د:أحمد عثمان عمرمنذ فشل انقلاب أكتوبر 2021م، وعجز طرفي الحرب قبل الانقسام وإشعال الحرب، في توطيد سلطتهما أو حتى تكوين حكومة تكرس محاولة تصفية الثورة وشرعنة الانقلاب برغم تعاون (المؤسس) وقبوله أن يصبح رئيسا ً لوزراء الانقلاب، بدأت نذر الانهيار الاقتصادي بعد عودة العزلة الدولية مع تحكم الاقتصاد الموازي في النشاط الاقتصادي والعودة النشطة لتمكين النشاط الطفيلي.لكن الأزمة الاقتصادية توطدت أقدامها، عند اشتعال الحرب وعسكرة الاقتصاد ليصبح اقتصاد حرب، يلبي احتياجات الجيش المختطف والمليشيات المتحالفة معه، وأجهزة الحركة الإسلامية المجرمة الأمنية. فمجمل الاقتصاد الرسمي، تم توجيهه لتمويل الحرب وتوفير السلاح وشراء ولاء المليشيات وصنع مليشيات أخرى، وتوقفت الدولة عن تقديم الخدمات التعليمية والطبية توقفا شبه تام، وفشلت حتى في تسديد مرتبات موظفيها في القطاعات الخدمية وخصوصا في قطاع التعليم، بمستوى اضطرّ المعلمين للإضراب عن العمل.والمؤشرات الاقتصادية المعلنة توضح أن الاقتصاد تعرض لانكماش بنسبة 43%، وانهارت العملية الإنتاجية في معظم مواقع الإنتاج لأنها أصبحت ساحة حرب، ولعدم توفر مدخلات الإنتاج والتمويل اللازم للعملية مع استحكام أزمة الطاقة. ويعيش أكثر من 83% من السكان تحت خط الفقر، والنظام المصرفي منهار ومنقطع الصلة بالنظام العالمي، والسلعة الريعية الأساسية (الذهب)، أكثر من 56 طن منها هربت ولم تدخل حصيلتها الخزينة العامة، ويعاني ميزان المدفوعات عجزا بمليارات الدولارات، ومرتب المعلم الأدنى مثلا لا يتجاوز دولارين في الشهر، والسيولة النقدية منعدمة، ويعاني تطبيق بنكك للدفع الإلكتروني من التوقف والانقطاع عن العمل، وتثقل الجبايات غير المنطقية كاهل التجار والمنتجين وتدفع الأوائل للإضراب وإغلاق المتاجر، وتجاوز الدولار حاجز الثمانية آلاف جنيه، ولا يملك المواطن بصورة عامة قوت يومه، والاقتصاد الموازي الذي تسيطر عليه الحركة الإسلامية المجرمة عبر المؤسسات العسكرية والأمنية، يتضخم كل يوم ويسيطر على كافة النشاط الاقتصادي ويدمره بتطفله ومعاداته للعملية الإنتاجية،وتوقفت والمساعدات الدولية المالية تماماً، عدا الأموال التي تدعم المجهود الحربي والتسليح، التي تضخها بعض الدول الداعمة للسلطة غير الشرعية في حربها على الوطن والمواطن. كذلك لا تملك شبه الدولة المنهارة حاليا أي احتياطي ذو قيمة من النقد الأجنبي، وليس لديها أي مخزون استراتيجي من الغذاء، وهي لا تملك من المال ما يسير المرافق العامة أو حتى يوفر الطاقة الكهربائية.والغريب هو أن البعض يحاول أن ينسب كل هذا الفشل لوزير المالية، في محاولة فاشلة لتبرئة سلطة الأمر الواقع غير الشرعية من المسؤولية الجماعية، عن السياسة الاقتصادية التي تتبناها، وبالتبعيّة تبرئة الحركة الإسلامية المجرمة من المسؤولية عن الانهيار الاقتصادي. وفي هذا تناسٍ متعمد لحقيقة أن إضعاف النشاط الاقتصادي المنتج وصنع الدولة الجابية، وبناء اقتصاد مواز، وتعميم حالة الفساد المنهك للاقتصاد، جميعها من إنتاج سلطة الرأسمال الطفيلي منذ عهد الإنقاذ المكرس للتمكين والصانع لاقتصاد دولة غير مسؤولة سعت بجد لإفقار مواطنيها، وتضخيم ثروات منسوبيها من الطفيليين الإسلاميين. هذه الدولة أسست لاقتصاد التجنيب، ولا معقولية الجبايات، ولفساد معمم وغياب الحساسية تجاه المال العام.والآن في ظل اقتصاد الحرب، انهار النظام التعليمي والنظام الصحي، وفشلت شبه الدولة في توفير الأمن للمواطن كذلك، وأصبح النهب حالة معممة، وواكب ذلك تضخم ثروات أمراء الحرب، المستفيدين من استمرارها بالسيطرة على مقدرات الدولة، والاشتراك الفاعل في الاقتصاد الموازي بالسيطرة المشتركة على الثروة المعدنية والشراكة في تهريب الذهب. فاقتصاد الحرب لا يخدم المواطن بل يعاديه حتما، لأنه يخدم المستفيدين من الحرب من الجنرالات والقوى المرتبطة بهم وتلك التي توظفهم.والنتيجة اليقينية هي أن الإفقار سيستمر في ظل اقتصاد حرب موجه لدعم استمرارها وتعميق معاناة المواطن، وإن الانهيار الاقتصادي سيتسع مداه ويتأكد عبره عدم قدرة سلطة الأمر الواقع على تمويل الحرب من اقتصاد منهك بلا موارد ومنهوب من قبل الطفيليين، مما يحتم توسيع دائرة الجبايات والانسحاب التام من كل جبهات تقديم الخدمات، بمستوى قد يقود إلى ثورة جياع. فالسلطة بالرغم من أنها أجبرت المغتربين على تحويل أموالهم عبر النظام المصرفي لعدم توفر تسهيلات السوق الموازي للعملة، لم تستطع تقديم أي خدمة للمواطنين لأنها وجّهت كل ما حصدته للمجهود الحربي ولم تستطع أن تحقق انتصاراً ذي قيمة عسكرية حاسمة في ساحات القتال أو أن تحسم المعركة عسكرياً كما كانت ومازالت تدعي.والانهيار الاقتصادي الشامل الحالي، مدخل معالجته سياسي، يتم عبر إيقاف الحرب، وبناء سلطة من القوى المدنية الثورية، عبر صعود الجبهة القاعدية العريضة للسلطة، بعد استبعاد طرفي الحرب وإسقاط سلطتهما، وإعادة ممتلكاتهما وشركاتهما لولاية وزارة المالية وتدمير الاقتصاد الموازي، وإعادة بناء العملية الإنتاجية وسلاسل إمدادها، والسيطرة على تجارة الصادر والوارد وضبطها بقوانين تنظيمية صارمة، ومعالجة الخلل المزمن في السياسات المالية والنظام المصرفي، وإعادة التواصل مع المجتمع الدولي وفك العزلة الاقتصادية، واستعادة الأموال المنهوبة والمتحصل عليها بطرق غير مشروعة، والعودة الفاعلة لإزالة وتفكيك التمكين. وبدون ذلك فإن الانهيار الاقتصادي الشامل حتمي ولا يمكن تفاديه، وانتظار الخروج من هذا المأزق الذي أدخلتنا فيه سلطة راس المال الطفيلي غير الشرعية، مجرد وهم لن يصمد طويلا أمام حقائق الواقع التي تؤكد أن الطريق الحالي يؤدي إلى موت الاقتصاد بالسكتة الاقتصادية. والمطلوب هو عدم الانتظار، وفرض إرادة الجماهير لصنع التغيير.وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!The post الانهيار الاقتصادي وفشل شبه الدولة!! appeared first on صحيفة مداميك.