تكسر الطموحات ومحاولات الصعود: قراءة في تحولات المصباح أبو زيد طلحة

Wait 5 sec.

تحليل: اشرف عبدالعزيز​يشهد المشهد السوداني المعقد بروز شخصيات فرضت نفسها عبر فوهات البنادق ثم سعت لاحقا لإعادة تموضعها في الخارطة السياسية متدثرة بعباءة المراجعات والمواقف المثيرة للجدل، ويبرز هنا اسم المصباح أبو زيد طلحة، قائد كتيبة البراء بن مالك، كأحد أكثر الوجوه التي تعكس حالة التناقض والتحول في مسار الأزمة السودانية. فقد تحول الرجل هذه الأيام بشكل لافت من مجرد قائد فصيل مسلح يقاتل جنبا إلى جنب مع الجيش السوداني إلى فاعل سياسي يطلق مبادرات وتصريحات تضرب في صميم الحاضنة الأيديولوجية التي انطلق منها، وتفتح باب التساؤلات على مصراعيه حول دوافع هذه الاستدارة المفاجئة ومآلاتها في ظل تعقيدات المشهدين المحلي والدولي.​لعل الموقف الأبرز الذي شكل صدمة في الأوساط السياسية والإسلامية هو مطالبة المصباح علانية بفتح تحقيق ومحاسبة أعضاء البرلمان السوداني لعام 2017 الذي أجاز مشروع قانون قوات الدعم السريع في عهد الرئيس السابق عمر البشير.هذا الموقف يمثل خروجا صريحا على المألوف وضربة موجهة للقيادات الإسلامية التقليدية التي كانت تسيطر على ذلك البرلمان، وهو ما أدخله في جدال علني وتراشق مع قيادات تاريخية مثل أمين حسن عمر الذي دافع عن موقفه الشخصي ورفض تحميل البرلمان وحده وزر تلك المرحلة.إن هذه الخطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن محاولة المصباح تبرئة ساحة جيله من خطيئة صناعة الدعم السريع، ورمي الكرة في ملعب الحرس القديم في محاولة لبناء سردية جديدة تظهره كقائد وطني يتجاوز انتماءاته التنظيمية لصالح مشروعية الدولة.​وفي ذات السياق الرامي لإعادة هندسة صورته السياسية، جاء إعلان المصباح دعمه المطلق وتمسكه بمبادرة ترشيح رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، لرئاسة الجمهورية عبر مبادرة شبابية مستقلة توسع نشاطها في عدة ولايات. هذا التحول من قيادة العمل المساند الرديف إلى لعب دور العراب السياسي لرأس المؤسسة العسكرية يعكس إدراكا عميقا بانتهاء مرحلة الاستقلالية العسكرية التي تمتعت بها كتيبة البراء. يسعى المصباح من خلال هذا الترشيح إلى تأمين مظلة حماية سياسية وعسكرية لنفسه ولقواته عبر الالتصاق التام بقيادة الجيش، مستفيدا من الزخم الشعبي الذي تحقق في فترات سابقة ومحاولا حجز مقعد متقدم في أي تسوية سياسية قادمة قد ترسم ملامح السلطة في سودان ما بعد الحرب.​غير أن هذه التحولات المتسارعة تطرح تساؤلا جوهريا حول طبيعتها، وما إذا كانت تمثل مراجعة فكرية وسياسية حقيقية أم أنها مجرد اصطدام عنيف بصخرة الواقع. فمع تصاعد الحديث عن ضرورة دمج كافة القوات والتشكيلات المسلحة داخل مظلة القوات المسلحة لسد الباب أمام ظاهرة تعدد الجيوش، وجد المصباح أن الدور القتالي المستقل لكتيبته قد استنفد أغراضه وانتهت صلاحيته. يضاف إلى ذلك سيف العقوبات الدولية المسلط على رقاب الكيانات التي تصنف كمعيقة للاستقرار، حيث يدرك المصباح أن استمرار كتيبته ككيان أيديولوجي مستقل سيجعلها هدفا مباشرا للمجتمع الدولي. وبالتالي، فإن القبول بدمج القوات، والتقارب المطلق مع البرهان، ومهاجمة رموز النظام السابق، يبدو وكأنه تكتيك نجاة اضطراري ومحاولة للهروب للأمام أكثر من كونه تغييرا جوهريا في القناعات.​هكذا تتكسر طموحات المصباح أبو زيد الأولى التي ربما حلمت بصناعة قوة ضاربة موازية تفرض شروطها على الطاولة، لتتصادم مع واقعه ومع قياداته الإسلامية التي باتت تنظر إليه بعين الريبة كشاب تجاوز الخطوط الحمراء وخرج عن طوع التنظيم وبدأ يغرد خارج السرب. وها هو اليوم يحاول الصعود من جديد، ولكن هذه المرة من بوابة العمل السياسي والمبادرات الداعمة للجيش، محاولا النجاة من مقصلة العقوبات الدولية وتجاوز إرث الحرس القديم. ولكن يبقى السؤال الأهم معلقا في سماء المشهد السوداني الملبد بالغيوم، هل يستطيع هذا الشاب القادم من خنادق القتال أن يصمد في حقول السياسة المليئة بالألغام وأن يعيد تشكيل مستقبله في بيئة لا ترحم المترددين، أم أن محاولاته لن تعدو كونها رقصة أخيرة قبل انسدال الستار على ظاهرة كتيبة البراء؟The post تكسر الطموحات ومحاولات الصعود: قراءة في تحولات المصباح أبو زيد طلحة appeared first on صحيفة مداميك.