جمود الفكر السياسي السوداني: هل تُحرّكه ثلاثية “حرب المدن” و “الترتيبات الأمنية” و “فلسفة الحوار السياسي”؟

Wait 5 sec.

بقلم: علي ترايويتمحور هذا المقال حول سؤال جوهري: هل يمكن للتحولات التي أفرزتها الحرب، والمفاهيم الجديدة التي فرضتها، أن تحرّك الفكر السياسي السوداني، الذي ظل لعقود طويلة، منذ الاستقلال، أسيرًا للجمود، وعاجزًا عن مخاطبة جذور الأزمة السودانية وابتكار خيارات جديدة خارج الصندوق التقليدي؟فالدولة السودانية لم تعانِ فقط من أزمات سياسية ودوامة من الحروب الدموية المتكررة، وإنما عانت أيضًا من جمود في طريقة التفكير في هذه الأزمات. تغيّرت الحكومات، وتعاقبت الانقلابات والثورات، وتوقعت اتفاقيات السلام، وتبدلت التحالفات، لكن قطاعات واسعة من النخب، وتحديدًا «الإنتلجنسيا»، ظلت تعيد إنتاج الأسئلة والأدوات نفسها، وكأن الأزمة تكمن في الأشخاص، لا في بنية التفكير التي تستند إليها الدولة وطريقة إدارة الاختلاف.ومن بين مستجدات الحرب الحالية، تبرز ثلاثة تحولات قد تمثل فرصة لإحداث اختراق في هذا الجمود: حرب المدن، والترتيبات الأمنية، وفلسفة الحوار السوداني–السوداني.● حرب المدن: عندما أصبحت الحرب تجربة المواطن اليوميةأحدثت حرب المدن تحولًا نوعيًا في طبيعة التجربة السودانية؛ فلم تعد الحرب مواجهة بعيدة عن المواطن، بل دخلت إلى الأحياء والمنازل والأسواق والمستشفيات والمنتزهات، ومست أمن المواطن الشخصي وكرامته وخصوصية حياته اليومية.هذا المعطي يفرض سؤالين محوريين يتجاوزان الحيز العسكري:1. هل يمكن أن تدفع حرب المدن الفكر السياسي السوداني إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن باعتباره حقًا للمواطن، وليس مجرد شأن عسكري أو أمني؟2. هل وظيفة الدولة هي إدارة السلطة فقط، أم أن وظيفتها الأولى هي حماية المواطن وضمان أمنه وحقوقه؟هنا تكمن إحدى فرص الحرب: أن تتحول تجربتها القاسية إلى مراجعة عميقة لمفهوم الدولة والأمن، وللعلاقة بين السلاح والمجتمع.● الترتيبات الأمنية: من بند تفاوضي إلى مشروع لبناء الدولةظل مفهوم”الترتيبات الأمنية” تعامل في اتفاقيات السلام، من أديس أبابا (1972) إلى نيفاشا (2005) وأبوجا (2006) وجوبا (2020)، باعتباره بندا فنيًا يتعلق بالدمج والتسريح وإعادة توزيع القوات والرتب.غير أن التجربة السودانية أثبتت أن المسألة أعمق من ذلك بكثير. فالترتيبات الأمنية، في جوهرها، مسألة سياسية تتعلق بطبيعة الدولة نفسها: من يملك السلاح؟ ومن يحتكر استخدام القوة؟ ولمن تخضع القوات المسلحة؟ وكيف تُبنى مؤسسة أمنية وطنية واحدة؟ومن هنا ينبغي الانتقال من مفهوم “تقاسم القوة المسلحة” إلى مفهوم “بناء الدولة”.والسؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه على الفكر السياسي السوداني هو: كيف يمكن بناء دولة مستقرة وديمقراطية في ظل تعدد مراكز القوى المسلحة؟إذا أُعيد تعريف الترتيبات الأمنية بهذا المعنى، فإنها يمكن أن تتحول من مجرد تسوية بين أطراف النزاع إلى مدخل لإصلاح الدولة وإعادة بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية على أسس وطنية.● الحوار السوداني–السوداني: من انتظار الحل إلى صناعة الحلأما التحول الثالث فهو بروز فلسفة الحوار السوداني–السوداني، بما تعنيه من إعادة مركزية الإرادة السودانية في صناعة الحل السياسي.لا ينبغي أن يُفهم هذا الحوار باعتباره مجرد تغيير لمكان انعقاد الاجتماعات، وإنما باعتباره تحولًا في مضمون فلسفة إدارة الأزمة: من انتظار الحلول التي يصوغها الخارج إلى امتلاك السودانيين زمام المبادرة في صياغة مستقبلهم، من خلال مشاركة واسعة للقوى السياسية والمدنية والمجتمعية والعسكرية ذات الصلة بمستقبل البلاد.حوار يفضي إلى لجم البندقية وكبح جماحها وفتح الطريق أمام دولة مدنية كاملة الدسم.لكن نجاح هذه الفلسفة يتوقف على سؤال جوهري: كيف نصمم حوارًا شاملًا دون أن يتحول الشمول إلى غطاء للإفلات من المسؤولية، ودون أن يتحول الإقصاء السياسي إلى وسيلة لإلغاء الخصوم؟وهنا تصبح الحاجة ماسة إلى الاتفاق على قواعد الحوار قبل الاختلاف حول المشاركين فيه، ووضع معايير واضحة للشمول، مع ضمان أن يكون الحوار سوداني الملكية، وأن يقتصر الدور الخارجي على التيسير والدعم الفني والسياسي، لا على فرض الأجندات أو صناعة التسويات نيابة عن السودانيين.● الثلاثية: هل يمكن أن تكون محفزًا لتحريك الفكر السياسي السوداني؟القيمة الحقيقية لهذه المستجدات الثلاثة لا تكمن في كل واحد منها منفردًا، وإنما في التفاعل بينها.فحرب المدن تعيد طرح سؤال الأمن وحماية المواطن، والترتيبات الأمنية تعيد طرح سؤال السلاح وعلاقته بالدولة، بينما يعيد الحوار السوداني–السوداني طرح سؤال إدارة الاختلاف وصناعة التوافق.وعندما تتفاعل هذه الأسئلة، فإنها لا تعيد فتح ملفات الحرب فحسب، وإنما تفتح الباب أمام مراجعة مفهوم الدولة نفسها.فإذا كانت الحرب قد كشفت هشاشة مفهوم الأمن، وكانت الترتيبات الأمنية قد كشفت اختلال بنية الدولة المسلحة، وكان الحوار السوداني–السوداني قد كشف الحاجة إلى استعادة الإرادة الوطنية في صناعة الحل، فإن تفاعل هذه العناصر الثلاثة يمكن أن يصبح محفزًا لتغيير ميكانزمات التفكير السياسي السوداني.وهنا تظهر حقيقة ربما غابت طويلًا عن النخبة السياسية: أن السودان قد لا يفتقر إلى الحلول بقدر ما يفتقر إلى التفكير خارج الأدوات التي أنتجت الأزمة نفسها.لذلك، فإن المطلوب ليس فقط إنهاء الحرب، أو تشكيل حكومة انتقالية، أو توزيع المناصب، وإنما إعادة التفكير في الدولة، والأمن، والسلاح، والمواطنة، والحوار، وطريقة إدارة الاختلاف السياسي.ومن ثم يصبح السؤال الأهم:كيف نصنع حوارًا سودانيًا شاملًا يحوّل الاختلاف من مصدر للصراع إلى وسيلة لبناء التوافق والدولة؟● خاتمةقد تكون الحرب الحالية، رغم مأساتها، فرصة نادرة لإعادة النظر في كثير من المسلّمات التي حكمت التفكير السياسي السوداني لعقود.فالأزمات لا تنتج التغيير تلقائيًا؛ وإنما يحدث التغيير عندما نتعلم من الأزمة ونحوّل تجربتها إلى معرفة سياسية جديدة.ولهذا فإن السؤال ليس فقط: كيف ننهي الحرب؟ بل: ماذا تعلمنا منها؟وليس فقط: كيف نرتب أوضاع القوى المسلحة؟ بل: كيف نبني دولة تنهي تعدد مراكز القوى المسلحة؟وليس فقط: من يشارك في الحوار؟ بل: كيف نجعل الحوار وسيلة لإعادة بناء الدولة، لا لإعادة إنتاج الأزمة؟إذا استطاع الفكر السياسي السوداني أن يلتقط هذه اللحظة، فقد تتحول حرب المدن، والترتيبات الأمنية، وفلسفة الحوار السوداني–السوداني من مجرد تداعيات للحرب إلى ثلاثية محفزة لإعادة اختراع السياسة السودانية.أما إذا عاد السودان إلى الوصفات القديمة بالأدوات القديمة، فقد تتوقف الحرب دون أن يتغير الفكر الذي أنتج أزماتها.وهنا تكمن المفارقة: قد تنتهي الحرب، لكن إذا لم يتغير الفكر السياسي الذي أنتج أزماتها، فلن يكون انتهاء الحرب بالضرورة نهاية للأزمة.هل القوى السياسية على استعداد لمواجهة تحدي تغيير تفكيرها السياسي، واستيعاب مغزى هذه التحولات الثلاثة: حرب المدن بمآسيها، والترتيبات الأمنية بتشعباتها، والحوار السياسي كسانحة لإعادة التفكير في مستقبل الدولة السودانية؟The post جمود الفكر السياسي السوداني: هل تُحرّكه ثلاثية “حرب المدن” و “الترتيبات الأمنية” و “فلسفة الحوار السياسي”؟ appeared first on صحيفة مداميك.