بقلم: ترايو أحمد محمدظلَّت العنصرية، بما تنطوي عليه من ممارسات تمييزية وخطابات كراهية، أحد أكثر المتغيرات ثباتًا في بنية الأزمة السودانية، إذ أسهمت، بدرجات متفاوتة، في تكريس التهميش الثقافي، واختلال المشاركة في السلطة، وسوء توزيع الثروة، والخلل البنيوي في مؤسسات الدولة. ومع ذلك، لم يحظَ هذا البعد، ولا سيما في ظل الحرب الراهنة، بما يستحقه من اهتمام في التحليلات والمبادرات السياسية، التي انشغلت غالبًا بمظاهر الصراع أكثر من جذوره. لذلك، يظل هذا العامل كامنًا في النسيج الاجتماعي، قابلًا لإعادة إنتاج نفسه كلما دخلت الدولة في أزمة جديدة، الأمر الذي يجعل معالجته شرطًا أساسيًا لأي مشروع جاد لبناء السلام.ولا ينطلق هذا الطرح من افتراض أن العنصرية هي التفسير الوحيد للأزمة السودانية، بل من فرضية مفادها أن عوامل الصراع الأخرى، كالتنافس على السلطة، والتهميش، والأزمات الاقتصادية، والتدخلات الخارجية، تعاقبت وتفاوت تأثيرها، بينما ظل العامل المرتبط بالانقسام الإثني وما ينتجه من ممارسات عنصرية وخطابات تمييزية الأكثر استمرارية عبر مختلف المراحل. فالمقصود ليس مجرد التعدد الإثني، وإنما الكيفية التي تفاعلت بها الانتماءات الإثنية مع توزيع السلطة والثروة، وإنتاج النخب، وصياغة مفهوم المواطنة، بما جعل قضايا الهوية جزءًا من البنية السياسية للدولة، لا مجرد انعكاس لها.وقد كشفت الحرب الحالية هذا البعد بوضوح غير مسبوق، إذ تصاعدت خطابات الكراهية، وانتشرت التصنيفات القائمة على الأصل والانتماء، وتحولت الهوية، في كثير من الأحيان، إلى أداة للتعبئة والاستقطاب السياسي والاجتماعي. ولا يعني ذلك أن العامل الإثني هو السبب الوحيد في اندلاع الحرب، وإنما أنه وفر بيئة مواتية لتوسيع دائرة العنف عندما تفاعل مع الصراع على السلطة، والانهيار الاقتصادي، والتدخلات الخارجية، بما يؤكد أن العلاقة بين هذه العوامل علاقة تفاعل متبادل، يعزز فيها كل عامل أثر الآخر.وليست العنصرية ظاهرة طارئة في السودان، بل تمتد جذورها إلى عهود الرق والاسترقاق، واستمرت آثارها خلال الحكم الثنائي، وهو ما تجلى في «مذكرة السادة» (1925)، التي عدّها محمد إبراهيم نقد، في كتابه «علاقات الرق في المجتمع السوداني»، اعتراضًا على تصفية مؤسسة الرق، ودفاعًا عن استمرار علاقات الاسترقاق والتبعية. واستمرت تجليات هذا الإرث في الحياة السياسية السودانية؛ فمن أبرزها التصريحات المنسوبة إلى الرئيس السابق، الجنرال عمر البشير، التي حملت عبارات مسيئة إلى النساء المنحدرات من غرب السودان، وكذلك مظاهر الابتهاج التي أعلنها الراحل الطيب مصطفى عقب انفصال جنوب السودان. واليوم بلغت هذه الخطابات ذروتها في الفضاء الإلكتروني، حيث تتبناها بعض المنصات والحسابات المحسوبة على الدعم السريع، وكذلك التيار الانفصالي الذي يقوده المدعو «عمسيب» و من يدعمه من افراد او مؤسسات، من خلال خطاب يقوم على التمييز العرقي، ولا سيما ضد المكونات الإفريقية.وما يجدر الاشارة ايضا انه، إذا كان خطاب الكراهية يمثل ركيزةً معلنةً في خطاب جماعة «عمسيب»، فإن قيادة الدعم السريع أخفقت في كبح الخطاب العنصري الصادر عن بعض أنصارها ومقاتليها، أو غضّت الطرف عنه، بما أسهم في تطبيعه وتوسيع نطاق انتشاره. ويعكس ذلك أن العنصرية لم تعد مجرد إرث تاريخي، بل أصبحت إحدى أدوات الاستقطاب والتعبئة في الصراع الراهن، وهو ما يزيد من تعقيد فرص التسوية الوطنية.وعليه، فإن أي مشروع لبناء سلام مستدام سيظل قاصرًا إذا اقتصر على تقاسم السلطة أو الترتيبات الأمنية، من دون معالجة الإرث التاريخي للعلاقات بين مكونات المجتمع السوداني. فإعادة بناء الدولة لا تقتضي إصلاح مؤسساتها فحسب، بل تستلزم أيضًا ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة في توزيع السلطة والثروة، والاعتراف المتبادل بين جميع السودانيين، إلى جانب إيلاء هذا البعد مكانته المستحقة في تشخيص الأزمة وصياغة حلولها. فمن دون معالجة هذا الجذر البنيوي، ستتغير مظاهر الأزمات، بينما تظل أسبابها العميقة قادرة على إعادة إنتاج نفسها جيلًا بعد جيل.______________________باريس – فرنساThe post العنصرية في الأزمة السودانية: البعد الأكثر ثباتًا في معادلة الصراع وآفاق المعالجة appeared first on صحيفة مداميك.