كارثة إنسانية تلوح في الأفق: الجفاف ونفوق الماشية يهددان حياة سكان “عين سيرو” بشمال دارفور

Wait 5 sec.

مداميك: إدريس عبد الله          في قلب ولاية شمال دارفور، وتحديداً في منطقة “عين سيرو” التابعة لمحلية كتم -والتي عُرِفت تاريخياً بطبيعتها الجبلية الخلابة وينابيعها العذبة شمال سلسلة جبال مرة- تتوّج موجة الجفاف القاسية وشح الأمطار واحدة من أعتى الأزمات الإنسانية والبيئية التي ضربت المنطقة. تحولت الأرض التي كانت مصدراً معطاءً للخير والوفرة والبساتين إلى مساحات قاحلة مجردة من مظاهر الحياة، مع تسجيل تلف كامل للمزارع ونفوق متسارع للماشية التي تمثل الشريان الرئيسي لحياة السكان المحليين والنازحين الذين أوتهم المنطقة.تتبدى تفاصيل هذه المأساة الميدانية المؤلمة في حديث المواطن موسى أبكر، أحد أبناء المنطقة، الذي وصف الوضع القائم بأنه “كارثة إنسانية مكتملة الأركان” تتطلب تحركاً عاجلاً لا يحتمل التسويف. ويشير أبكر إلى أن خيارات البقاء الأساسية تقلصت بشكل حاد حتى انحصرت في بئر مياه واحدة أضحت المصدر الوحيد والترياق الأخير للجميع؛ إذ يتزاحم حول هذه البئر المجهدة يومياً أكثر من ألف شخص يتقاطرون من عين سيرو وست مناطق مجاورة، في مشهد يجسد حجماً مروعاً من الضغط المتزايد على الموارد المائية الشحيحة، ويعكس صراعاً مريراً لعدة ساعات يومياً للحصول على قطرة ماء تروي ظمأ العائلات والدواب المحتضرة.ولم تكن الأزمة مجرد نقص في الموارد والتجهيزات فحسب، بل تمثلت في صدمة التوقيت المباغت والتغير المناخي الحاد؛ إذ يؤكد موسى أبكر أن الجفاف يداهم المنطقة هذا العام بوجه أشد قسوة وأكثر ضراوة من الأعوام السابقة. فبينما اعتاد الأهالي على بدء موسم الجفاف وشح المياه التقليدي في شهر سبتمبر من كل عام، باغتاهم الجفاف هذا الموسم مبكراً منذ شهر يونيو الماضي. هذا التبدل المناخي الصادم ينذر -بحسب أبكر- بكارثة مائية وبشرية غير مسبوقة تلتهم ما تبقى من رمق الصمود والقدرة على البقاء لدى أهالي المنطقة.أمام هذا الانهيار المتسارع لسبل العيش، رفعت غرفة طوارئ منطقة عين سيرو صوتها عبر تقرير رسمي صادر في السابع من سبتمبر الجاري، حذرت فيه من التداعيات الإنسانية والبيئية المتدهورة. وأكد التقرير أن تتابع أيام الجفاف المتواصلة وتلف المحاصيل والنقص الحاد في الأعلاف والمياه وضع الأمن الغذائي وصحة الإنسان والحيوان على كف العفريت. ووجّهت الغرفة نداء استغاثة عاجل إلى المنظمات الإنسانية، والجهات المانحة، وكافة الخيرين للتدخل السريع لإنقاذ المنطقة قبل فوات الأوان، وذلك عبر التوفير الفوري لمياه الشرب النقية، والغذاء، والأعلاف، وتسيير قوافل الخدمات الصحية والبيطرية، إلى جانب الإسراع في صيانة وتأهيل الآبار والصهاريج المعطلة التي من شأنها تخفيف الضغط الكارثي على المصدر المائي الوحيد.تآكل النسيج وخطر النزوحمن جانبه، يرى الباحث الاجتماعي بشرق دارفور، محمد عثمان أبكر، في مقابلة مع “مداميك”، أن منطقة “عين سيرو” تقف اليوم عند حافة انهيار مجتمعي شامل يتجاوز حدود الأزمة الطبيعية أو المناخية المباشرة. ويؤكد أبكر أن الجفاف المبكر ونفوق الماشية لا يمثلان مجرد خسارة اقتصادية عابرة، بل يشكلان ضربة قاضية لعماد البناء الاجتماعي؛ كون الزراعة والماشية هما العصب الحيوي للتماسك والتكافل والروابط القبلية والمحلية.ويحذر الباحث الاجتماعي من أن التزاحم المريع لأكثر من ألف شخص على بئر مياه واحدة يرفع حدة التنافس اليومي على الموارد الشحيحة، مما يهدد السلم المجتمعي ويفجر احتكاكات وصراعات مباشرة بين السكان الأصليين والنازحين. كما ينبه إلى أن فقدان سبل العيش بدأ بالفعل يفكك الأسر ويدفعها نحو موجات نزوح قسري واضطراري جديد بحثاً عن الأمان الغذائي، مما يضاعف الضغط المباشر على المناطق والبلدات المجاورة. ويضيف أبكر أنه مع استنزاف الموارد تلتهم الأزمة الشبكات الاجتماعية وتتراجع قدرة المجتمع على التضامن الذاتي، مما يولد حالة عميقة من العجز النفسي والهشاشة المركبة، لا سيما بين الشرائح الأكثر ضعفاً مثل النساء والأطفال.تآكل الأصول وانكماش الأسواقمن منظور اقتصادي متعمق، تُشكل أزمة “عين سيرو” نموذجاً صارخاً لكارثة انكماش الأصول المادية وانهيار سلاسل الإمداد والأسواق المحلية. وفي حديثه لـ”مداميك”، يوضح المحلل الاقتصادي فضل الله عبد الكريم أن الماشية في مجتمعات دارفور لا تُعامل كمجرد سلعة تجارية، بل تُعد بمثابة “مخزن رئيسي للثروة” وبديلاً بنكياً حيوياً للادخار وحفظ القيمة؛ ومن ثم فإن نفوق الماشية بكثافة يُعادل تماماً مسح المدخرات المالية والبنكية للأسر، مما يدخل السكان في حالة “فقر مدقع مفاجئ” يجردهم كلياً من قدرتهم الشرائية داخل الأسواق المحلية.ويرى عبد الكريم أن النقص الحاد في المياه وتلف المحاصيل الزراعية يُحدثان ما يُعرف بـ “صدمة العرض”، التي تؤدي بدورها إلى ارتفاع جنوني في أسعار مياه الشرب، الأعلاف، والمواد الغذائية الأساسية، بالتوازي مع هبوط حاد وغير مسبوق في أسعار الماشية المتبقية جراء اضطرار الأهالي لعمليات “البيع الاندفاعي” الخائف من نفوقها المفاجئ. ويشير المحلل الاقتصادي أيضاً إلى ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة؛ حيث يُهدر المواطنون ساعات طويلة من يومهم الإنتاجي لمجرد الوقوف في طوابير المياه والتزود بلترات قليلة بدلاً من ممارسة أعمال إنتاجية أو زراعية أخرى.ويختتم عبد الكريم تحليله بالتحذير من تضرر الاقتصاد التجميعي والإقليمي للولاية ككل، إذ يتسبب توقف الإمدادات المحلية للحبوب واللحوم في انقطاع شبكات التجارة البينية مع المحليات المجاورة وتعميق حالة الركود التضخمي بشمال دارفور، مؤكداً أن المنطقة ستقتضي سنوات طويلة لاستعادة أصولها الإنتاجية ودورة رأس المال الطبيعية ما لم يتم التدخل العاجل لإعادة تأهيل مصادر المياه وتقديم الدعم البيطري والإغاثي المباشر.The post كارثة إنسانية تلوح في الأفق: الجفاف ونفوق الماشية يهددان حياة سكان “عين سيرو” بشمال دارفور appeared first on صحيفة مداميك.