التجديد ليس تصفية للحزب.. بل طريق إنقاذه : في التعقيب على مقال “تجديد الحزب الشيوعي السوداني ليس ترفاً فكرياً بل ضرورة تاريخية”

Wait 5 sec.

بقلم: عاطف عبداللهقرأت باهتمام مقال الأستاذ سيف محمد جبريل: “تجديد الحزب الشيوعي السوداني ليس ترفاً فكرياً بل ضرورة تاريخية”، وأجد نفسي متفقاً مع جوهر أطروحته، بل أذهب أبعد منه: تجديد الحزب الشيوعي السوداني، في تقديري، لم يعد مجرد ضرورة تاريخية، وإنما أصبح المخرج الوحيد من أزمته الراهنة إذا أراد أن يستعيد موقعه كقوة سياسية وفكرية واجتماعية فاعلة.وأهمية المقال أنه لا يتعامل مع التجديد باعتباره قطيعة مع تاريخ الحزب أو تنكراً لتضحيات أجياله، وإنما يعيد المسألة إلى جذورها التاريخية. فمنذ الخلافات المبكرة بين عوض عبد الرازق وعبد الخالق محجوب، مروراً بوثيقة “نحو تحول عميق في وضع الحزب”، ومناقشات مؤتمر الجريف، ظلت الأسئلة الكبرى حاضرة: أي حزب نريد؟ وما العلاقة بين النظرية والبرنامج؟ وكيف يتحول الحزب من تنظيم تحكمه شروط أيديولوجية وتنظيمية صارمة إلى قوة اجتماعية جماهيرية واسعة؟عالم تغير.. ومفاهيم ينبغي أن تتغيرهذه الأسئلة أصبحت اليوم أكثر إلحاحاً مما كانت عليه قبل ستين أو ثمانين عاماً. فالعالم الذي نشأت فيه الأحزاب الشيوعية التقليدية تغير جذرياً، ولم تتغير فقط بنية الطبقات وطبيعة العمل، وإنما تغير مفهوم الإنتاج والقوى المنتجة نفسها.لم يعد الإنتاج محصوراً في المصنع والأرض والآلة، ولم تعد صورة العامل الصناعي التقليدي وحدها كافية لفهم الطبقة العاملة المعاصرة. أصبحت المعرفة والمعلومة والبرمجيات والبحث العلمي والإبداع والإنتاج الفكري والثقافي من العناصر الأساسية في إنتاج القيمة والثروة والقوة. وجاءت الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي لتضع المعرفة والعقل البشري والتكنولوجيا في قلب العملية الإنتاجية بصورة غير مسبوقة.واتسعت في المقابل خريطة العاملين بأجر لتشمل قطاعات الخدمات والتعليم والصحة والتكنولوجيا والنقل والمنصات الرقمية وغيرها، فضلاً عن الاقتصاد غير المنظم والهجرة والنزوح وما أحدثته العولمة من تحولات هائلة في سوق العمل.لذلك فإن تجديد التحليل الطبقي لا يعني التخلي عنه، وإنما يعني إنقاذه من الجمود. فالمنهج الذي لا يستطيع استيعاب الواقع المتغير يفقد قدرته على تفسيره، مهما كانت أهميته التاريخية.الماركسية بين المنهج والعقيدةوهنا نصل إلى مسألة أراها مركزية في أي حديث جاد عن تجديد الحزب: ما موقع الماركسية نفسها؟لقد ساد، في أوساط مختلفة، خلط بين الماركسية باعتبارها منهجاً لتحليل المجتمع والاقتصاد والتاريخ، وبينها كنظرية، وبين تحويلها إلى عقيدة مغلقة تمتلك إجابات نهائية عن حركة التاريخ ومستقبل المجتمعات.لا خلاف عندي حول القيمة الهائلة التي أضافها ماركس إلى الفكر الإنساني، ولا حول أهمية أدواته في تحليل علاقات الإنتاج والطبقات والاستغلال وتراكم رأس المال. لكن قوة النظرية في التحليل شيء، واعتبارها قانوناً نهائياً لمسار التاريخ شيء آخر.وهنا أجد وجاهة في الملاحظة التي طرحها الصديق الأستاذ آدم الجباري: فمهما بدا البناء النظري للماركسية متماسكاً ومكتمل الأركان على الورق، فإن فرضياتها المتعلقة بإقامة النموذج الاشتراكي المنشود تظل، في نهاية الأمر، خاضعة لاختبار الواقع والتجربة التاريخية، ولا يجوز التعامل معها كحقائق نهائية أثبت التطبيق صحتها.لقد شهد القرن العشرون تجارب متعددة قامت باسم الماركسية، حققت بعضها إنجازات لا يمكن إنكارها في التصنيع والتعليم والصحة وإعادة توزيع الموارد، لكنها كشفت أيضاً عن مشكلات عميقة في الديمقراطية والحريات السياسية وإدارة الاقتصاد والدولة، وانتهى بعضها إلى الانهيار، بينما اضطرت تجارب أخرى إلى مراجعات جوهرية في نماذجها الاقتصادية والسياسية.ومن هنا يصبح الأجدى تحرير الماركسية من القداسة العقائدية وإعادتها إلى مجالها الأكثر حيوية: منهج نقدي مفتوح على الاختبار والمراجعة والتطوير، نأخذ منه ما يساعدنا على فهم واقعنا، ونراجع ما تجاوزه الواقع، وننفتح في الوقت نفسه على منجزات الفكر الاقتصادي والاجتماعي والإنساني الأخرى.فماركس درس رأسمالية القرن التاسع عشر، بينما نعيش نحن رأسمالية القرن الحادي والعشرين، حيث الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والمعرفة والبيانات والإنتاج الفكري وتغير أشكال الملكية والعمل والاستغلال. والوفاء للمنهج النقدي لا يكون بترديد إجابات القرن التاسع عشر، بل بطرح أسئلة القرن الحادي والعشرين بلا محرمات فكرية.من المناقشة العامة إلى المؤتمر الخامسمن هنا تكتسب تجربة المناقشة العامة داخل الحزب أهمية استثنائية. فقد كانت، في تقديري، واحدة من أهم فرص التجديد الفكري والتنظيمي في تاريخ الحزب الحديث، وفتحت الباب أمام أسئلة جريئة حول طبيعة الحزب وهويته وبرنامجه وتنظيمه وعلاقته بالماركسية وبالمتغيرات التي شهدها السودان والعالم.وكانت قطاعات معتبرة من تلك المناقشات تمضي بقوة في اتجاه التغيير والتجديد، وربما نحو تحولات أعمق مما انتهت إليه لاحقاً الوثائق والقرارات الرسمية.ثم جاء المؤتمر الخامس ليخطو خطوات مهمة إلى الأمام، فأدخل تعديلات جوهرية على لائحة الحزب وبعض مفاهيمه التنظيمية، وراجع مفهوم المركزية الديمقراطية، وكرّس اتجاهاً مهماً باعتبار البرنامج أساساً للوحدة الفكرية والسياسية داخل الحزب، وليس التطابق حول النظرية في تفاصيلها.وكان ذلك، في تقديري، تحولاً بالغ الأهمية؛ لأنه كان يفتح الطريق أمام الانتقال من مفهوم الحزب العقائدي إلى مفهوم حزب البرنامج؛ الحزب الذي يمكن أن تتعايش داخله اجتهادات ومنطلقات فكرية متعددة، ما دام أعضاؤه ملتزمين ببرنامجه وأهدافه السياسية والاجتماعية ونظامه الديمقراطي.وهنا تكمن أهمية الفكرة: لماذا ينبغي أن يكون المواطن ماركسياً حتى يصبح عضواً في حزب يتفق مع برنامجه السياسي والاجتماعي؟ ولماذا لا يكون الحزب إطاراً واسعاً لليساريين والديمقراطيين والاشتراكيين وكل المؤمنين بالعدالة الاجتماعية والدولة المدنية وحقوق العاملين والمهمشين، بينما تصبح الماركسية أحد أهم روافده الفكرية وليست امتحاناً عقائدياً للعضوية؟المؤتمر السادس.. وانتكاسة التجديدلكن المسار لم يمض، في تقديري، إلى نهايته الطبيعية. فقد جاءت الانتكاسة في المؤتمر السادس وما أعقبه، عندما تراجع زخم المناقشة العامة وغلب هاجس المحافظة على التنظيم والخوف من الانقسامات على روح المراجعة والتجديد.وبدلاً من البناء على النوافذ التي فتحها المؤتمر الخامس، تضاءلت مساحة الاختلاف والاجتهاد التي كان يمكن أن تصبح مصدر قوة وحيوية للحزب.ولم تكن النتائج فكرية وتنظيمية فحسب، وإنما كانت لها كلفة بشرية وسياسية كذلك، تمثلت في ابتعاد أو تجميد نشاط عدد لا يستهان به من كوادر الحزب الفاعلة، وبعضها يمتلك خبرات سياسية وفكرية وتنظيمية تراكمت عبر عقود. وبصرف النظر عن اختلاف ظروف وأسباب كل حالة، فإن فقدان حزب سياسي لطاقات وكفاءات كهذه، أو ابتعادها عن النشاط، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد حالات فردية، وإنما ظاهرة تستوجب الدراسة والمراجعة.وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: لقد كان الخوف من الانقسام أحد المبررات التي كبحت الاندفاع نحو التجديد، ولكن هل منع ذلك الانقسام فعلاً، أم أدى إلى نوع آخر أقل ظهوراً وأكثر استنزافاً هو الانسحاب الصامت؟فالانقسام ليس دائماً أن تخرج مجموعة وتعلن حزباً جديداً. قد يحدث الانقسام بصورة صامتة عندما يتوقف الكادر عن النشاط، أو يبتعد المثقف عن الحزب، أو يشعر العضو بأن مساحة الاجتهاد تضيق أمامه، فيبقى اسمه في السجلات بينما يغيب تأثيره عن الحياة السياسية والتنظيمية.والحزب الذي يناضل من أجل الديمقراطية والتعددية في المجتمع ينبغي أن يكون قادراً على استيعاب التعدد والاجتهاد داخل صفوفه. فالخلاف الفكري ليس خيانة، والنقد ليس خروجاً على الحزب، والوحدة التي لا تحتمل الاختلاف ليست بالضرورة دليلاً على القوة.حزب البرنامج لا حزب النظريةلهذا أعتقد أن واحدة من أهم بوابات التجديد هي العودة إلى الفكرة التي فتحها المؤتمر الخامس: البرنامج أساس الوحدة في الحزب.فالعضو لا ينبغي أن يُمتحن في مقدار إيمانه بالماركسية، أو في تفسيره لهذا النص أو ذاك، وإنما في التزامه ببرنامج سياسي واضح: الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والدولة المدنية، وحقوق العاملين والمنتجين، والمساواة، والتوزيع العادل للثروة والسلطة، وإنهاء التهميش وبناء دولة المواطنة.عندها يمكن للحزب أن يستوعب الماركسي وغير الماركسي، والاشتراكي الديمقراطي واليساري المستقل، وكل من يتفق مع برنامجه ويلتزم بلوائحه الديمقراطية.وهذا يقود بالضرورة إلى مراجعة شروط العضوية ومدارس الكادر ومناهج التثقيف الحزبي. فمدارس الكادر ضرورية لإعداد القيادات والكوادر الفكرية والتنظيمية، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بوابة عقائدية ضيقة تقف بين المواطن المتفق مع البرنامج وبين حقه في الانضمام إلى الحزب.والاسم أيضاً قابل للنقاشأما اسم الحزب، فأراه جزءاً من النقاش وليس جوهره. فالاسم يحمل تاريخاً مجيداً من التضحيات والنضال والعمل النقابي والثقافي والدفاع عن الديمقراطية، ولذلك لا يجوز التعامل معه بخفة.لكنه، في المقابل، ليس نصاً مقدساً.يمكن الإبقاء عليه أو تغييره وفق إرادة عضوية الحزب، والمهم ألا يصبح تغيير الاسم مجرد تبديل للافتة بينما تبقى البنية والثقافة واللوائح والممارسة كما هي.التجديد الحقيقي يبدأ من البرنامج والعضوية واللوائح والقيادة والثقافة الداخلية وعلاقة الحزب بالجماهير، قبل أن يصل إلى الاسم.استكمال مشروع بدأ ولم يكتمللذلك فإن الدعوة إلى التجديد اليوم لا تبدأ من الصفر، ولا تستورد أسئلتها من خارج الحزب. جذورها موجودة في تاريخه نفسه: من الخلافات الفكرية في سنوات التأسيس، إلى “نحو تحول عميق”، ومؤتمر الجريف، والشيوعي 126 و127 والشيوعي 157 “آن أوان التغيير” والمناقشة العامة، ثم الخطوات التي اتخذها المؤتمر الخامس والدروس التي ينبغي استخلاصها من المؤتمر السادس وما تلاه.المطلوب، إذن، ليس اختراع حزب من العدم، ولا تصفية الحزب الشيوعي كما قد يتوجس البعض، وإنما استكمال مشروع تجديد بدأ داخل الحزب نفسه أكثر من مرة، ثم تعثر كلما اقترب من استحقاقاته الكبرى.وأعتقد أن الخطر الحقيقي على الحزب اليوم ليس في أن يراجع نفسه، بل في ألا يفعل. وليس في أن يختلف أعضاؤه حول مستقبله، بل في أن يصبح الخوف من الاختلاف سبباً في تجميد ذلك المستقبل.فالوفاء لتاريخ الحزب ولعبد الخالق محجوب ورفاقه لا يكون بتحويل تجربتهم إلى نصوص مغلقة، وإنما باستعادة شجاعتهم في قراءة واقعهم، وامتلاك شجاعة مماثلة في قراءة واقعنا.وبعد ثمانين عاماً من التجربة والتضحيات، أعتقد أن السؤال الذي ينبغي أن يطرح بلا خوف هو:أي حزب يحتاجه السودان اليوم، لا أي حزب احتاجه السودان عام 1946؟ومن الإجابة الشجاعة عن هذا السؤال يبدأ التجديد.The post التجديد ليس تصفية للحزب.. بل طريق إنقاذه : في التعقيب على مقال “تجديد الحزب الشيوعي السوداني ليس ترفاً فكرياً بل ضرورة تاريخية” appeared first on صحيفة مداميك.