كلفة الحرب الباهظة: غرب السودان يدفع الفاتورة الأعلى .. من مأساة الفاشر إلى تجربة جبل مرة…

Wait 5 sec.

مهدي داود الخليفةمنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، تحوّل غرب السودان، ودارفور بولاياتها الخمس تحديدًا، إلى واحدة من أكثر ساحات الصراع دمويةً ومأساوية. هنا، لا تُقاس كلفة الحرب بالخسائر العسكرية وحدها، بل بما خلّفته من قتلٍ وتهجيرٍ وتجويعٍ ودمارٍ طال الإنسان والأرض ومقومات الحياة.فمنذ الأيام الأولى للحرب، وجد سكان دارفور أنفسهم مجددًا في قلب مأساة لم يختاروا أطرافها، لكنهم يدفعون ثمنها الأكبر. مدنٌ دُمّرت، وقرى أُحرقت، وأسرٌ شُرّدت، وملايين اضطروا إلى النزوح المتكرر بحثًا عن ملاذٍ آمن. وفي مناطق مثل طويلة بشمال دارفور، تكدّست أعداد هائلة من النازحين في ظروفٍ إنسانية بالغة القسوة، وسط نقص الغذاء والدواء ومحدودية المساعدات.إنها مأساة إقليمٍ عانى عقودًا من التهميش والحروب، فإذا به يجد نفسه مرةً أخرى أمام دورة جديدة من العنف، أشدّ اتساعًا وأعلى كلفةً وأكثر تهديدًا لنسيجه الاجتماعي ومستقبله.بلغت المأساة ذروتها في الفاشر، التي تحوّلت، بعد حصارٍ طويل، إلى مسرحٍ لانتهاكات مروّعة أعقبت سيطرة قوات الدعم السريع عليها في أكتوبر 2025. فقد وثّقت تقارير أممية عمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية وعنفًا جنسيًا ونهبًا وتهجيرًا قسريًا، في انتهاكاتٍ جسيمة طالت المدنيين على نطاق واسع.ولم تكن الفاشر استثناءً معزولًا عن بقية دارفور؛ فقد شهدت الجنينة وزالنجي ومناطق أخرى من الإقليم موجاتٍ من العنف والتهجير والدمار، بينما ظل المدنيون عالقين بين أطرافٍ تتنازع الأرض والسلطة، دون ضماناتٍ حقيقية لحمايتهم.إن ما جرى في الفاشر لا يجوز اختزاله في نتائج معركة أو تبدّل خطوط السيطرة. فحين يصبح المدني هدفًا للانتقام، وتتحول المدينة إلى ساحةٍ للتصفية والنهب، نكون أمام انهيارٍ خطير لقواعد حماية الإنسان، وأمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لا تسقط بالتقادم ولا تُمحى بالبيانات السياسية.ولا يمكن لأي طرف أن يكتسب شرعيةً سياسية من السيطرة العسكرية، بينما يعجز عن حماية المدنيين أو محاسبة من ينتهك حقوقهم. كما لا يجوز إعفاء أي طرف من المساءلة بسبب انتمائه إلى معسكرٍ يُنظر إليه بوصفه حليفًا أو ممثلًا للدولة.غير أن الكلفة الأخطر للحرب في دارفور لا تقتصر على الخسائر البشرية والدمار المادي، بل تمتد إلى ما أحدثته من تصدّعات عميقة في النسيج الاجتماعي والتركيبة القبلية التي عُرفت تاريخيًا بثرائها وتداخلها وتسامحها النسبي.فقد عاشت قبائل ومكونات دارفور، على اختلاف أصولها وثقافاتها وأنماط حياتها، أجيالًا من التفاعل والتجارة والتجاور والمصالح المشتركة. وشكّلت علاقات المصاهرة والتكافل والتعايش، إلى جانب الأعراف الأهلية وآليات تسوية النزاعات، أحد أعمدة الحياة الاجتماعية في الإقليم، رغم ما عرفه تاريخه من صراعات وتوترات.لكن الحرب الراهنة، بما صاحبها من استقطابٍ عسكري وتعبئةٍ قبلية وإثنية وخطاب كراهية، تهدّد بتحويل هذه الروابط إلى خطوط فاصلة بين المجتمعات. وحين يُحمَّل أبناء قبيلةٍ أو مجموعةٍ اجتماعية مسؤولية أفعال جماعة مسلحة أو طرفٍ سياسي، يصبح الانتماء ذاته مدخلًا للاتهام والعقاب الجماعي، وتتراجع مكانة المواطنة والروابط الإنسانية المشتركة أمام هواجس الخوف والانتقام.لقد أظهرت المآسي التي شهدتها الفاشر والجنينة ومناطق أخرى أن العنف، حين يقترن بالاستهداف على أساس الهوية، لا ينتهي بانتهاء المعركة؛ بل قد يترك جراحًا اجتماعية تنتقل من جيلٍ إلى آخر، وتُضعف الثقة بين الجيران، وتحول ذكريات التعايش إلى ذاكرة مثقلة بالمرارات.وهنا يكمن الخطر الأكبر: أن تنتهي الحرب العسكرية، بينما تستمر حربٌ صامتة داخل المجتمع، تتغذى على الثأر والتعميم وغياب العدالة، وتُعيد إنتاج الصراع في أشكالٍ جديدة قد تكون أكثر استعصاءً على الحل.ولا يجوز، في هذا السياق، اختزال مجتمعات دارفور في اصطفافات عسكرية أو قبلية؛ فداخل كل مكوّن اجتماعي أصواتٌ ومواقف وتجارب متعددة، كما أن كثيرًا من أبناء الإقليم كانوا ضحايا للحرب، بصرف النظر عن انتماءاتهم. ومن ثمّ، فإن حماية النسيج الاجتماعي تقتضي رفض تحميل الجماعات بأكملها مسؤولية الجرائم الفردية، والتمييز بين مرتكبي الانتهاكات والمدنيين الذين لا ذنب لهم سوى هويتهم أو مكان إقامتهم.المفارقة المؤلمة أن قطاعاتٍ من أبناء دارفور، الذين عانوا طويلًا من التهميش وغياب العدالة، وجدوا أنفسهم منخرطين في حربٍ لا تخدم بالضرورة مصالحهم ولا تطلعات مجتمعاتهم.وحين تنحاز القوى المحلية إلى أحد طرفي الحرب، فإنها تخاطر بتحويل مناطقها إلى ساحات مواجهة، وتعرّض المدنيين لردود فعل انتقامية، وتضعف قدرتهم على التفاوض الجماعي من أجل حماية أنفسهم.وقد أفضى انخراط بعض الحركات المسلحة إلى جانب الجيش، ومن بينها حركتا مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم، إلى تعقيد المشهد العسكري والسياسي في دارفور، وزيادة مخاطر الاستقطاب بين المجتمعات المحلية. وفي المقابل، كذلك فإن انحياز أي قوة محلية إلى الدعم السريع لا يعفيها من المسؤولية عن النتائج التي قد تترتب على هذا الانخراط.فالمشكلة ليست في هوية الطرف الذي يجري الانحياز إليه فحسب، بل في تحويل المجتمعات المحلية إلى امتدادٍ لصراعٍ عسكري لا تملك قراره، ولا تتحكم في مآلاته.في خضم هذا المشهد القاتم، تبرز تجربة مناطق جبل مرة التي تديرها حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد أحمد النور، بوصفها تجربةً تستحق التوقف عندها ودراستها بجدية.فمنذ اندلاع الحرب، تبنّى عبد الواحد موقفًا قائمًا على عدم الانخراط في المواجهة العسكرية بين الجيش والدعم السريع. وقد أسهم هذا الموقف، إلى جانب ترتيبات السيطرة المحلية والظروف الخاصة بالمنطقة، في إبقاء أجزاء من مناطق جبل مرة بمنأى نسبيًا عن المعارك المباشرة التي اجتاحت مدنًا أخرى في دارفور.كما تحولت مناطق الحركة إلى ملاذٍ لعددٍ من النازحين الفارين من جحيم القتال، وسط جهود محلية لتوفير الإيواء والرعاية الصحية والغذاء، رغم محدودية الإمكانات والتحديات الإنسانية والأمنية التي تواجهها المنطقة.إن أهمية هذه التجربة لا تكمن في تصوير جبل مرة باعتباره منطقةً آمنة تمامًا، أو الادعاء بأن الحياد وحده يفسّر كل جوانب استقراره النسبي، وإنما في الدرس السياسي والإنساني الذي تطرحه: ليس من الضروري أن تتحول كل قوة مسلحة إلى طرفٍ في الحرب، وليس كل انخراطٍ عسكري دليلًا على حماية المجتمع الذي تدّعي تلك القوة تمثيله.لقد أتاح موقف عبد الواحد، في حدود ما تحقق على الأرض، فرصةً لتقليل الانخراط المباشر في الاقتتال، والحفاظ على قدرٍ من الاستقرار المحلي، وفتح المجال أمام حماية بعض المدنيين واستقبال النازحين.وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يشغل القوى السياسية والاجتماعية في دارفور: كم روحًا كان يمكن إنقاذها، وكم مدينة كان يمكن تجنيبها الدمار، لو اختارت القوى المسلحة عدم تحويل الإقليم إلى ساحةٍ إضافية لتصفية الحسابات العسكرية والسياسية؟إن الحياد، عندما يقترن بحماية المدنيين، ومنع استخدام المناطق المأهولة في العمليات العسكرية، ورفض الانتقام على أساس الهوية، لا يكون موقفًا سلبيًا أو تخاذلًا عن المسؤولية الوطنية، بل قد يصبح شكلًا من أشكال المقاومة الإنسانية للحرب.إن تجربة جبل مرة تفتح الباب أمام نقاشٍ أوسع حول إمكان تبنّي مواقف محلية مستقلة، تضع حماية السكان فوق حسابات التحالفات العسكرية. لكنها لا تعني أن الحياد وحده كافٍ لإنهاء الحرب، أو أنه بديلٌ عن المساءلة والعدالة وبناء مؤسسات الدولة.فالحياد الذي يحمي المدنيين ينبغي أن يكون حيادًا إيجابيًا، لا صمتًا عن الانتهاكات، ولا غطاءً للإفلات من العقاب، ولا وسيلةً لعزل المجتمعات عن بقية الوطن. وهو موقفٌ يقتضي رفض الاعتداء على المدنيين من أي جهة، والمطالبة بفتح الممرات الإنسانية، وضمان وصول الإغاثة، والتعاون مع جهود التوثيق والمساءلة.إن معالجة الانقسام الذي أصاب مجتمعات دارفور لا يمكن أن تُترك إلى ما بعد الحرب، ولا أن تُختزل في مؤتمرات صلحٍ شكلية أو اتفاقات بين القيادات المسلحة. بل ينبغي أن تبدأ منذ الآن، عبر مبادراتٍ مجتمعية مستقلة تضم الإدارات الأهلية، والنساء، والشباب، والقيادات الدينية، والمثقفين، وممثلي النازحين واللاجئين، بهدف وقف خطاب الكراهية، وإعادة بناء الثقة، وفتح قنوات التواصل بين المجتمعات التي فرّقتها الحرب.وتتطلب المصالحة الحقيقية الاعتراف بمعاناة الضحايا، وكشف الحقائق، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وجبر الضرر، وردّ الحقوق والممتلكات إلى أصحابها متى أمكن. فالعدالة ليست نقيضًا للمصالحة، بل شرطٌ لاستدامتها؛ إذ لا يمكن مطالبة الضحايا بالنسيان أو التسامح القسري، بينما تظل حقوقهم معلّقة، أو يُترك مرتكبو الانتهاكات دون مساءلة.كما ينبغي إحياء آليات التعايش الأهلي مثل اليات الجودية التي أسهمت تاريخيًا في إدارة النزاعات المحلية، وتطويرها بما يتناسب مع طبيعة الحرب الراهنة، مع ضمان ألا تتحول الأعراف القبلية إلى بديلٍ عن القضاء أو وسيلةٍ للإفلات من العقاب.فالمطلوب ليس إعادة إنتاج الماضي كما كان، بل بناء عقدٍ اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية، واحترام التنوع، والاعتراف المتبادل بالحقوق، وسيادة القانون.إن مستقبل دارفور لن يُبنى على انتصار قبيلةٍ على أخرى، أو على إقصاء مكوّنٍ اجتماعي لصالح مكوّنٍ آخر، بل على استعادة شعور جميع أهل الإقليم بأنهم شركاء متساوون في وطنٍ واحد. وهذه مسؤولية لا تقع على عاتق القيادات الأهلية وحدها، بل تشمل القوى السياسية والمدنية، والسلطات المحلية، وكل من يمتلك القدرة على وقف التحريض أو تقريب المسافات بين الناس.فإذا كانت الحرب قد نجحت في تعميق الشروخ بين أبناء دارفور، فإن واجب السلام أن يحوّل وقف الحرب إلى بدايةٍ لمسارٍ طويل من المصالحة والإنصاف واستعادة الثقة. ذلك أن إعادة بناء المدن قد تستغرق سنوات، لكن إعادة بناء الثقة بين المجتمعات قد تستغرق أجيالًا، ما لم نبدأ اليوم في حماية ما تبقّى من روابط التعايش والتسامح.إن المطلوب من القوى السياسية والاجتماعية في دارفور ليس مزيدًا من الاصطفاف خلف البنادق، بل بناء موقفٍ مدني واجتماعي موحّد يطالب بوقف الحرب، ويحمي المدنيين، ويرفض خطاب الكراهية والاستقطاب العرقي، ويؤسس لسلامٍ عادل لا يستثني أحدًا.لقد أثبتت مأساة الفاشر ومدن دارفور الأخرى أن الرهان على الحسم العسكري لا يضمن حماية المجتمعات، وأن السيطرة على الأرض لا تعني امتلاك الشرعية أو القدرة على بناء السلام.كما تطرح تجربة جبل مرة، بما لها من حدودٍ وتحديات، درسًا يستحق التأمل: إن حماية الإنسان يمكن أن تكون أولويةً سياسية وعسكرية، وإن رفض الانجرار إلى حرب الآخرين قد يحفظ أرواحًا ويصون ما تبقّى من النسيج الاجتماعي.إن دارفور التي دفعت الفاتورة الأعلى لا تحتاج إلى مزيدٍ من التعبئة العسكرية، بل إلى موقفٍ موحّد يرفض أن يكون أبناؤها وقودًا لصراع السلطة. تحتاج إلى وقفٍ فوري للحرب، ومحاسبةٍ عادلة لكل من ارتكب جرائم وانتهاكات، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون.كما تحتاج إلى مشروعٍ متكامل للسلام الاجتماعي، يعيد الاعتبار لقيم التعايش والتسامح، ويعالج آثار الاستقطاب القبلي والإثني، ويضمن ألّا تنتقل مرارات الحرب إلى الأبناء والأحفاد. فالمصالحة التي لا تقوم على الحقيقة والعدالة وجبر الضرر ستظل سلامًا هشًّا، وإعادة الإعمار التي لا تصون التعايش والمواطنة المتساوية لن تكتمل.فالحياد الذي يحمي المدنيين ليس تفريطًا في الوطن، بل دفاعٌ عن حق أهله في الحياة. وأهل دارفور الذين عانوا طويلًا من التهميش والحروب يستحقون أن يكونوا شركاء في صناعة السلام، لا ضحايا دائمين لصراعات الآخرين.فالوطن لا يُحمى بكثرة البنادق، بل بصون حياة أبنائه. ودارفور لا تحتاج إلى منتصرٍ جديد في حربٍ مدمّرة، بقدر حاجتها إلى سلامٍ يعيد إليها الإنسان والأرض والأمل.The post كلفة الحرب الباهظة: غرب السودان يدفع الفاتورة الأعلى .. من مأساة الفاشر إلى تجربة جبل مرة… appeared first on صحيفة مداميك.