محفظة السلع الاستراتيجية والخروج من عنق الزجاجة

Wait 5 sec.

بقلم: عاطف عبداللهكتبت هذا المقال قبل سنوات، في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر 2021، وقبل اندلاع الحرب التي ما تزال تمزق السودان وتستنزف موارده البشرية والمادية. يومها كنت أتابع تجربة محفظة السلع الاستراتيجية، وما أثارته من جدل سياسي واقتصادي، وأحاول قراءة ما حققته بعيدًا عن المواقف المسبقة والاتهامات المتبادلة.لم أنشر المقال في ذلك الوقت، احتراماً لرغبة ابن أختي الراحل عبد اللطيف عثمان محمد صالح، الذي لم يكن يرغب، فيما يبدو، في أن يتحول الحديث عن دوره إلى مديح شخصي أو احتفاء باسمه. واليوم، بعد رحيله، أعود إلى المادة نفسها، لا بقصد تمجيده، وإنما لتوثيق تجربة اقتصادية تستحق النقاش، ولإلقاء ضوء على جانب من شخصية رجل عرفته عن قرب بحكم الصلات الأسرية، وتابعت مسيرته المهنية باهتمام وتقدير.كان عبد اللطيف وعلى الرغم من أنني لم أعمل معه، ولا كنت شريكاً له في إدارة محفظة السلع الاستراتيجية، لكن قربنا الأسري أتاح لي أن أتابع بعض جوانب تجربته، وأن أتوقف عند ما تميز به من جدية ونزاهة وابتعاد عن الأضواء.ومنذ انطلاقتها في منتصف عام 2020، ظلت محفظة السلع الاستراتيجية محور جدل واسع. فقد رأى فيها بعض منتقديها أداة في يد ما سموهم “ديناصورات الإنقاذ” و”الطفيليين”، بينما اعتبرها آخرون مبادرة إصلاحية تستهدف إنقاذ الاقتصاد السوداني من الانهيار. غير أن الوقائع والأرقام التي أوردتها سجلات المحفظة، وما نُشر عنها لاحقًا، تشير إلى أنها كانت مشروعاً يقوم على فكرة تمويلية واضحة، استهدف استقرار سعر الصرف وضمان تدفق السلع الحيوية، وليس خدمة شبكات الفساد كما ذهب بعض خصومها. من أقصى اليمين وأقصى اليسار.عبد اللطيف عثمان.. خبرة مالية ونزاهة شخصيةيُعد عبد اللطيف عثمان محمد صالح من أصحاب الخبرة المالية والمصرفية المهمة، إذ جمع بين التجربة الدولية والمعرفة بواقع الاقتصاد السوداني. فقد شغل منصب رئيس الاستثمارات في الهيئة العامة للتقاعد والتأمينات الاجتماعية بدولة قطر، كما عمل مديراً رفيعًا في إدارة الخزانة والاستثمار ببنك الدوحة على مدى تسع سنوات.وكانت تلك المناصب تتيح له، بطبيعة الحال، فرصاً مالية ومهنية واسعة. إلا أن الصورة التي عرفتها عنه أنه لم يكن من الساعين إلى جمع الثروة الشخصية أو الاستفادة الخاصة من مواقع المسؤولية. وهو حتى رحيله المباغت ظلَّ لا يملك لا منزلًا باسمه، ولا حساباً مصرفياً متخماً بالأموال.وحين أُسندت إليه رئاسة اللجنة التنفيذية لمحفظة السلع الاستراتيجية، رفض أن يتقاضى جنيهاً واحدًا نظير عمله، مؤكداً أن المحفظة ذات طبيعة غير ربحية، وأنه يريد لها أن تكون أداة إصلاح حقيقية لا وسيلة للثراء أو النفوذ.وهنا لا بد من التمييز بين المديح الشخصي وبين قراءة الوقائع. فرفض الأجر، في حد ذاته، لا يكفي للحكم على أي تجربة، لكنّه يصبح ذا دلالة حين يقترن بالخبرة المهنية، والشفافية في إدارة الموارد، والقدرة على تصميم آلية مالية معقدة في ظرف اقتصادي بالغ الصعوبة.وقد كتب صلاح مناع، صديق عبد اللطيف وشريكه في العمل، في نعيه الأخير، واصفًا إياه بأنه “رجل صادق، عفيف اليد واللسان، إنسان بمعنى الكلمة”. وأشار إلى أنه وافق على العمل معه في اللجنة من غير مال أو مخصصات، ابتغاءً لخدمة الوطن. وهذه شهادة مستقلة من شخص عاصره في العمل العام، وليست حديثًا صادراً عني أو عن الأسرة.نشأة المحفظة وأهدافهاتشكلت محفظة السلع الاستراتيجية بقرار من اللجنة العليا للطوارئ الاقتصادية في أبريل 2020، في ظل أزمات متراكمة تمثلت في ندرة النقد الأجنبي، وارتفاع العجز التجاري، وتدهور قيمة الجنيه السوداني، إلى جانب صعوبة توفير السلع الأساسية، وعلى رأسها الوقود والدواء والقمح ومدخلات الإنتاج.وصُممت المحفظة بوصفها مشروعاً تمويلياً متوازناً، يقوم على الجمع بين حصائل الصادر، خصوصاً الذهب، وخطوط التمويل الخارجي، بهدف توفير السلع الاستراتيجية بعيداً عن السوق الموازي.وبلغ رأس مالها الأولي نحو 14.1 مليار جنيه سوداني، أي ما يعادل نحو 90 مليون دولار وفق سعر الصرف في ذلك الوقت. وأسهمت في رأس المال بنوك تجارية وشركات تأمين وشركات تعدين، كان من أبرزها بنك الخرطوم وشركة الجنيد. أما الحكومة فلم تشارك بصورة مباشرة، حتى لا تتعارض سياساتها التحريرية مع الطبيعة شبه التجارية للمحفظة.وكانت الفكرة الأساسية أن تُستخدم حصائل الذهب في تمويل واردات السلع الضرورية، بدلاً من ترك هذه الحصائل تتسرب إلى السوق الموازي أو تُستخدم في المضاربة على العملة.كيف كانت تعمل المحفظة؟قامت آلية عمل المحفظة على عدد من الخطوات المترابطة:1. شراء الذهب من المعدنين وشركات التعدين بسعر عادل، وإيداع حصائله في حساب ضمان Escrow لدى بنك السودان.2. توظيف حصائل الذهب، مضافًا إليها تسهيلات مصرفية، في فتح اعتمادات لاستيراد السلع الاستراتيجية.3. تنفيذ عمليات الاستيراد وفق عطاءات وإجراءات يفترض أن تتسم بالشفافية، وبإشراف الجهات المختصة، مثل وزارة الطاقة أو مجلس الأدوية.4. عودة الأرباح المصرفية إلى البنوك المشاركة، في حين لا تتقاضى المحفظة نفسها أرباحاً تشغيلية، التزاماً بطابعها غير الربحي.5. تحقيق العائد الأساسي من صادرات الذهب، وليس من السلع المستوردة، بما يسمح بتدوير رأس المال عدة مرات خلال العام.وقد أتاح هذا التصميم المالي للمحفظة أن تغطي عمليات استيراد سلع تجاوزت قيمتها 1.8 مليار دولار، رغم أن رأس مالها الأولي لم يتجاوز نحو 90 مليون دولار. وهذا يوضح أهمية تدوير رأس المال والاستفادة من التسهيلات المصرفية في ظل شح الموارد.أبرز الإنجازات خلال عامي 2020 و2021بحسب الأرقام، حققت المحفظة خلال الفترة من أكتوبر 2020 إلى ما قبل انقلاب 25 أكتوبر 2021 عددًا من النتائج المهمة، من أبرزها:• تمويل أكثر من 120 باخرة محروقات، بقيمة تجاوزت 600 مليون دولار، وهو ما ساهم في إنهاء صفوف البنزين وخفض تكلفة الاستيراد بنسبة قاربت 7% عن الأسعار العالمية.• تغطية نحو 40% من احتياجات البلاد من الدواء، بما يعادل نحو 30 مليون دولار شهرياً، بعد إعادة تنظيم سوق الاستيراد ومحاولة الحد من نفوذ ما عُرف إعلامياً بمافيا الدواء.• المساهمة في استقرار سعر الجنيه السوداني عند حدود 430 جنيهاً للدولار حتى قبيل انقلاب 25 أكتوبر 2021، من خلال تجفيف جزء من نشاط السوق السوداء والاعتماد على حصائل الذهب.• خفض العجز التجاري بنسبة 40%، وتراكم احتياطي نقدي تجاوز 1.8 مليار دولار أمريكي.• تمكين البنك المركزي من طرح مزاد أسبوعي للنقد الأجنبي لتمويل استيراد السلع الغذائية، مثل السكر والبقوليات وغيرها.• توفير أكثر من 35 مليون دولار سنوياً نتيجة الشفافية في إجراءات المناقصات العالمية لاستيراد المحروقات والأدوية وبقية السلع الاستراتيجية.ومهما يكن من اختلاف حول بعض التفاصيل أو طرق احتساب هذه النتائج تطرح سؤالًا مهماً: لماذا لم تستطع الدولة السودانية، في تجارب لاحقة، الحفاظ على آلية تمويلية بالمرونة والفاعلية نفسيهما؟رأس مال المحفظة والمساهمونوفقًا لسجلات محفظة السلع الاستراتيجية التي نشرها المرصد السوداني الموحد للشفافية والسياسات في أغسطس 2024، توزعت مساهمات رأس المال في عام 2020 على النحو التالي:فئة المساهمين عدد الجهات إجمالي المساهمة بالجنيه السوداني النسبة من رأس المالالبنوك التجارية 26 بنكًا 7,249,967,863 51%شركات التأمين 10 شركات 286,926,155 2%شركات التعدين ومعالجة مخلفات الذهب 17 شركة 6,582,672,759 47%الإجمالي — 14,119,566,778 100%وتوضح هذه البيانات أن المحفظة لم تكن مشروعاً حكومياً خالصاً، كما لم تكن شركة خاصة تقليدية، وإنما قامت على شراكة بين القطاع المصرفي وشركات التأمين والتعدين، مع غياب المشاركة الحكومية المباشرة.وكان هذا التكوين أحد عناصر قوتها، لأنه جمع بين رأس المال المصرفي، وحصائل الصادر، والخبرة الفنية في إدارة التمويل والتجارة الخارجية.المعوقات والتحدياتلم تكن المحفظة تعمل في بيئة اقتصادية أو سياسية مستقرة. فقد واجهت منذ البداية مقاومة من شبكات تهريب الذهب وتجار العملة، إلى جانب تضارب مصالح بعض كبار مستوردي الوقود والأدوية.كما أن ضعف الحوكمة في الجهاز المصرفي، وعدم استقرار السياسات الاقتصادية، وغياب الإرادة السياسية الكافية بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، كلها عوامل أضعفت استدامة التجربة.وبعد الانقلاب، توقف ضخ البترول المدعوم، وعادت أزمة الدواء إلى الواجهة، بما كشف هشاشة الإصلاحات الاقتصادية حين لا تستند إلى استقرار سياسي ومؤسسي وكان غياب الحوكمة والإرادة السياسية من أبرز أسباب فشلها المتكرر بعد الانقلاب.لماذا فشلت محاولات إعادة تشغيل المحفظة؟بعد حل المحفظة الأصلية في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر 2021، قامت وزارة المالية بثلاث محاولات لإعادة تشغيلها، بهدف معالجة الاختلالات الاقتصادية وتوفير السلع الأساسية. غير أن تلك المحاولات لم تحقق النجاح نفسه.ويمكن تلخيص أبرز أسباب الفشل، وفق المادة الأصلية، في الآتي:أولًا: هيمنة شبكات النفوذ والمصالحأفرغت المصالح السياسية والطفيلية الفكرة من مضمونها، وأفقدتها استقلاليتها وشفافيتها. فالمحفظة لا يمكن أن تنجح إذا تحولت إلى أداة للمحاصصة أو لخدمة مجموعات محددة.ثانيًا: غياب آليات التمويل المبتكرةلم تستند المحاولات اللاحقة إلى التصميم المالي المرن الذي ميز التجربة الأولى، بل ظلت رهينة الاقتراض التقليدي والتسويات الإدارية، وهي أدوات لا تكفي وحدها لمعالجة أزمة هيكلية في النقد الأجنبي والتمويل التجاري.ثالثًا: غياب الإدارة المهنية المستقلةلم تحظَ التجارب اللاحقة، بحسب المادة الأصلية، بإدارة فنية مستقلة تضاهي ما وفرته إدارة عبد اللطيف عثمان من خبرة مصرفية وكفاءة ونزاهة.وهنا تكمن إحدى أهم دروس التجربة: فالأفكار الاقتصادية، مهما كانت جيدة، لا تنجح بالتصميم وحده. إنها تحتاج إلى إدارة مؤهلة، وإلى شفافية، واستقلالية، وآليات رقابة، وإرادة سياسية تحميها من التدخلات والمصالح الخاصة.عبد اللطيف في شهادة من عرفوهلا أريد أن أقدم عبد اللطيف في هذا المقال باعتباره شخصية بلا أخطاء، ولا أن أختزل تجربته في صورة مثالية لا تحتمل النقاش. لكن من الإنصاف القول إن الشهادات التي صدرت بعد رحيله ركزت على جوانب محددة من شخصيته، أبرزها النزاهة، والزهد في المنصب، والحرص على المال العام.وقد أشار الدكتور صلاح مناع في نعيه إلى أن عبد اللطيف، حين تولى مسؤولية صندوق الضمان الاجتماعي والمعاشات، جعل حقوق أصحاب المعاشات وكرامتهم في مقدمة أولوياته. وذكر أنه غادر الصندوق وقد ترك فيه أكثر من خمسمائة مليون دولار، إلى جانب عقارات حافظ عليها ولم يتصرف في شبر واحد منها.كما أشار مناع إلى أن عبد اللطيف كان زاهدًا في المنصب، وأنه رفض العودة إلى موقعه رغم اتصالات حسين الحفيان المتكررة به. وهذه الإشارة، تنسجم مع الصورة العامة التي عرفت عنه بوصفه رجلاً لا يتعامل مع الوظيفة العامة باعتبارها وسيلة للوجاهة أو المكاسب الشخصية.دلالة التجربةإن ما أنجزته محفظة السلع الاستراتيجية خلال فترة تقل عن عامين يبرهن على أن السودان كان قادراً، في ظروف صعبة، على ابتكار أدوات تمويل ذكية، وعلى إقامة شراكة عملية بين الدولة والقطاع الخاص.وقد ساعدت المحفظة، في تمويل الوقود والدواء، وتوفير النقد الأجنبي، وتحقيق قدر من الاستقرار في سعر الصرف، وتقليل تكلفة الاستيراد، والحد من بعض مظاهر الفوضى في السوق الموازي.لكن التجربة كشفت في الوقت نفسه أن أي إصلاح اقتصادي يظل عرضة للانهيار إذا لم تحمه مؤسسات مستقرة، وحوكمة واضحة، وشفافية في اتخاذ القرار، وإدارة مهنية مستقلة عن شبكات النفوذ.ومن هذه الزاوية، فإن أهمية عبد اللطيف عثمان لا تكمن فقط في أنه ترأس محفظة حققت نتائج ملموسة، وإنما في أنه قدم نموذجاً لدور الخبير المهني حين تتاح له مساحة من الاستقلالية، وحين لا يتحول العمل العام إلى باب للمنفعة الخاصة.خاتمةلم تكن محفظة السلع الاستراتيجية أداة ربحية تقليدية، بل كانت مبادرة إصلاحية تأسست، بحسب تصميمها المعلن، على الشفافية والحوكمة والشراكة بين الدولة والقطاع الخاص.وقد أظهرت تجربتها خلال عامي 2020 و2021 أن السودان يستطيع ابتكار حلول اقتصادية تتجاوز عنق الزجاجة، متى توافرت الإرادة السياسية، والإدارة المهنية، والرقابة المؤسسية.لكن التجربة أظهرت كذلك أن نجاح أي مشروع إصلاحي لا يعتمد على التمويل وحده، بل يحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة، وإلى مؤسسات تحمي القرار الاقتصادي من التدخلات، وإلى آليات تمنع إعادة إنتاج شبكات الفساد والنفوذ.أما عبد اللطيف عثمان، ابن أختي، فقد رحل قبل أن يرى السودان يخرج من أزماته المتلاحقة. ولم يكن بوسعي، وأنا أكتب عنه، أن أفصل بين صلتي الأسرية به وبين رغبتي في قراءة تجربته بقدر من الموضوعية. لذلك أترك الحكم النهائي للوقائع والوثائق، لا للعاطفة وحدها.ومع ذلك، يبقى من حقنا أن نستعيد بعض التجارب التي أثبتت أن الإصلاح ممكن، وأن نذكر من ساهموا فيها، لا من أجل صناعة أساطير شخصية، بل من أجل التعلم من لحظات نادرة استطاع فيها السودان أن يقترب من الخروج من عنق الزجاجة.رحم الله عبد اللطيف عثمان، وألهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان، وجعل ما قدمه من عمل نافع في ميزان حسناته.إنا لله وإنا إليه راجعونThe post محفظة السلع الاستراتيجية والخروج من عنق الزجاجة appeared first on صحيفة مداميك.