عمال وموظفون في مهن بديلة.. توقفت الماكينات وجفت الأحبار بسبب الحرب

Wait 5 sec.

مداميك: حواء رحمةيقف وسط السوق تحت أشعة الشمس، أمامه كوم من السلع المبعثرة على متن (درداقة) صغيرة يتجول بها من وقت لآخر بنفس متقطع من التعب ملاحقا الزبائن ليبيع بضاعته من أجل توفير كيس الخضار لأسرته التي تنتظره في المساء، لم يعد دوام الصباح موجوداً ولا دفتر الحضور في تلك المؤسسة التي كان يعمل بها موظفاً حاضراً، كل شيء انحسر وتغير تماماً بفعل الحرب، هكذا وجد أبو عبد الرحمن نفسه أمام واقع جديد فرضته الظروف، وهو ليس وحده داخل السوق الذي يعج بأصحاب الوظائف من مهنيين وعمال وحرفيين فقدوا وظائفهم بعد أن توقفت ماكينات المصانع وأغلقت المؤسسات أبوابها.وحسب توقعات خبراء في شؤون الاقتصاد والعمل فإن أكثر من 3 ملايين سوداني في عداد العاطلين عن العمل بسبب فقد وظائفهم ومصادر دخلهم، بجانب توقف المصانع والمحال التجارية، وتشير الإحصائيات الرسمية وتقارير اتحاد الغرف الصناعية السوداني إلى تضرر 90% من المنشآت الصناعية في الخرطوم والجزيرة وعدد من ولايات.وتعرضت الآلاف من الماكينات للسرقة والنهب وتدمير البنى التحتية أثر القصف والاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع مما تسبب في تدمير عدد كبير من المنشآت والمصانع والمؤسسات، بجانب انقطاع سبل الإنتاج المتمثل في الاستيراد بجانب انهيار قطاع الطاقة والكهرباء وتدمير شبكات المياه.معلمون وأصحاب وظائف أخرىعثمان أتيم معلم ومهتم بشؤون المجتمعات المحلية، تحدث حول فقدان الآلاف لوظائفهم، مشيراً إلى أن المعلمين من أكثر الشرائح التي امتهنت مهناً بديلة في فترة الحرب وعمل أكثرهم في السوق وبيع الخبز وآخرون عملوا في مهن هامشية وعملوا في الدرداقات، وبيع المياه، لأجل توفير المصروف لسد الرمق. في وقت توقفت فيه المرتبات، وعدم وجود وظائف أو أي أعمال توفر لهم مصدر دخل، وأضاف انه بالرغم من عودة النازحين إلى الخرطوم وبعض الولايات إلا أنه ما زالت أعداد كبيرة من الموظفين والمعلمين وأصحاب المهن المختلفة يعملون بالأسواق وذلك بسبب عدم وجود مهن في الوقت الراهن وتوقف المصانع منذ بداية الحرب في أبريل 2023م وخراب المؤسسات.الصحفي المهتم بقضايا النزاعات حسن كرنقو، تحدث عن مضاعفات الحرب وانعدام توفر فرص العمل للاجئين، ووصف أوضاع اللاجئين السودانيين في الدول الأفريقية بالمعقدة، مشيراً إلى أن اللاجئين في كينيا يجدون معاناة كبيرة ظل أوضاع الحرب الحالية، وأضاف ان هناك شكاوى من اللاجئين بالمعسكرات خاصة معسكر كاكوما من الناحية الخدمية، فيما يتصل بنقص الخدمات يوجد تقليل في حصص الطعام وعدم توفر المياه الصالحة للشرب، وبالرغم من أن بعض المنظمات تساهم في توفير المياه ولكن الأعداد الكبيرة للاجئين من دول مختلفة من منطقة شرق أفريقيا، ووسط أفريقيا فإن عملية الخدمات بطيئة إضافة إلى قضية العمل من النادر جداً الشخص اللاجئ يجد عملاً إلا إذا اجتهد بطريقته الخاصة كان يفتح دكاناً أو العمل في التجارة، فالمنظمات لا توفر عملاً إلا إذا حاول الشخص لوحده.الحياة بالنسبة لشخص موجود في معسكر كاكوما مقارنة بالشخص موجود في المدن الكبيرة تختلف لأن الشخص الموجود في المدينة يمكن أن يحتك بأطراف عديدة خاصة من لهم علاقة بالعمل المدني أو الإعلامي يمكن أن يجد عملاً أو عملاً مؤقتاً، لكن الشخص الموجود داخل معسكر اللجوء يصعب عليه الحصول على عمل.مشيراً إلى أن آخر إحصائية لشهر يوليو 2026 من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يبلغ عدد طالبو اللجوء في مقاطعة توركانا 320,814، بينما يبلغ تعداد السودانيين 12,573، أما النسبة الأكبر تضم الجنوب سودانيين، بوابة البيانات التشغيلية التابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: تقول بأنه بلغ إجمالي عدد اللاجئين وطالبي اللجوء في نيروبي -العاصمة الكينية- 1,027 شخصاً في شهر يوليو 2026.دمار للمصانع وتشريد للعاملينوبحسب تقارير لوزارة الصناعة هناك 6,450 مصنعاً قد تضرر بشكل كامل أو جزئي بولايات الجزيرة والخرطوم منها 650 مصنعاً تدمر بشكل كامل، إذ تضرر حوالي 450 مصنعاً بالمنطقة الصناعية الواقعة جنوب الخرطوم، وتقول الوزارة بأن هنالك 1,800 مصنع تضرر أو تعرض للنهب والسرقة وتوقف تام لأخرى وبلغت الخسائر لقطاع الصناعة حوالي 50-58 مليار دولار الجدير بالذكر بأن عدد المصانع في السودان حوالي 6,660 مصنعاً حسب إحصائيات.الدهابة شباب فضلوا المخاطرة لأجل إنقاذ أسرهمارتفعت نغمة الدهابة بعد اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023م إذ لجأ الآلاف من الشباب إلى قطاع التعدين بعد أن تقطعت بهم السبل وفقدوا وظائفهم وأعمالهم الحرة في الأسواق والمصانع، وفقدوا مصادر دخلهم في مختلف المهن، وتعرض عدد كبير منهم للانتهاكات بسبب الحرب وعانوا في البحث عن الاستقرار والنجاة من الموت والاعتقال إذ قضى عدد كبير من الشباب في المعتقلات في ظل هذه الحرب، ويصل عدد المعدنيين الشباب حسب إحصائيات حوالي 3 ملايين شخص.وتعود الأسباب التي دفعت بالشباب إلى التعدين الأهلي إلى فقدان الوظائف ومصادر الدخل مما اضطرهم إلى البحث عن مناطق التعدين بالرغم من المخاطر التي يواجهونها. وتتراوح أعمار المعدنين الشباب ما بين 13-30 سنة.مصعب عمر شاب عشريني توقف عن العمل بعد اندلاع الحرب قال: “وجدت مضايقات شديدة كنت أعمل في (طبلية) أي كشك صغير، إلا أنني واجهت التهديدات والسرقة المتكررة بسبب الحرب قررت أن أتجه شمالاً حيث مناجم الذهب للعمل هناك، لتوفير منصرفات للأهل، وبحسب وصفه أن آلاف الشباب قرروا الذهاب إلى مناطق إنتاج الذهب بالرغم من المخاطر الصحية إلا أنهم لا يملكون خياراً آخر، لافتاً إلى أهمية الاستقرار لأجل مستقبل الشباب وقال: “وذلك لا يتحقق إلا بالسلام فالكثير من الشباب يشعرون بالإحباط جراء ما يتعرضون له من انتهاكات في ظل الحرب القائمة ومنهم من فقد حياته”.فتيات يبحثن عن وظائف عبر مواقع التواصلسلمى عيسى تحكي عن كيف غيرت الحرب مهن بعض جيرانها ومعارفها وأثر التجربة عليها وعلى من حولها، سلمى نزحت بأطفالها إلى بورتسودان وأسرتها الكبيرة توزعت ما بين الولايات رأت كل أشكال المعاناة إلا أن إصرارها على تقديم المساعدة لأسرتها كان يأخذ كل تفكيرها، وقالت: “استفدت من تخصصي في دراسة الهندسة الإلكترونية، فعملت في مجال التدريس في مدرسة الاستقلال ببورتسودان وساعدت طالبات الجامعات والثانوية في شرح المقررات وتصميم المشروعات، وأردفت: لم أتوقف عند هذا الحد بل نفذت فكرة مشروع في مجال منتجات التجميل لأعول أسرتي”.وحكت سلمى عن تجارب من حولها مستدركة “لم أكن وحدي من فقدت مصدر دخلها صديقتي خريجة الأشعة سعاد تركت وظيفتها واضطرت للعمل بصينية مكسرات أمام منزلها لتوفير لقمة العيش. العمل يأمن لنا حياة كريمة أيا كان نوع العمل لذا فقد بذلنا ما نستطيع لأجل أبنائنا لقد علمتنا الحرب تجارب مريرة تعرضنا فيها للذل والقهر والتمييز وخطاب الكراهية، وعن نفسي لي تجربة قاسية مع هذه الحرب التي شعرت فيها بالعزلة والظلم وفقدت الأهل بسبب النزوح والشتات لكن نحن نساء مقاومات للقهر وما زلت أقف وأوفر لأولادي مصروفهم”.بعد توقف عدد كبير من المصانع بالمناطق الصناعية الخرطوم، وبحري، وأمدرمان، فقدت عدد كبير من الفتيات فرص العمل وباتن في حيرة من أمرهن، فبعد رحلة طويلة من اللجوء والنزوح عدن ليجدن الدمار للمصانع هو سيد الموقف، ولا منافذ جديدة للعمل فاضطر عدد منهن للعمل بالأسواق في مهنة بيع الشاي، والمخبوزات، والآيسكريم وغيرها، وشكت من عدم توفر دخل كافٍ لأسرتها بالرغم من عمل زوجها، مشيرة إلى أنها تبحث عن فرصة للعمل لتوفير منصرفات المدارس وعبرت عن استيائها بسبب ارتفاع الأسعار مضيفة أن فقدان العمل من أكثر الأمور المدمرة للأسرة مضيفة إلى أن توقف المصانع جعل كثيراً من أرباب الأسر لامتهان مهن أخرى لا تغطي احتياجات الأسر من معيشة وعلاج ودراسة.لا استقرار للعمل في ظل الحربوبحسب مسح لآراء خبراء في مجال الاقتصاد والعمل، فإن الحرب تشكل أكبر عائق أمام الصادر والوارد، مشيرين إلى أن الدمار الكبير الذي لحق بقطاع الصناعة يحتاج إلى خطط واسعة لإعادة الإعمار، ويروا بأن تردد أصحاب المصانع من العودة للعمل مقرون بحالة عدم الاستقرار بجانب إعادة تأهيل المصانع المدمرة، وعدم استقرار الإمداد الكهربائي، والمهددات الأمنية، كما تشكل عقبة الاستيراد حاجزاً أمام العديد منهم في ظل الأحداث العالمية المتلاحقة، والأزمة الاقتصادية التي امتدت إلى نطاق واسع من الدول التي تعاني أصلاً من عجز في الاقتصاد، بجانب انهيار العملة المحلية وارتفاع سعر الدولار والخسارة المادية التي لحقت بقطاع الصناعة بصورة عامة كلها تشكل تحدياً لأصحاب العمل. السوق الموازي.The post عمال وموظفون في مهن بديلة.. توقفت الماكينات وجفت الأحبار بسبب الحرب appeared first on صحيفة مداميك.