مداميك : غفران حامد في السودان، تتأبى الموسيقى أن تكون مجرد رفاهية سمعية طارئة أو تعبير عابر عن وجدان فردي معزول؛ فهي غالباً ما كانت النبض الخفي لصناعة التاريخ ذاته. لم تقتصر الأغنية يوماً على كونها مرآة فوتوغرافية تنعكس عليها مشاعر الناس تجاه تقلبات واقعهم، بل تجاوزت ذلك لتكون شريكاً فاعلاً في صياغة تلك المشاعر وتوجيهها. لقد حملت في طياتها بشائر الفرح العارم بالاستقلال، وواجهت غطرسة السلطة وطغيانها بتحدٍ وشموخ، ثم اتسعت رحابها لتستوعب تطلعات أجيال جديدة عبر إيقاعات «الراب» و«الريغي»، قبل أن تتبوأ في ديسمبر 2018 مكانة الصوت الجماعي المدوي في الشوارع والميادين. ومع اندلاع الحرب العبثية الأخيرة، راحت تضطلع بوظيفة مقدسة أخرى: حفظ ما تبقى من وطن يتفكك، واستعادة جغرافيا روحية يحملها كثيرون في الذاكرة أكثر مما يقطنونها في المكان الواقعي.من هنا، فإن تتبع مسار الموسيقى السودانية وتطور أنماطها عبر العقود لا يعد مجرد توثيق أدبي أو سرد تاريخي للفنون، بل هو قراءة تحليلية عميقة للطريقة التي تغير بها سؤال الهوية السودانية ذاته، وكيف تموضع الإنسان السوداني طوال هذه المسيرة بين مطرقة الانتماءات المحلية الضيقة وسندان الهوية الوطنية الجامعة.من الاستقلال إلى «الحواتة»: حين صنعت الموسيقى وطنًا وجماهيرمع إشراقة فجر الاستقلال، اضطلعت الأغنية الوطنية بدور جوهري وهندسي في بناء الشعور بالوطن الحديث. لم تكن مجرد أناشيد احتفالية عابرة بمناسبات سياسية مؤقتة، بل كانت إحدى الأدوات التأسيسية التي جرى من خلالها تخيل السودان بوصفه فضاءً بشرياً وثقافياً مشتركاً يجمع الأطراف بالمركز. ولعل النموذج الأبرز الذي تتناقله الأجيال يتمثل في أغنية «اليوم نرفع راية استقلالنا»؛ بكلمات الشاعر عبد الواحد عبدالله يوسف، ولحن وأداء فنان شاب آنذاك هو محمد وردي. لقد تحولت هذه الأغنية العظيمة إلى أيقونة وطنية راسخة في الذاكرة الجمعية، وطقساً مقدساً يُستعاد عبره ألق التحرر الوطني في كل ذكرى سنوية.غير أن علاقة الموسيقى بالوطن تجاوزت تدريجياً أطر الاحتفال الرسمي والخطاب التعبوي المباشر. فمع تعاقب السنوات وتوالد الأزمات، تحولت الأغنية إلى منصة حرجة لمساءلة الواقع السياسي والاجتماعي، والتعبير عن آمال الكادحين والمهمشين، وتعرية الإحباطات العامة، وتوجيه النقد اللاذع للسلطات المتعاقبة. وفي هذا المنعطف التاريخي الفارق، سطع نجم محمد وردي بوصفه صوتاً وطنياً عابراً للجهويات والحدود الثقافية الضيقة. لم تقتصر أهمية وردي الكبرى على نضاله الفني ومواقفه السياسية الشجاعة فحسب، بل تمثلت بالأساس في قدرته الفريدة على تطويع جذوره النوبية لتصبح جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الموسيقية الوطنية الأوسع والأشمل. تكشف هذه التجربة الرائدة مبكراً عن مفارقة عميقة في تشكيل الهوية السودانية: القدرة على حمل هوية محلية خالصة، وفي الوقت ذاته الصعود بها لتصبح مكوناً أساسياً لهوية وطنية كبرى تتجاوز تلك الحدود دون أن تلغيها، ليكون وردي هو صوت الاحتفال الرسمي وفي الوقت عينه صوت معارضته ومساءلته الواعية. هكذا، لم تكن الموسيقى مجرد انعكاس للتنوع المجتمعي، بل كانت مختبراً عملياً تتخلق فيه مساحات اللقاء الخلاق بين هذه الاختلافات المتباينة.وإذا كانت تلك الحقبة قد رسخت دور الموسيقى في بناء صورة الوطن ومساءلة سلطته، فإن العقد الأخير من القرن العشرين دشن وظيفة اجتماعية بالغة الأهمية: القدرة على صناعة جمهور واعٍ بذاته، متماسك ككتلة جماعية لا مجرد مستمعين متفرقين في مجالس العزل الفردية. هنا تبرز الظاهرة الفريدة للفنان الراحل محمود عبد العزيز. فمنذ بزوغ نجومه، لم يتشكل حوله جمهور تقليدي بمعناه الاستهلاكي، بل تنامت جماعة شبابية منظمة أطلقت على نفسها اسماً وهويّة صارخة الحضور والتميز: «الحواتة». لقد جاء صعود محمود متزامناً مع تحولات دراماتيكية عميقة في البنية الاجتماعية والثقافية للبلاد؛ فقد قدم أعمالاً خاصة متميزة، إلى جانب إعادة إحياء أرشيف الغناء السوداني القديم، ولا سيما روائع حقيبة الفن الخالدة، برؤية أدائية معاصرة تواكب تطلعات جيله. وبذلك، أعفى جيله من مأزق المفاضلة المصطنعة بين الأصالة والمعاصرة؛ إذ التقط شظايا الذاكرة الموسيقية وأعاد سبكها بصوت صوفي وساحر يتنفسه الشباب.أَسهمت الحفلات الجماهيرية الغفيرة والألبومات المتلاحقة منذ منتصف التسعينيات في ترسخ لقبه المستحق «فنان الشباب الأول». لكن القيمة الكبرى لتجربة محمود لا تكمن فقط في ضخامة جمهورها، بل في الكيان الهوياتي الهائل الذي نشأ حوله. لم يعد الشاب يكتفي بالقول إنه يعجب بفن محمود عبد العزيز، بل صار يعلن بفخر وانتماء: «أنا حواتي». هكذا عبرت الموسيقى عتبة التجربة الفردية المعزولة لتغدو فضاءً واسعاً للانتماء الجماعي؛ وصار اسم «الحواتة» علامة دالة على ذاكرة مشتركة، وذائقة وجدانية فريدة، ورموز وأماكن وطقوس خاصة تجمعهم. ومع ظهور شبكات وتكتلات جماهيرية رديفة مثل «أقمار الضواحي»، اكتسبت الظاهرة عمقاً اجتماعية تجاوز العلاقة العمودية البسيطة بين الفنان ومستمعه، لتتحول إلى شبكة أفقية من التضامن والتعاضد الإنساني والاجتماعي.وتجلت قوة هذا الرباط الوجداني بوضوح تام حتى بعد رحيل الفنان المفاجئ؛ ففي يناير 2019، وبعد ست سنوات كاملة على غيابه، وجد «الحواتة» أنفسهم في طليعة الفاعلين داخل المجال العام السوداني. لقد اختار «تجمع المهنيين السودانيين» يوم 17 يناير — ذكرى رحيل محمود — موقداً مركزياً لأحد مواكب الثورة المجيدة، بينما أعلنت رابطة «أقمار الضواحي» أن تأبين فقيدهم سيكون في الشارع جنباً إلى جنب مع الثوار والمتظاهرين. لقد أثبتت ظاهرة محمود عبد العزيز بما لا يدع مجالاً للشك أن الموسيقى قادرة على نحت هويات جماعية عابرة للزمن، قادرة على الفعل والتأثير الفاعل حتى في غياب رموزها المؤسسين.جيل الراب والريغي: اشتباك مع الحاضر وبحث عن هوية تسع الجميعمع تدفقات العصر الحديث وانفتاح الفضاءات الثقافية، برزت في شوارع الخرطوم مشاهد فنية جديدة تتمثل في «الراب»، و«الريغي»، حاملة معها معاجم لغوية جديدة وأسئلة وجودية مغايرة. لم يعد الجيل الجديد محكوماً بالانحباس داخل القوالب الكلاسيكية الرتيبة. وفي مقاربته لهذه التحولات، يرى الرابر أواب أن أغاني الحقيبة وأعمال محمود عبد العزيز تظل رافداً أساسياً، لكنه يرفض تماماً تقديس الماضي أو تحجر الهوية ضمن حدوده. يشير إلى أن الموسيقى السودانية كانت تاريخياً مواكبة للنبض العالمي الحي، إلى أن أصابت المشهد انتكاسة هيكلية جعلته يبدو متخلفاً عن ركب العصر والتطور. من هنا جاء فن الراب ليزود هذا الجيل بصوته المستقل والجريء، مغادراً نحو آفاق السودان الجديد. لكنه ينأى بنفسه عن القطيعة التامة، فالتراث منهج حي للتعلم، وتتجسد هذه الثنائية في عمله «البدايات» مع ود الزين؛ إذ كتب كلماته بنفسه بينما اقتصر استدعاء إرث محمود على مقدمة ذكية من «النهايات»، لتبقى الرؤية خاضعة لمنظور حديث.تنبع جذور العمل من انشغال عميق بقضايا العنصرية والقبلية والجهوية التي مزقت النسيج. فالهيب هوب يعبر بصدق عن هموم المهمشين. وفي مقطع عميق، يستدعي أواب المكونات الإثنية، مستنداً إلى سيرته كابن للخرطوم تنقل بين أحياء «الديم»، و«جبرة»، و«الأزهري»، وتقاسم لقمة العيش مع أبناء الشرق والغرب والشمال والجنوب. يطرح تساؤلاً: لماذا لا نحول هذا التنوع إلى طاقة إيجابية جامعة؟ وبدلاً من تصنيف الإنسان وفق انحداره القبلي، يقترح قاعدة: «أنا سوداني وأنت سوداني». إن عبارة «أنا سوداني بس» لا تعني الانسلاخ، فابن النوبة والشايقي والجعلي لا يتخلون عن هوياتهم الصغرى، غير أن هذه الانتماءات لا تعارض المظلة الوطنية. ومع ذلك، يظل الرهان عرضة لنقد مشروع؛ فكثير من أبناء المناطق المهمشة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق ينظرون بحذر لخطاب الهوية الجامعة، معتبرين أنه قد يُستخدم لتمييع المظالم الهيكلية وتجاوز استحقاقات العدالة الانتقالية. الأغنية تفتح كوة نور، لكنها لا تغني عن سؤال السلطة والثروة.وأشار فنان الراب ود الزين إلى أبعاد هذه التجربة، مؤكداً أنه في ظل القسوة والاستقطاب اللذين فرضتهما الحرب، تظل الموسيقى المساحة الأهم للتعايش وصوت من لا صوت له. وأوضح أن مشروعه الجديد يحمل رسالة توعوية محايدة تنادي بمبدأ “السودان لكل السودانيين”، مع المطالبة بالمساواة في الحقوق الأساسية كالأمان والتعليم والصحة. وذكر أن الحرب غيّرت المتلقي وجعلت الخطاب الموسيقي أكثر توجيهاً نحو السلام والتلاحم، مشدداً على أن الخراب الحقيقي يطول الفكر والقيم والتاريخ. كما فسر استخدام “الطبلة والربابة” في أعماله بوصفه رمزاً للتنوع والموروث الجامع، جازماً بأن حلم “السودان الجديد” لا يزال قائماً.يقر أواب بأن الموسيقى وحدها تعجز عن اجتثاث أمراض العنصرية، مشدداً على أن الحل الحقيقي ينطلق من التعليم ومناهج التاريخ التي يجب أن تغرس قيم التعايش. وهو يستحضر بذهول إحصاءات تشير لوجود نحو 470 قبيلة و125 لغة، مؤكداً أن هذا الثراء يجب ألا يكون عقبة. غير أن التعويل على الفن يفتح الباب أمام سؤال أعمق: هل الفن كائن حيادي؟ يرى أواب أن الإبداع سلاح ذو حدين، قادر على توثيق الوجعة بقدر ما يدفع نحو العديل والزين. ويشير إلى أن الحرب الأخيرة أعادت هندسة الانقسامات بعنف، محورة مركز الصراع نحو ثنائيات جديدة فرضها واقع الموت والدمار اليومي.من جمر الشارع إلى أتون الحرب: الموسيقى كملاذ أخير للذاكرةإذا كانت تجربة محمود عبد العزيز قد دشنت جماعات الذاكرة، فإن ثورة ديسمبر المجيدة نقلت علاقة الفن بالجمهور إلى مدارات تاريخية غير مسبوقة. في انتفاضات 2018-2019، لم تعد الأغنية منتجاً استهلاكياً، بل تحول الجمهور إلى مشارك أساسي. توثق دراسة في مجلة African Affairs بعنوان: (Straight Outta Khartoum) كيف تحول اعتصام القيادة العامة إلى بؤرة فنية كثيفة، حيث استدعت الثورة الإرث القديم وأنتجت نصوصاً جديدة لتصبح الصوت الموحد للحرية والسلام. لكن هذا العناق اصطدم باختبار وجودي قاسٍ؛ فمع اندلاع حرب أبريل 2023 وتشتت الملايين في الشتات، تبدل السؤال الموسيقي جذرياً: لم يعد رهيناً بملامح السودان الذي نحلم ببنائه، بل غدا متعلقاً بالسودان الذي نستميت ألا نفقده في الذاكرة.تتجسد هذه الوظيفة في ثلاث أغنيات؛ الأولى «نحن في السودان» لأداء هاجر، كأرشيف عاطفي يوثق تفاصيل البيوت والأزقة المفقودة كحصن نفسي وسط الشتات. وثانية «البدايات» كورشة كبرى لإعادة الإعمار الفكري ورفع شعار «حنبني دولة من خراب»، حيث لا يقتصر الخراب على تهدم الأسمنت بل يطال القيم. وأخيراً «صمتًا يا صوت الدانة» لمحمد حامد ومجتبى الصديق، رافضةً انخراط القذيفة في الحياة اليومية، ومشهرّة شعار إيقاف الحرب كشرط أول للمستقبل.تكشف الحرب حقيقة موجعة: الوطن ليس مجرد رقعة جغرافية، بل هو تلك الأصوات والحكايات التي نحملها في حقائب الذاكرة. حين يلتقط السوداني نغماً شجياً عن بلاده في المخيمات، تتحول الذاكرة إلى أداة مقاومة ضد النسيان. من «اليوم نرفع راية استقلالنا» مروراً بـ«البدايات» وصولاً إلى «صمتًا يا صوت الدانة»، تبدل السودان وبقي السؤال: ماذا تفعل الموسيقى بالهوية حين يتغير وجه الوطن؟ إنها تعيد ترتيب رفوف الذاكرة المتناثرة، وتزرع بصيص أمل لا يخبو.The post سيمفونية الوطن الممزق: كيف تُعيد الموسيقى صياغة الهوية السودانية؟ appeared first on صحيفة مداميك.