كلّ شيء هادئ في السودان

Wait 5 sec.

حمّور زيادةفي إحاطة أمام مجلس الأمن، وصفت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روز ماري ديكارلو، ما يواجهه المدنيون في السودان بأنّه “من أسوأ الأزمات الإنسانية”. بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة، لا يعرف أحد بدقّة كم بلغ عدد ضحايا حرب السودان. تقدّر الأمم المتحدة وفاة أكثر من 11 ألف مدني في عام 2025 وحده، ونحو 150 ألفاً في الحرب كلّها. المبعوث الأميركي السابق توم بيرييلو قدّر الضحايا بـ400 ألف، ويبدو هذا رقماً مبالغاً فيه. المشكلة أنّنا لا نملك آليةً موثوقة للإحصاء.منذ الأيام الأولى للحرب اختفت الدولة. النازحون الذين بلغ عددهم داخلياً وخارجياً نحو 14 مليون شخص لم يتم إجلاؤهم، ولم تنظّم أيّ جهة نزوحهم. كان النزوح بقرارات فردية ومجهودات ذاتية، بينما تؤكّد التصريحات الرسمية أنّ الجيش سيطر على الأوضاع. لو صدّق الناس هذه التصريحات لما نجوا. فنحو ثلث السكّان نزحوا من دون دعم أو توجيهات حكومية. ومن بقوا تحت بطش “الدعم السريع” في الخرطوم وولاية الجزيرة لم يكن هناك من يساعدهم. في ولاية الجزيرة احتفى المسؤولون بصمود الولاية، وتركوا المواطنين في الاحتفالات وهربوا. القائد الذي عيّنه محمّد حمدان دقلو (حميدتي) مسؤولاً عسكرياً عن ولاية الجزيرة انشقّ بعد نحو عام وانضمّ إلى الجيش بقوّاته التي شكّلها عام 2022، فحصل على رتبة لواء. تبعه آخرون، نفضوا عن بذلاتهم العسكرية غبار الطريق، ثمّ سبّوا المليشيا وهلّل المقاتلون. لكن الناس ما زالوا يموتون، ومن لم تصل إليه الحرب، وصل إليه الجوع.منذ العام الأول للحرب، حذّرت المؤسّسات الدولية من المجاعة، لكنّ الجيش السوداني أنكر هذا، وما زال. يكفي أن تشير إلى وجود مجاعة حتّى تُتهم بمعاداة الوطن. إنّهم مقتنعون بأنّ الاقتصاد يتحسّن في الحرب، والزرع يثمر مع القتال. هذه قناعات لا يمكن مناقشتها، لذلك يبحثون اليوم في الخرطوم عن الجاني: من المتسبّب في الانهيار الاقتصادي؟ يبحثون عن الخونة المختبئين داخل دولاب الدولة ليعطلوا كلّ شيء. تُطالب أصواتٌ قائدَ الجيش بإجراء حملة تطهير لمؤسّسات الدولة من الخونة حتّى يستقيم الاقتصاد. أصوات أخرى تؤكّد أنّ الحلّ أن يتولّى قائد الجيش، رئيس مجلس السيادة الحالي، رئاسة الجمهورية. يكتب صحافيون وأصحاب رأي أنّ هذه هي الإجابة. قائد الجيش الذي يحكم منذ إبريل/ نيسان 2019 يجب أن يحكم البلاد. كرّر أخيراً مساعده ورئيس هيئة أركان الجيش أنّ رئاسة الفريق أوّل عبد الفتاح البرهان البلاد ثلاث أو أربع دورات انتخابية أمر تحتّمه الظروف. ثمّ أكّد: “وإلّا فإنّ الجيش لا يرغب في الحكم”.لا إحصاءات دقيقة بعدد القتلى السودانيين، ولا بعدد المليشيات المسلّحة، وهي تتناسل وتظهر كلّ يوم في المناطق التي حرّرها الجيش وفي مناطق سيطرة “الدعم السريع”. يدقّ انفصال البلاد الأبواب بعقب البندقية، وتؤيّده أصوات من الداخل تحلم بدولة عربية نقية العرق، بينما يجتمع مقاتلون تحت شجرة ليسألوا: لماذا نسمح للعرب بالبقاء في السودان؟يجتمع حملة السلاح ليناقشوا أزمات البلاد، فيحاولون كلّ شيء إلّا وضع السلاح. وزير المالية السوداني، زعيم حركة مسلّحة تولّى قيادتها بعد أن قتل الجيش شقيقه المؤسّس، يحذّر: تولي حركته المسلّحة وزارة المالية حقّ وفق اتفاق السلام، وليس منحة، وقائد الجيش يطلب من معارضيه التنازل من أجل الوطن، بينما سيحكم هو نحو 15 سنة مقبلة.وتريد مليشيا الدعم السريع من المجتمع الدولي أن يحقّق في اتهام الجيش باستخدام غاز الكلور ضدّ منسوبيها، بينما تعتبر اتهامها بمذابح وجرائم حرب مؤامرة من خصومها ودول إقليمية. وفي تسجيل مصوّر، انتشر مثله كثير من قبل، يهدّد صبي مجنّد في “الدعم السريع”، لم ينبت شاربه، وهو يحمل سلاحاً يفوقه حجماً، سكّان شمال السودان ويتوعّد نساءهم.المساعدات الدولية؟ لا تكفي، وما يتوافر منها يستخدمه المتقاتلون سلاحاً، فتُغلق المعابر، وتهدّد “الدعم السريع” المنظّمات لتسجّل عندها، وينذرها الجيش بالحظر إن استجابت. وإن نجحت قافلة فدخلت تعرّضت لغارة أو احتجزها مسلّحون.أمّا القوى السياسية فانكفأت على نفسها تنتظر ما قد يحقّقه المجتمع الدولي، تطاردها الاتهامات وتتفكّك تحت الضغوط بانتقالات نحو من يحملون السلاح. فإن ناقش مجلس الأمن حظر الطيران دعموه، وإن تكلّم مبعوث الرئيس الأميركي عن الغاز المُحظور صدّقوه. وإذ تتصارع العواصم في السودان، يأكل الجياع أوراق الشجر التي تساقطت بعبور الطائرات التي تأتي حاملةً البشرى بمزيد من السلاح والطائرات المسيّرة.إذن، كلّ شيء طبيعي وهادئ في السودان.ملحوظة: قد يكون عدد المليشيات قد زاد بين وقت كتابة هذا المقال ووقت قراءتك له.The post كلّ شيء هادئ في السودان appeared first on صحيفة مداميك.