دعوة للحوار حول قضايا اليسار الماركسي: قضية المؤسسات المالية العالمية (7)

Wait 5 sec.

صديق الزيلعينواصل ما انقطع من دعوة للحوار، لأسباب ومشاغل ضاغطة. ونتعرض اليوم لواحد من القضايا التي يتم طرحها، باستمرار، بل وبحدة حول الموقف من المؤسسات المالية الدولية. وكان ذلك احد أسباب الهجوم المركز على الفترة الانتقالية، وسياساتها الاقتصادية. مناقشتي، في بداية هذا الحوار، لهذه القضايا السياسية والعملية، مقصود لإنها تشكل مدخلا، لمناقشة القضايا النظرية. فهذه المواقف، التي يتخذها اليسار الماركسي، في علاقاته السياسية، وفي طرح خطه، هي جزء لا يتجزأ من اطار نظري أكبر. فهي تعبير عن رؤية فكرية متماسكة، وعن مرجعية ايدولوجية راسخة، لا تتغير أو تتجدد. وكانت القضايا الاقتصادية اكثر القضايا التي نالت اهتمام اليسار الماركسي، وركز عليها في الهجوم على الفترة الانتقالية، ولا يزال يستخدمها في رفض التحالف مع القوى المدنية.جوهر الطرح النقدي، الذي تكرر كثيرا، هو ان الفترة الانتقالية حادت عن البرنامج الاسعافي، ونفذت توصيات المؤسسات المالية الدولية. كما انها تنكرت، تماما، لتوصيات المؤتمر الاقتصادي، الذي انعقد، خلال تلك الفترة. سنحاول مناقشة هذه القضايا، في اطار الواقع المحدد لبلدنا، بعد إزاحة البشير.كان البرنامج الاسعافي، جهد محترم ومقدر، تم اعداده بجدية، كتصور مسبق لمعالجة الأوضاع بعد اسقاط النظام، وبه مقترحات ممتازة. وسنري في النقاش، ان من في موقع السلطة والقرار التنفيذي، لا يعتمد، فقط، على المقترحات الجيدة، المعدة سلفا، والتي تجد تأييدا كبيرا، لجاذبيتها، في اطارها النظري المجرد. ولكن السياسي في موقع السلطة لديه ارقام واولويات وديون وعجز، عليه موازنتها ليقرر ما يفعل. هو، محكوم تماما، بما هو موجود حقيقة، من أموال في خزينة الدولة. لذلك فالتحدي هو الموازنة بين الأولويات المختلفة، وايها اكثر أهمية والحاح.كثر الحديث، أيضا، عن اهمال، بل التنكر الصريح، لتوصيات المؤتمر الاقتصادي، الذي انعقد، بمبادرة من الحكومة الانتقالية. فقد نظمت الحكومة الانتقالية المؤتمر، في الفترة من 26 الى 28 سبتمبر، تحت شعار: مستقبل وطن: نحو الإصلاح الشامل والتنمية الاقتصادية المتوازنة. تمت به عشرة جلسات قدمت خلالها سبعة أوراق. كما نظمت 16 ورشة قطاعية. وانتجت ورشه القطاعية المختلفة اكثر من 160 توصية، شملت كافة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية. وكانت نتاجا لحوارات جادة ومناقشات شملت كافة قطاعات المجتمع من سياسيين واكاديميين ولجان مقاومة ومسئولين في أجهزة الدولة المختلفة.سأعطي فكرة عامة عن مخرجات المؤتمر، حسب المحاور:أولا: الرؤى والتحديات واولويات التنمية لحكومة الفترة الانتقالية صدرت 42 توصية.ثانيا: السياسات المالية والتخطيط الاقتصادي تم اصدار 48 توصيةثالثا: بشأن الدعم السلعي وبدائله صدرت 20 توصيةرابعا: بشأن السياسات النقدية والمصرفية وسياسات القطاع الخارجي صدرت 32 توصية.خامسا: بشأن الشباب والمسألة الاقتصادية صدرت 11 توصيةسادسا: توصيات عامة وصلت 37 توصية.فور انتهاء المؤتمر:” أشار حمدوك في حسابه الرسمي في تويتر الى انه تم تقديم ما يصل لـ 160 توصية، بها قضايا ذات طابع طويل الأمد، ومنها ما هو آني يساهم في حلّ الضائقة التي يُعاني منها شعبنا، واقترحت لمتابعة تنفيذ توصياته بأن تتطور اللجنة التحضيرية لتصبح آلية تنفيذ بعد إضافة عناصر جديدة، فهذه التوصيات مُدخل أساسي لخطة التنمية الشاملة قيد التنفيذ.”اذا راجعنا كل تلك التوصيات، في اطار الوضع الاقتصادي والمالي، آنذاك. وتأثير وباء الكوفيد الذي عطل كثيرا من الأنشطة الاقتصادية، أو قلصها. وقصر فترة التنفيذ لأنه بعد مرور عام، جاء انقلاب أكتوبر 2021، الذي قاده البرهان وحميدتي، معا، ضد الحكومة الانتقالية، ونسف كل البرامج. وادخلا البلاد في ازمة، لم تخرج منها حتى اليوم.لذلك، أري، ان استخدام قضية عدم تنفيذ توصيات المؤتمر الاقتصادي، كمحاولة لإدانة الحكومة الانتقالية، ومن ثم، وحتى الآن، رفض التنسيق مع القوى المدنية، بحجة تنكرها لتلك التوصيات، غير مبرر. هذا الرأي لا يعني ان كل قرارات الحكومة الانتقالية الاقتصادية كانت صحيحة تماما.يتجاهل معظم من تحدث، من ممثلي اليسار الماركسي، عن قضية الديون، التي تراكمت وفاقت الستين مليارا من الدولارات. ولا يقدمون خطة محددة، او تصور عملي لمعالجتها. بل يتركز كل حديثهم، عن المؤسسات المالية الدولية، ودورها المخرب لاقتصاديات البلدان الفقيرة. وقد نتج تراكم الديون وفوائدها، من ممارسات كل الحكومات المتعاقبة، ولكن حكومة الاسلامويين، فاقت الأخريات، في كثرة القروض التي اخذتها، وتجاهلها ان تسدد، ما يتراكم سنويا. والغريب انها اخذت قروض لنفس، المنشأة المقترحة، اكثر من مرة، كما شاع عن مطار الخرطوم الجديد. وباختصار، عدم الاتفاق على اعفاء الديون، أو تسهيل إعادة دفعها، فلن تستطيع بلادنا، ان تستدين، من المؤسسات المالية العالمية.لليسار الماركسي تجارب محلية وعالمية، توضح قدرته على فهم الواقع المحدد والتعامل معه. وسأنتقي مثال من التجارب السودانية، وآخر من التجارب العالمية.شكل خطاب نقد، اثناء مناقشة الميزانية، في الجمعية التأسيسية، خلال الديمقراطية الثالثة، قمة الواقعية اليسارية، والفهم المنطقي للواقع الموضوعي. فلم بطرح الهجوم على المؤسسات المالية الدولية، كما يحدث الآن. وطرح بدائل حول كيفية معالجة قضية الديون، ومقترحات عملية حول ازمة المعيشة. وقد وجد الخطاب تجاوبا جماهيريا كبيرا.المثال العالمي عندما دعا لينين، بعد انتصار ثورة أكتوبر في روسيا، للسياسة الاقتصادية الجديدة. وهي سياسة نبعت من الواقع المذرئ للاقتصاد الروسي. وقد وصفتها العناصر اليسارية، في الحزب، آنذاك، بأنها نكوص نحو الرأسمالية.النقطة الاخيرية، هي التعامل مع البنك الدولي وصندوق النقد، بالسياسة التي طبقها الصندوق في الستينات والسبعينات. أدت تلك السياسة المجحفة، والتي اشتهرت باسم الروشتة، الصالحة لكل البلدان، بالجماهير الشعبية لإلام كثيرة، أهمها الغلاء ورفع الدولة يدها عن الخدمات العامة. وتعرض البنك والصندوق، جراء تلك السياسات الخرقاء، لنقد كبير من الاقتصاديين والنقابات والأحزاب الديمقراطية. كما ان الممارسة العملية اثبتت فشلها. كل ذلك أدى لتغيير جزئي في السياسات، وصارت تلك المؤسسات أكثر قبولا للاحتياجات الملحة للبلدان الأقل نموا. والمقتطف ادناه، من تقرير صدر حديثا عن الصندوق، ويعطي صورة عن التغيير الذي حدث:Fragile and conflict-affected states (FCS) are home to nearly 1 billion people facing severe challenges, including weak institutions, limited public services, extreme poverty, forced displacement, and war. Fragility and conflict are closely linked to climate change, food insecurity, and persistent gender inequalities. FCS account for almost half the low-income countries, where intense conflicts along with institutional and social fragilities can hinder progress toward middle-income status. Given their vulnerabilities, these countries are at a significant risk of falling behind in achieving their development objectives. Moreover, the implications of fragility and conflict are macro-critical: they destabilize balance of payments positions, disrupt trade and financial flows, and hinder the development of productive resources. Crises originating in FCS can also affect economic outcomes in neighbouring countries and regions.Addressing these challenges requires country-tailored engagement that reflect the drivers of fragility, political economy dynamics, and reform constraints, in close coordination with partners. Against this backdrop, the IMF has stepped up its engagement with fragile states, including through its 2022 FCS Strategy. This Strategy provides robust, tailored, and longer-term support to help vulnerable countries achieve macroeconomic stability, build resilience, promote sustainable and inclusive growth, and exit fragility. While focused primarily on FCS, it is also relevant for countries at risk of fragility or conflict, whether because of domestic factors or external shocks and spillovers.The IMF’s FCS strategy was developed through an extensive consultation process. The Fund has received feedback from over 55 organizations, including the World Bank, regional development banks, the United Nations system, civil society organizations (CSOs), think tanks, and academia.اختم بالقول ان القراءة الواقعية للاقتصاد العالمي الحالي، ضرورية لابتداع سياسة اقتصادية لصالح شعبنا. فهذا زمن هيمنة المؤسسات المالية الدولية، والشركات الضخمة متعددة الجنسية، والهجمة النيو ليبرالية، الشرسة، على مقدرات شعوب العالم. واننا لن نبني بلدنا بالشعارات العامة، بل بسياسة اقتصادية لصالح الغالبية العظمي من أبناء شعبنا، سياسة تنبي على الإنتاج الزراعي، وتصنيعه لتحقيق قيمة مضافة، بدلا عن تصديره كمواد خام. وان تستخدم الموارد الناضبة كالذهب والبترول، لتطوير الإنتاج وتحسين البنيات الأساسية. ولن تتم كل تلك السياسات الا بإيقاف الحرب، والاتفاق على برنامج اقتصادي عملي.The post دعوة للحوار حول قضايا اليسار الماركسي: قضية المؤسسات المالية العالمية (7) appeared first on صحيفة مداميك.