السبت الماضي وفي منطقة خارج الخرطوم التقيت بالاستاذ أحمد هارون رئيس حزب المؤتمر الوطني.كانت تلك المرة الثانية التي ألتقى فيها هذا الحبيب. قبلها التقيته في بداية العام ٢٠١٧، وكنت بصحبة صديقه وزميل دراسته الدكتور الصاوي يوسف. كان ذلك في مقر اقامته باستراحة حكومية بحي المطار بالخرطوم. وقتها كان الرجل والياً على ولاية كردفان التي كان قد نهض بأمرها نهضةً مشهودة، دعا لها أنصار نظام الانقاذ وخصومه من أبناء كردفان، سواءً بسواء، فاستجابوا له وتحلقوا من حوله، ثم أطلق في ولايته تلك التي كان يسميها “رمانة الميزان” حركةَ العمران والتأهيل والتنمية، ومضى بها نحو آفاق رحيبة من الازدهار والنماء.استغرق الوصول إلى مكان اللقاء والعودة منه وقتاً طويلاً، كما امتد اللقاء نفسه لأربع ساعات، غير أن هذا العناء كان مستحقاً.استمعت الى الرجل باهتمام شديد، واستمع الىّ في صبر وأناة، ولم يترك شاردة ولا واردة إلا وألقى عليها بضوء واثق وساطع.الأذكياء، وهم السواد الأعظم ممن يرتادون صفحتي هذه، سيفهمون بغير جهد ان ما يدور في لقاءٍ كهذا، وفي مثل هذه الظروف، تنطبق عليه العبارة المتداولة عند الفرنجة:Off the recordوتترجمها القواميس ب”خارج السجل”، وهي ترجمة ركيكة، ولكن المعنى واضح في هذا السياق.غير أن ذلك لا يمنعني من القول إنني خرجت من اللقاء بروحٍ معنويةٍ عالية، مفعماً بالتفاؤل، وافر الثقة، عميق الاطمئنان إلى مستقبل السودان.ذلك أنه مما يسعدني ويطمئنني ويعزز ثقتي في قدرة بلادنا على تجاوز محنتها واستعادة عافيتها أن الحزب الأكثر متانة، والأوسع انتشاراً، والأعمق تأثيراً، والمتغلغل في كل مدينة وقرية وحيّ وفريق من أرجاء هذا الوطن الغالي، يقف بقوةٍ وصلابة، وبلا تردد، إلى جانب جيش بلاده وقيادته يسنده، ويقاتل إلى جانبه، ويصدّ عنه كيد الكائدين.وأنه يصدر في هذا الموقف عن عقيدةٍ وقناعة لا عن تكتيكٍ سياسي عابر، وأن التحدي الرئيسي الذي يراه ماثلاً أمام عينيه في حاضر البلاد هو التصدي للعدوان والحفاظ على وحدة السودان، وصون كيانه ومستقبله.وأن حزب المؤتمر الوطني لا ينازع أحداً سلطانه، ولا يطلب لنفسه سيادةً على الخلق ولا سلطةً على الناس، وإنما يبايع من اختارته عناية الله وأقداره وسننه، وسلّمته أمانةَ القيادة، بيعةً مبصرةً واعية، حتى يؤدي أمانته بحقها إلى الأمة، وهي عزيزةٌ، متحدةٌ، موحّدةٌ، آمنةٌ مطمئنة.خرجتُ من لقائي بالأستاذ أحمد هارون أكثر ثقةً بالرجل، وأعمق تقديراً لقيادته، وأشد اطمئناناً إلى تماسك حزب المؤتمر الوطني وقدرته على الحضور والفعل، بما يملكه من تنظيمٍ منضبط، وقاعدةٍ راسخة، وجذورٍ عميقة في أغوار المجتمع السوداني.وتظل وحدة المؤتمر الوطني والتفاف قياداته وكوادره حول مرجعيته الشرعية، ضرورةً ملحّة لا غنى عنها حتى يحافظ الحزب على حضوره ودوره في واقع البلاد ومستقبلها، فبغير هذه الوحدة يفقد الحزب جزءاً مهماً من قدرته على الاضطلاع بالمسؤولية التي يتطلع أنصاره إلى أن ينهض بها، ويعلّق عليها ملايين السودانيين آمالاً عريضة.والسودان اليوم أحوج ما يكون إلى أحزابٍ حقيقيةٍ مؤهلة، فاعلةٍ في الواقع السياسي، تملك من الفكر والعزم والكوادر ما يمكّنها من التعبير الصادق عن تطلعات قواعدها، وإعادة الأمل إليها في استعادة حياةٍ ديمقراطيةٍ كاملة نابضة بالحرية والحيوية، فالديمقراطية لا تستقيم ولا تزدهر إلا بتعدد الأحزاب وقوة حضورها، وتنافسها على أساس البرامج والأفكار، وقدرتها على تقديم البدائل وممارسة النقد والمساءلة.ومن خلال هذا التعدد والتنافس المسؤول تتجدد النخب وتتطور الأفكار وتتسع المشاركة السياسية، بما يسهم في بناء دولةٍ أكثر استقراراً، وأقدر على اطلاق طاقات شعبها، وتهيئة أسباب النماء للأجيال القادمة.ويبقى السودان هو الغاية والمبتغى، وكل الأمل أن يخرج من هذه المحنة أكثر وحدةً وقوةً وعافية، وأن يعود إلى أهله آمناً مطمئناً، عزيزاً موحّداً، وأن يستعيد مكانه الذي يستحقه بين الأمم.تحيةٌ الى الاستاذ أحمد هارون، تقديراً لشخصيةٍ قائدة جديرةٍ بالاحترام، تركت في نفسي انطباعاً طيباً، ولمستُ فيها حضوراً لافتاً، وثباتاً راسخاً، وقوةَ بأس وعزيمة صادقة.” وإذ قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً وارزق اهله من الثمرات، من آمن منهم بالله واليوم الآخر”.