عمر سيد أحمد باحث في الاقتصاد السياسي السوداني، خبير مصرفي ومالي مستقل يتداول بعض المجموعات المهنية منشوراً بعنوان «إعدام رقمي: كيف نُعدم تجار الأزمات بخوارزمياتهم؟»، من دون أن يحمل اسماً لكاتبه أو إشارة إلى صفته المهنية أو الجهة التي تقف وراءه؛ ولذلك يظل منشوراً مجهول المصدر والكاتب. ويكتسب هذا الغموض أهمية خاصة لأن النص لا يطرح رأياً عابراً، بل يوجه اتهامات خطيرة، ويدعو إلى مراقبة الحسابات وتصنيف أصحابها وتجميد أموالهم تحت غطاء استخدام الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.يقترح المنشور تتبع الحسابات والتحويلات، وتصنيف أصحابها خلال 72 ساعة إلى مضاربين أو مهربين أو متورطين في غسل الأموال وتمويل الحرب، مع استخدام بيانات تطبيقات مصرفية مثل «بنكك»، وربط الحسابات بهوية رقمية وبصمات بيومترية للكشف عن شراء العملات الأجنبية وتخزين السلع والأنشطة التجارية غير المعلنة. لكنه يبدأ بتحديد خصومه سياسياً، ثم يبحث عن مؤشرات مصرفية تبرر استهدافهم، ويعامل قرارات تجميد حساباتهم كأنها دليل على ارتكاب جرائم مالية، من دون أن يسأل عن الأساس القانوني، أو وجود تحقيق مستقل وأحكام قضائية، أو حق المتضررين في الاعتراض والتقاضي.ويقدم المنشور الخوارزميات كأنها أداة حاسمة قادرة على إنقاذ الجنيه. غير أن اللغة التقنية لا تجعل المقترح خطة مصرفية أو قانونية قابلة للتطبيق؛ فالمنشور في جوهره خطاب سياسي أمني يرتدي عباءة الخوارزميات.ولا يبدو هذا الخطاب منفصلاً عن طريقة تفكير الأجهزة الأمنية؛ فهو يبدأ بتحديد الخصوم وتقسيم المواطنين إلى موالين ومشتبه بهم، ثم يبحث عن أداة تقنية تمنح هذا التصنيف مظهراً علمياً ومحايداً. ومن هنا يثور شك جدي في أن الحديث عن الخوارزميات لا يُراد به إصلاح النظام المصرفي، بقدر ما يُراد به توفير غطاء حديث للمراقبة والتجميد وتصفية الحسابات السياسية.الخوارزميات، في الحقيقة، ليست سراً ولا محاكم رقمية. فالمصارف والمؤسسات المالية تستخدم منذ سنوات أنظمة لمراقبة المعاملات، واكتشاف الأنماط غير المعتادة، وتحليل الروابط بين الحسابات، وإصدار تنبيهات بشأن العمليات التي قد تنطوي على غسل أموال أو تمويل للإرهاب أو احتيال مالي. لكن هذه الأنظمة لا تثبت الجريمة، ولا تعرف نية صاحب الحساب، ولا تملك سلطة الإدانة أو المصادرة.عندما يتحرك مبلغ كبير في ساعة متأخرة، أو تتكرر التحويلات بين مجموعة من الحسابات، تستطيع الخوارزمية إصدار إنذار يستوجب الفحص، لكن هذا الإنذار ليس حكماً ولا دليلاً نهائياً على الجريمة؛ فقد تكون المعاملة مرتبطة بتجارة مشروعة، أو بسداد التزام، أو بتحويلات أسرية، أو بظروف استثنائية فرضتها الحرب. وتكمن أهمية الإجراءات المهنية لمكافحة غسل الأموال في أنها تفصل بين الاشتباه والإدانة: تبدأ بمراجعة التنبيه وطلب المعلومات، ثم رفع تقرير عن المعاملة المشبوهة إلى وحدة المعلومات المالية لتحليله، قبل إحالة ما يستوجب التحقيق إلى النيابة، ليظل الفصل في ثبوت الجريمة والعقوبة من اختصاص القضاء.أما اقتراح تصنيف الحسابات خلال 72 ساعة إلى حسابات للمضاربة والتهريب وغسل الأموال وتمويل الحرب، فهو لا يعكس فهماً سليماً للعمل المصرفي. إنه يلغي التحقيق والنيابة والقضاء، ويمنح السلطة التنفيذية ونظاماً حسابياً حق تحديد المجرمين. والخطر لا يكمن في ضعف الخوارزمية وحده، بل في الجهة التي تختار البيانات وتضع مؤشرات الاشتباه وتحدد من يخضع للمراقبة ومن يُستثنى منها.فالخوارزمية لا تنزل من السماء محايدة؛ يصممها بشر ويختارون قواعدها وحدودها وأوزانها. فإذا كانت السلطة منحازة وكانت البيانات انتقائية، أصبحت الخوارزمية وسيلة لتنفيذ انحياز السلطة بسرعة وكفاءة أكبر. ويمكن عندها أن يتحول الانتماء السياسي أو الموقع الجغرافي إلى مؤشر اشتباه يؤدي إلى تجميد الحساب وحرمان صاحبه من أمواله قبل أن تُتاح له فرصة الدفاع عن نفسه.ويتضح الطابع السياسي للمنشور في مطالبته بتتبع حسابات المعارضين والمنصات المرتبطة بقوات الدعم السريع، من دون أن يطالب بإخضاع شركات الجيش والأجهزة الأمنية والحركات المسلحة المتحالفة معه وشبكات الذهب والوقود للرقابة نفسها. كما لا يتساءل عن حسابات المؤسسات التي تمول الحرب، أو عن عائدات الصادرات التي لا تدخل الجهاز المصرفي، أو عن الأموال العامة الواقعة خارج ولاية وزارة المالية والمراجعة العامة.وهنا يبرز السؤال الذي يتجنبه المنشور: من يملك السيولة الضخمة التي تُستخدم في شراء العملات الأجنبية بأي سعر؟ ومن يغذي الحسابات المصرفية بمبالغ هائلة من العملة المحلية؟ ومن يحمي شبكات الذهب والوقود والتهريب والمضاربة التي يُشتبه في ارتباطها بمؤسسات الدولة العميقة ومصالح تنظيم الإخوان؟ فمن غير المرجح أن يستطيع المضارب الصغير وحده تحريك سعر الصرف بهذه السرعة، أو أن يملك القدرة على خلق مليارات الجنيهات أو تمريرها عبر حسابات متعددة من دون حماية أو معرفة من داخل مؤسسات الدولة والجهاز المصرفي.وبدلاً من التحقيق في احتمال استخدام شبكات مرتبطة بالدولة العميقة للمضاربة في العملة وتخريب الاقتصاد، ينقل المنشور مركز الاتهام إلى المعارضين السياسيين ومنصات بعينها. وهكذا تتحول الخوارزمية من أداة لكشف الجريمة المالية إلى وسيلة لإعادة إنتاج رواية الأجهزة الأمنية: إبعاد الشبهة عن المؤسسات النافذة، وحجب مسؤولية ممولي الحرب وشبكات الاقتصاد الموازي، ثم تحميل الخصوم السياسيين مسؤولية انهيار صنعته الحرب وسياسات السلطة نفسها.المعيار المهني لا يبدأ بالأسماء ثم يبحث لها عن اتهامات، بل يبدأ بالبيانات ويخضع الجميع لقواعد واحدة. فإذا كان تحويل ملياري جنيه عند الثانية صباحاً يستوجب الاستفسار، فيجب أن ينطبق ذلك على حساب التاجر والمسؤول الحكومي والشركة العسكرية والحركة المسلحة والمصرف نفسه. أما إعداد قوائم سياسية مسبقة، ثم تسخير أدوات الرقابة المالية لملاحقة أصحابها، فليس مكافحة لغسل الأموال، بل تصفية سياسية مؤتمتة.كما أن بيانات تطبيق مثل «بنكك» لا تكفي وحدها لإثبات شراء العملات الأجنبية. فالتطبيق يسجل تحويلاً بالجنيه بين حسابين، لكنه لا يعرف تلقائياً ما إذا كان المقابل دولاراً في السوق الموازية أو مقابلاً لمعاملة مشروعة. وإثبات العلاقة يتطلب ربطاً قانونياً بين بيانات المصارف والصرافات والجمارك والضرائب والسجل التجاري، مع تحديد المستفيد الحقيقي وإجراء تحقيق مالي يفسر المعاملة في سياقها.ويظهر قصور هذا التصور في مثال افتراضي هو شراء ألف جِوَال سكر: فكيف تعرف الخوارزمية أن المشتري لا يملك متجراً، في غياب الفاتورة الإلكترونية وبيانات السجل التجاري والمخزون والضرائب؟ فالخوارزمية تحلل البيانات المتاحة، لكنها لا تستطيع اختراع البيانات المفقودة.والأخطر أن المنشور يدعو إلى ربط الحسابات بهوية رقمية وبصمات بيومترية مركزية، من دون أن يذكر قانوناً لحماية البيانات، أو استقلال وحدة المعلومات المالية، أو رقابة القضاء، أو حق المواطن في معرفة سبب تجميد حسابه وتصحيح بياناته والطعن في القرار. وفي دولة تحكمها سلطة حرب، يمكن أن تتحول هذه البنية من أداة امتثال مصرفي إلى جهاز شامل للمراقبة السياسية والإقصاء المالي.أما أزمة الجنيه فلا يمكن اختزالها في حسابات تتحرك عبر التطبيقات. فانهيار العملة نتيجة لتضافر عوامل عدة: الحرب وتمويلها، وتراجع الإنتاج والصادرات، وتهريب الذهب، واتساع العجز، وفقدان الثقة، وخروج معظم الكتلة النقدية من المصارف، وارتفاع الطلب على العملات لتمويل الوقود والدواء والاستيراد. وقد تساعد أنظمة التحليل في كشف بعض المعاملات المشبوهة، لكنها لا تصنع احتياطيات من النقد الأجنبي، ولا تعيد المصانع والمزارع إلى الإنتاج، ولا توقف التهريب ما دامت مؤسسات نافذة توفر له الحماية.لذلك فالمطلوب ليس «إعداماً رقمياً»، وإنما نظام مهني لمكافحة غسل الأموال يخضع للقانون والقضاء والرقابة المستقلة، ويحمي البيانات والحقوق، ويطبق معاييره على الجميع بلا استثناء. وإذا استُخدمت الخوارزميات فعلاً، فيجب أن تمتد رقابتها إلى جميع المتحكمين في الاقتصاد الموازي وفي أهم موارد السودان، بمن فيهم الأجهزة النظامية والمليشيات العسكرية وطبقة الدولة العميقة الطفيلية، وأن تشمل الحسابات التي تُضخ عبرها كميات ضخمة من الجنيه لشراء العملات الأجنبية. أما أن تتوقف الخوارزمية عند باب السلطة وتعمل فقط ضد خصومها، فذلك ليس امتثالاً مصرفياً، بل توظيف سياسي للتقنية.الجنيه لا تنقذه مصادرة الحسابات ولا مطاردة الخصوم، بل وقف الحرب وتمويلها، وإخضاع الذهب والمال العام والاقتصاد الموازي للشفافية والمراجعة، واستعادة الإنتاج والثقة وسيادة القانون. فالخوارزمية قد تكشف نمطاً مشبوهاً، لكنها لا تستطيع إصلاح دولة ترفض أن تخضع هي نفسها للمحاسبة.20 سبتمبر 2026Email: O.sodahmed09@gmail.comThe post خوارزمية تستثني الدولة العميقة: قراءة في منشور «إعدام رقمي» وأزمة الجنيه appeared first on صحيفة مداميك.