بكرى الجاك مدنييعبّر الكثير من الناس في وسائط التواصل الاجتماعي عن دهشتهم عن مستوى الانحطاط الذي وصل إليه الخطاب العام سواء المتعلق يوميات الحرب أو بافرازاتها و بما خلفته من انقسام اجتماعي و وجداني و نفسي. ولكن بخلاف حقيقة أنه ليس للانحطاط قاع فكثير مما نراه انحطاط سوف يكون جزء من الخطاب العادي أن لم يكن قد حدث. جذر هذه المشكلة هو موت العقلانية التي ببساطة تعني تفسير ما يحدث في العالم وفق علاقات السببية، أي أن الأشياء لا تحدث فقط بمحض ارادتها أو بمحض الصدفة ( و التي لها منطق حتى وإن لم يكن له تفسير) وإنما لعوامل مستقلة و عوامل متغيرة و تابعة.صحيح أن تعقد القضايا الاجتماعية و تداخلاتها يجعل من الصعوبة تحديد العوامل المستقلة من المتغيرة، خذ الحرب كمثال فهي اندلعت لمجموعة عوامل من بينها ظاهرة تعدد الجيوش، التنافس على السلطة والموارد، و صراعات اقليمية هذا علي سبيل المثال لا الحصر، و بالرغم من أن كل عامل من هذه العوامل يمكن أن يكون عامل مستقل في لحظة ما إلا أنه قد يكون ايضا عامل تابع في لحظة زمنية سابقة، خذ مثلا ظاهرة تعدد الجيوش التي في جوهرها خلل بنيوي في بنية الدولة السودانية التي لجأت للعنف لتثبيت مشروع أحادي يرفض التنوع بدلا من إدارة التنوع والتعامل معه كمصدر قوة. ميزة العقلانية أنها تضع سؤال تفسير العالم وما يحدث فيه في إطار موضوعي قابل للتأثير حيث أن الفرد، إذا قرر استخدام قدرته على الفعل ( Agency)، أن يكون بمقدوره تغيير واقعه بدلا من التسليم أن كل ما يحدث هو محض قدر إلهي، و حتى لا تكون الأمور دق رمل العقلانية تقدم تفسير وأدوات تدخل لتغيير الواقع لا التسليم بأنه قدر و كفي.حقيقة بديهية رقم (1): مفهوم القدرة على الفعل أي ال agency يقوم على ثلاثة ركائز:أولا،القدرة على تحقيق كل ما يريد الفاعل السياسي أي أن للفرد من مقومات القوة الناعمة (الشرعية، القدرة على منح الهبات، القدرة على توقيع العقاب، التقدير أو الكاريزما و المعلومات) أو القدرة علي الإخضاع او فرض الارادة عن طريق العنف أو العمل العسكري.ثانيا، التأثير، إذا لم يملك الفاعل السياسي، و بالضرورة كل صاحب مصلحة فاعل سياسي، القظرة على فرض الارادة او ادوات الإخضاع بالعنف بالإضافة إلى أدوات القوة الناعمة فليس أمامه إلا اللجوء إلى أدوات التأثير و هذه تشمل العمل الجماهيري و العمل الدبلوماسي و بناء التحالفات الداخلية والإقليمية وفي ذلك ليس للفاعل إلا أدوات القوة الناعمة و ليس من السهولة الحصول علي القدرة علي الاخضاع فقط بأدوات القوة الناعمة.ثالثا: التمسك بالموقف الأخلاقي، وهنا يكتفي الفاعل بالتعليق متمسكا بسلامة موقفه الاخلاقي و متحججا بأنه لن يلطخ أياديه بأي محاولة فعل لأنه يفضل أن لا تتسخ أياديه لأنه لا يضمن تحقق كل ما يريد و يعلم أن الدخول في محاولة التأثير هي عملية تقديرات و فيها الكثير من المخاطر، في واقعنا أصحاب هذه الكنبة لا يكتفون بالتمسك بالموقف الأخلاقي و حسب و لكنهم يتوهمون أن هذا الموقف الأخلاقي أو كتابة إطار عام عادة ما يبدأ ب “يجب” و لكن من سيقوم بما يجب فهذا مبني للمجهول، و لكنهم يعتقدون أنهم علي صواب وأنهم متفوقون أخلاقيا على من اختار أن يكون فاعلا.حقيقة بديهية رقم (2): اذا لم يكن بوسع الفاعل السياسي من فرض ارادته فليس امامه سوي التفاوض الذي يعني عمليا التنازل عن ما يعرف بتحقيق كل ما يريد او ما يسمي بال maximalism الى ما هو مقبول اي الحد الأدنى mimimum supportsble outcome و هذه مسالة تقديرات خصوصا اذا كان طرف في صراع و لا يملك القدرة على فرض الارادة كاملة, و بالضرورة أي فاعل سياسي سيكون في حالة صراع و ليس بالضرورة كل صراع هو صراع مسلح بل فكرة الديمقراطية كنظام هي اداة لادارة هذا الصراع بأدوات سلمية و بالتوافق على شروط اللعبة ( قوانين و قواعد و اجرءآت) التي في جوهرها الإقناع لا الإخضاع.عطفا على العنوان، إذا أخضعنا القوات المسلحة وحلفائها للبديهيات التي أوردتها في عاليه فيبدو أن إصرار الفريق البرهان على تحقيق الاخضاع لكل قوات الدعم السريع و حلفائها كشرط للتفاوض هو ليس شرطا وإنما رفض للتفاوض مع الظهور و كأنما هناك مؤسسات تتعاطى مع الأمر و هو مجرد كسب للوقت إذ ليس للبرهان و حلفائه من أدوات قوة للإخضاع دون حرب طويلة قد تنتهي بتفكك معسكرات الحرب نفسها، إلا أن السؤال الذي يجب أن يسأل ما الذي يجعل البرهان موقن أن الوقت في صالحه؟ أعتقد هنالك تصور مضلل يقدمه بعض مستشاري البرهان المحليين والخارجيين أن مجرد التمسك بالشرعية باعتبار أن سلطة الأمر الواقع ورثت شرعية الدولة السودانية و مع تعاظم الكارثة الإنسانية التي يعتقد البرهان و حلفائه أنها في صالحهم فهم لا يتألمون ولا يأبهون لما يحل بالسودانيين، بل الكارثة الانسانية أصبحت أداة سياسية، و يعتقد البرهان أنها ستكون أداة وخذ في ضمير العالم و هذا سيجعل التفكير في آليات سريعة Quick Fix للضغط للوصول إلى أقصر طريق Shortcut لمعالجة الكارثة الانسانية، و هنا بالضرورة سيتم التعامل مع الكارثة الأنسانية و كأنها المشكلة وليست نتيجة للحرب التي هي نتيجة لأزمات البلاد المتراكمة منذ ما قبل الاستقلال.و ما ورد من اشارة للتدخلات الخارجية و تسمية الإمارات بالاسم في بيان برلمان الاتحاد الأوروبي يمثل بداية نجاح هذه الاستراتيجية في تصورهم، و لنمضي في هذا التصور إلى نهاياته المنطقية و لنفترض أن البرلمان الأوروبي مضى في توقيع عقوبات على الدول الداعمة للحرب بما فيها الامارات و أنهم صنفوا الدعم السريع منظمة ارهابية و كذلك فعل الكونغرس الأمريكي، الذي لا أعتقد أنه سيكتفي بتصنيف الدعم السريع وحده إن فعل وقد يلحق به القوات المسلحة ايضا، هناك العديد من المنظمات التي صنفت ارهابية و لم تتوقف عن القتال بل يمكن أن تظهر بمسميات جديدة و تنفي أي صلة بجهات أخرى، لنفترض أن كل ذلك حدث بنهاية العام أو بنهاية العام الرابع للحرب، هل هذا سينهي الحرب و يعالج الجذور التاريخية لقيامها؟الواضح أن هدف هذه الاستراتيجية هو اعادة إنتاج الدولة المركزية و التعامل مع تأسيس و كأنها حركة مسلحة متمردة يتم التفاوض معها على السلام بنفس فكرة المنح والعطاء.بلا مواربة هذه الاستراتيجية لا تبحث عن السلام و لا عن مصالح السودانيين في الأمن و الاستقرار بل هي خطر على الدولة التي صدعوا رؤوسنا بالدفاع عن مؤسساتها، و حتى و ان استجابت بعض المنظمات الدولية والإقليمية لهذا المشروع، تجربة السودان في الحروب الأهلية تكذب حقيقة أن لهذه الاستراتيجية أي فرص للنجاح والأسوأ أن هذا التصور يغفل دور الحرب كعامل مستقل و أن لها اقتصادها الذي توطدت أركانه في بورتسودان و الخرطوم و نيالا كما أنها لا تعتبر أن الانقسام الاجتماعي والوجداني أمر حقيقي و لا يمكن توقّع أن تنتهي تأثيراته بمجرد دخول القوات المسلحة إلى أم دافوق كما يتقوّل البعض، بل علي النقيض هذه الحرب قد غرست بذور حروب أخري طويلة ما لم تنتهي بعملية سلام شاملة تخاطب جذور و أمهات مشاكل الدولة السودانية المتوارثة، فلماذا نضيع الوقت وراء هذا السراب؟ هذا سؤال لكل فاعل سياسي و اجتماعي وصاحب مصلحة للتفكير في تفعيل أدوات قدرتنا على التأثير لإنهاء هذه المأساة بدلا من أن نكون رهينة في أيدي حفنة من المتربصين و هذا بالضبط هو حال الشعوب السودانية الآن محض رهينة في أيدي تحالف المال والسلطة و الحرب.———————-10 يوليو 2026 أو 1182 يوم منذ اندلاع هذه الحربThe post القوات المسلحة ترفض مقترح الهدنة بوضع شروط لو تحققت لما احتجنا إلى هدنة اصلا؟ appeared first on صحيفة مداميك.