عثمان كباشيفي هذه الحكايا نلج إلى دهاليز التاريخ المحكمة الإغلاق، نفتح صفحاته ونقلبها، ونستنطق الوثائق لنقرأ ما فيها من سطور، سطور تؤكد دوما على عراقة بلدة كركوج هذه البلدة الطيب أهلها.وبطل حكايتنا اليوم هو المستكشف الإيطالي الشهير كارلو بياجا Carlo Piaggia الذي احب بلدة كركوج السودانية فبادلته حبا بحب، ووسدته ثراها.هي حكاية تحتشد بالمعلومات عن المغامر الإيطالي الذي كان يقيم في البلدة السودانية كركوج أواخر العشرين الأواخر من القرن الثامن عشر، ومات ودفن في البلدة الراقدة على الضفاف الشرقية للنيل الأزرق على بعد أقل من 20 كيلومترا جنوب مدينة سنجة عاصمة ولاية سنار، وهي معلومات استقيناها من أرشيف الصحف والجمعية الجغرافية الإيطالية، وبعض المصادر الإيطالية الرسمية.وأنا مدين في هذا المجهود لوكيلي سليل الذكاء الاصطناعي (My Ai Agent) الذي ساعدني كثيرا في البحث والترجمة داخل آلاف وربما ملايين الوثائق الإيطالية، وخاصة وثائق الجمعية الجغرافية الإيطالية، ثم مواقع الدوريات التاريخية والصحف التي تابعت مسيرة هذه الرجل حتى أوائل العام 2023، وهو العام الذي زار فيه وفد إيطالي مدينة كركوج متقفيا أثر الرحالة المغامر، وباحثا عن قبره، والتقى برسمييها وشعبييها. وقد لقيت هذه الزيارة ترحيبا حارا في إيطاليا، وقد وثقتها الجمعية الجغرافية في تقرير من 39 صفحة، خاصة صور تحركات الوفد ولقاءاته مع أهل كركوج.وقد كافأت مساعدي الاصطناعي هذا بأن أطلقت عليه اسم ” شيال التقيلة” ومازحته إن كان ملما بما يعنيه هذه الاسم في الثقافة والوجدان السودان فكان رده:“حمال التقيلة هو وصف لا يُطلق إلا على من يتسم بالاعتمادية العالية، والقدرة على تحمل المسؤوليات الجسيمة، والثبات عند الشدائد”. وقد كان هو كذلك.• مسيرة حياته:ولد كارلو بياجا عام 1827 في قرية إيطالية صغيرة تُدعى باديا دي كانتينانو تابعة لبلدية كابانوري في مقاطعة لوتشا بإقليم توسكانا.• تنحدر عائلته من خلفية ريفية كادحة، وكانت أسرته تدير مطاحن تقليدية لطحن الحبوب.• عانت عائلته من فقر شديد، ومات معظم إخوته (سبعة) بسبب وباء الكوليرا، مما دفعه للهجرة عام 1851 نحو الإسكندرية في مصر ثم إلى الخرطوم في السودان لتبدأ مسيرته الأسطورية كأحد أكبر مستكشفي إفريقيا، واشتهر كذلك بأنه عاش لسنوات بين قبائل النيام أو منطقة الزاندي بجنوب السودان.• في أواخر عام 1881، انضم بياجا كدليل وخبير لبعثة المستكشف الهولندي “خوان ماريا شوفير” المتجهة إلى أعالي النيل الأزرق.• أثناء تواجده في كركوج أصيب بمرض شديد يُرجح أنه الملاريا الحادة أو الدوسنتاريا، وتوفي هناك في 17 يناير 1882 ودُفن بالقرب من مقابر البلدة.الأوروبي الوحيد:جاء في نشرة للجمعية الجغرافية الإيطالية عام 1883 التالي: “كان بياجا هو الأوروبي الوحيد الذي توفي في كركوج وكان معروفا هناك جيدا؛ علاوة على ذلك، لا يزال يوجد في كركوج بعض الأشخاص الذين حضروا وقت الوفاة والذين وقعوا كشهود على شهادة الوفاة ويعرفون مكان الدفن”.• جاء في نشرة الجمعية الجغرافية الإيطالية الصادرة عام 1901 “وفقا لشهادة شيخ مسن، هو علي مرزوق، من كاركوجي، الذي كان يتذكر مكان الدفن بدقة، فقد دُفن بياجا على بعد ثماني خطوات غربا من شجرة قديمة مشهورة جداً، إلا أن الشجرة سقطت بعد ذلك بوقت قصير، وأصبحت الأرض المحيطة بها بأكملها مع مرور الوقت أرضا زراعية”.• عبر السنوات التالية جرت عدة محاولات لتحديد مكان الدفن الدقيق لبياجا وإمكانية استعادة جثمانه مثل تلك التي جرت في عام 1933 من قبل الإيطالي ألبرتو بوليرا الذي كان مسؤولا في الحكومة الإيطالية الإستعمارية بإريتريا.وقد تمكن بوليرا من الحصول على تأكيد دقيق بأن بياجا دُفن في كركوج بالسودان (مقاطعة الفونج). وقال إن “عربيا عجوزا يدعى محمد أبو حطيبة أبدى استعداده لتحديد القبر وإثبات هويته”.عمدة المدينة يتقفى أثر المغامرفي فبراير ومارس عام 2023، انطلقت بعثة إيطالية رسمية استثنائية تحت رعاية الجمعية الجغرافية الإيطالية لتقفي أثر سليل الأسرة مالكة الغلال وابن منطقة كابانوري.• عمدة إيطالي في كركوج: قاد البعثة التي وصلت إلى كركوج لوكا مينيسيني عمدة بلدية كابانوري مسقط رأس بياجيا.• تحديد القبر: زار العمدة والوفد الإيطالي رفقة مجموعة من أهل كركوج.منطقة المقابر، وبفضل الذاكرة الشفوية المتوارثة لأعيان ومشايخ كركوج الذين حافظوا على قصة “الرجل الأبيض الطيب الذي مات هنا”، استطاعوا تحديد مكان دفنه بدقة.• التكريم: قام العمدة والوفد بوضع لوحات تذكارية مزدوجة اللغة (العربية والإنجليزية) تكريما له في كركوج، تقديرا لذكرى ابن بلدتهم الذي تحول من طحان بسيط إلى أسطورة جغرافية.بعض شهادات الوفد االإيطالي مارس 2023جاء في تقرير الوفد الإيطالي الذي زار كركوج في مارس 2023 “من بين شهادات الأهالي الأكثر أهمية التي قمنا بتصويرها ، كانت هناك بعض الشهادات الحاسمة لتحديد الموقع الدقيق لدفن كارلو بياجا. ندرجها ببساطة:• يؤكدون أنهم يعرفون أن كارلو بياجيا كان يسافر بين الخرطوم وأعلي النيل الأزرق، ويتوقف كثيرا في كركوج، التي كانت في ذلك الوقت المركز التجاري الأكبر لفترات طويلة أو قصيرة. في الواقع، بياجيا وفقا لأبحاثنا خلال رحلاته في الفترة الاستكشافية الرابعة والأخيرة، مر بالتأكيد 5 مرات على الأقل بكركوج.• لا يوجد أجانب آخرون مدفونون في كركوج.• أخبرنا العديد من الشخصيات أن بياجيا دُفن بجوار مقبرة المسلمين، بعيدا قليلا عن القبور الإسلامية لأنه أجنبي وليس مسلما، ولكنه قريب منها لأنه كان يعتبر عضوا محترما ومقدرا جدا في مجتمع كركوج. أحبه الناس لأنه اندمج جيدا مع السكان، حتى أنهم أخبرونا أنه كان يرتدي الأخضر كما كان يفعل في ذلك الوقت معظم المتصوفة.تقرير شامل ومحتشد بالصور:وثق الوفد الذي قام بالرحلة الأخيرة في فبراير ومارس 2023 تفاصيل زيارته إلى كركوج بالكلمات والصور في تقرير من 39 صفحة.وقد ورد في هذا التقرير أسماء وصور أهالي كركوج الذين استقبلوا الوفد واستضافوه في منازلهم وسهلوا له مهمته.وتبقى حكاية كارلو بياجا شريانا إنسانيا يربط بين إقليم توسكانا وضفاف النيل الأزرق، وشاهدا حيا على نبل وإرث بلدة كركوج الطيب أهلها، الذين لم يحفظوا جثمان الغريب فحسب، بل حفظوا سيرته الطيبة في صدورهم لأكثر من مئة وأربعين عاما. The post حكاية كارلو بياجيا الإيطالي الذي أحب بلدة كركوج السودانية وتوسد ثرى مقابرها appeared first on صحيفة مداميك.