صلاح الزينتُعنَى الزبائنية السياسية، ضمن أشياء أُخر، بالذهاب بالسياسة، كممارسة، والفضاء العام إلى صيحات الباعة والمشترين الموزعين في “مَلَجات” سوق الله أكبر: كلٌ ينادي ويصيح ويشير إلى جودة منتجه وما يعرض.يكسر السياسي مرآة السياسة بأدوات ومعاول الخطاب المنسوجة خيوطه ومحمول على أكتاف وأعراف الزبون/البايع الذي صار سياسيًا أقرب إلى الزبون منه إلى السياسي الثاقب الذي يرى إلى السياسة كممارسة تُعنَى بالمعاش والكبرياء والجمال.تتقاصر السياسة، كممارسة، وتنتهي إلى بقالات و(مولات) تعرض بضاعتها فتَقتنِص وتُقتنَص. يتسع هامش السوق والتسويق لتتراجع السياسة إلى لقاءات وحوارات بين بائعٍ ومشترٍ تتقاطع أو تتوازى مصالحهما.وحرب أبريل 2023 في بِنْيتِها الخطابية وهيئتها “الجانوسية” برأسَيْها، فلول وجنجويد، لا تخرج عن هذه الترسيمة. هي سيرةُ خطابٍ السابقُ فيه يورِّث التالي جيناتَهُ ومكنيزمات اشتغاله. (انظر: السودان: في سيرة خطاب حرب أبريل 2023، دار المصورات، القاهرة، 2026).فالبائع والمشتري ينتهي دربُهُما عند حائط الزبائنية كماكينزم تصهرهما رغم ما يبدو بينهما من تغايرٍ وتفارُق!! إنها طبيعة الخطاب في استحالة خروج بِنْيتِهِ من منطق الصراع الطبقي والأيديولوجي في سيروراته التاريخية اللازمة له.كان اللقاء بين (تقدُّم)، ما قبل تحوُّرِها الأخير، وحميدتي في هضاب أديس أبابا، يناير 2024، والحربُ لم يحُل عليها الحول بعد، البذرةُ التي أنبتَت النزوع الزبائني في التعاطي مع -وكيفية النظر إلى- سؤال حرب ابريل 2024.خَلُصَ ذاك الاجتماع بتوصية تمنح قوات الجنجويد صلاحية إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتها وما تبع ذلك من انتهاكاتٍ جسيمة تمت في مدينة الهلالية. بل كان لقاء يناير مقدمة إلى إجلاس حرب أبريل على عرش الإله “جانيوس” والنظر إلى رأسَيْهِ، فلول وجنجويد، كخِصمَيْن يجلسان على ذات الكتف!!تناسلت تلك الرؤية وأفضت إلى تناسلات لاحقة أصابت، فيما أصابت، بِنْية (تقدُّم) وصولاً إلى انشطار بُرتُقالتِها، مايو 2025، إلى (صمود) و(تأسيس).انشطرت البرتقالة إلى نصفين يحملان ذات الرائحة والمذاق: حرب أبريل كحربٍ وخصومةٍ بين رأسَيْ الإله “جانيوس”، فلول وجنجويد. حربٌ قُرِئَت خارج لبوسها الخطابي والبنيوي كصراع بين مستويات بنية الخطاب، خطاب الحرب، وما يجري من انزياحات في مستويات بنية الخطاب والصراع حول مَن يهيمن مقابل مَن يسيطر داخل ذات البنْية المنزوعة من سيروراتها الطبقية والفكرية.بكلام آخر، خَلْعُ البِنْية من حواملها وسقالاتها السياسية والتاريخية وإبدالها ببِنْيةٍ أخرى ترى إلى تاريخية البِنْية وتكَوُّنِها في انشطارها لا سيرورتها وتلازم مستويات البِنْية التي لا تخرج عن تاريخٍ لها. عين العقل والقراءة التي ترى إلى التاريخ كمَسِيرةٍ يغلب فيها الانشطار على صراع مستويات البِنْية فينتصر المنطق ويتوارى السيروري.خَلُصَت تلك القراءة إلى النظر إلى خطاب حرب أبريل منزوعًا من روافعِهِ السياسية والفكرية التي يتشاركها كلا رأسَيْ الإله “جانيوس”.لم تخرج (صمود) و لا نصفها الآخر (تأسيس) من رائحة قمط ميلادها على هضبة أديس أبابا منذ يناير 2024 المشار إليه أعلاه. فقد انكسرت مرآة السياسة منذئذ واستبدلتها (قحت)، المشغولة بأوديسةِ تحوُّراتِها وتبدُّلاتِها الرأسية والأفقية، بمرآةٍ أخرى ترى فيها وجهها نصفًا مكملًا لوجهٍ آخر: قوىً إقليمية والتي، بدورها، أصابع لأخرى دولية فيما وراء البحار والضوء.سوقٌ محليٌّ بساسةٍ يبذلون بضاعتهم ويعرضونها على مشترين إقليميين ودوليين ليزدحم الفضاء العام السياسي بباعة ومشترين يندرجون في سلاسلٍ زبائنيةٍ تتوزع على جغرافيات متعددة تتدثر بذات عباءة خطاب حرب أبريل وروافعه الفكرية والسياسية وإنْ اختلفت رائحة ولون خيوط عباءة الخطاب.تنكسر مرآة الخطاب وتتناثر إلى عدة مرايا لا يرى فيها السياسي الزبائني غير عرشٍ يتوهطه إله برأسَيْن، فلولي وجنجويدي، توأمان يرضعان ذات الحليب من ذات الثدي، كلٌ يستلزم الآخر وبِهِ يكونُ وباندثارهِ يندثر.بتلك المرآة اعتلت (قحت)، في تناسلاتها وتحوراتها المديدة، مركبًا أوديسيًّا لم يوفِّر برًا ولا ماءً إلا وغَشِيَه، قد يمكث لحينٍ ليغادر نحو تغريبةٍ أخرى يرسو عندها المركب انتظارًا لتغريبةٍ أخرى بما تقترحه الريح والأنواء والبوصلة.نيروبي تمُدُّ يدَها إلى كمبالا الممدودة أصابعها إلى لندن وجنيف المفتوح حضنهما لاحتواء أديس أبابا وبرلين والتي ليست ببعيدة عن باريس والقاهرة. بمرآتِهِ، مكسورة أو بتمامها، بنصف برتقالتها (الصمودي) أو (التأسيسي)، ينتقل الخطاب السياسي الزبائني بين يابسةٍ وماء، قاراتٍ ومدن، لا يرى إلا وجه “جانيوس” ذو الرأسَيْن والعرش الواحد الأحد.ولأن الزبائنية السياسية لا وجودَ لها خارج سلسلة باعة ومشترين، إقليميين ودوليين، فقد تكرّمَتْ وفاضت كلا الجغرافية والتاريخ بما يسمح أن يكون لتلك الزبائنية حواملَ وأقماطًا تهِبُها فتوةً إنْ وهن العظم منها: وُلِدتْ اتفاقية جدة في مايو 2023 والتي، قبل أن تبلغ مقام الحبو بعد، أسلمت أنفاسها إلى الرباعية (مصر، السعودية، الولايات المتحدة والإمارات) في سبتمبر 2025 ليبلغ بها الوهن مبلغًا لتسلم عنقها إلى الخماسية (جامعة الدول العربية، الإيقاد، الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، نوفمبر 2025).يوازي ذلك ما يسمح به طرَفا السلسلة الزبائنية، المحلي والدولي، من تشريع أبوابها لاستقبال كل من يود المشاركة في المهرجان الزبائني الذي شرطُهُ الأوحد أن تكون زبونًا لا يفكر أبعد من ما يسمح به خطاب حرب أبريل 2023، في لبوسِهِ القديم المتجدِّد: الجلوس عند قدَمَيْ “جانيوس” واستبدال السياسة، كممارسة معنية بشؤون المعاش والكبرياء والجمال، بمرآة السياسي الزبائني.The post الزبائنية السياسية ومرآة الخطاب: أو عندما يكسر السياسي مرآة السياسة appeared first on صحيفة مداميك.