ومؤثرين كعادل امام او سمير غانم وغيرهم؟ .. (سمير كان يطلي وجهه بالدهان الاسود ليجسد دور السوداني بسبب قصور وعيه عن دلالات استخدام الطلاء الاسود العنصرية في السينما لتجسيد دور السود)والحديث يطول، غير أن كل ما سبق يظل في سياق، وما يحدث الآن في سياق آخر تماماً.ما حدث كان حماده, وما يحدث ده حماده تاني خالصما تقوم به مصر الآن، في تقديري، يتجاوز حدود الخلافات التاريخية أو الحساسية الشعبية، ويمس جوهر السيادة السودانية ومقدرات البلاد. فهناك ما يبدو كتحرك واسع لاستغلال ثروات السودان وموارده، ضمن تصور توسعي يسعى إلى الهيمنة وكسب النفوذ، بصورة أو بأخرى، على شمال السودان على الأقل. او الجغرافيا الخالية التي اشار اليها محمد حسنين هيكل. ولا أتحدث هنا عن احتلال مباشر، بل عن نفوذ مصري مهيمن على القرار السوداني، في استغلال بالغ القسوة للظرف الاستثنائي وحالة الضعف الشديد والتفكك و التي تعيشها الدولة السودانية منذ حرب 15 أبريل الأهليةThe post إنها مجرد كرة قدم يا غبي!!! appeared first on صحيفة مداميك.