بقلم: عمر الدقيرالدكتور الواثق كمير من المتحمسين للجنة التي سمّت نفسها “لجنة تهيئة الحوار السوداني”، ويبدو شديد الاقتناع بجدواها. وانطلاقاً من هذه القناعة، كتب عدداً من المقالات شرح فيها فكرته، وقدّم دفوعاً عن مسار الحوار المطروح؛ وفي السياق نفسه، سبق أن وجّه مذكرة إلى عدد من قيادات تحالف “صمود”، كنتُ أحدهم، عرض فيها رؤيته – بروح حوارية قدَّرتُها في ردي عليه – ودعا إلى “الاشتباك الإيجابي” مع مبادرة الحوار والمساهمة في تحديد شروطها وضماناتها.وكانت نقطة البداية في ردي أننا لا نرفض الحوار من حيث المبدأ؛ بل ظل موقفنا قائماً على أنه لا حل عسكرياً لأزمة السودان، وأن المخرج هو الحل السلمي التفاوضي عبر مسارات أمنية وإنسانية وسياسية متكاملة.ولهذا قلت إن السؤال ليس: هل نتحاور أم لا؟ وإنما: أي وظيفة سياسية يؤديها الحوار في هذه اللحظة؟ هل هو جزء من عملية هدفها إنهاء الحرب، أم مسار ينطلق من واقع الحرب ويرتب أوضاعاً سياسية في ظلها؟فالدعوة إلى حوار ينحصر داخل مناطق سيطرة أحد طرفي الحرب دون الآخر، بينما الحرب مستمرة وقيادتا الطرفين تعلنان تمسكهما بالحسم العسكري، تثير ابتداءً سؤال الاستقلالية. ولا يتحقق ذلك بمجرد إعلان القائمين عليه أنهم ميسّرون مستقلون، وإنما بأن يكون الحوار مفتوحاً لكل السودان، وبعيداً عن سيطرة أية جهة أو تأثيرها؛ فالاستقلالية ليست وصفاً تطلقه اللجنة على نفسها، بل شرطاً ينبغي أن يظهر في بنية الحوار وأهدافه وعلاقته بأطراف الحرب.ولا يتعلق التحفظ بمكان الانعقاد وحده، بل بمنطلق المبادرة نفسها؛ فهي، كما أُعلِنت، ليست جزءاً من عملية متكاملة هدفها إنهاء الحرب، ولا مفتوحة على أفق عملي يقود إلى إيقافها. بل تنشئ مساراً سياسياً في ظل استمرار الحرب، دون ارتباط عضوي بجهود إيقاف إطلاق النار، بما يُحوِّله إلى مسار للتطبيع مع واقع الانقسام الإداري الجغرافي الذي أفرزته الحرب، وربما يسهم في تكريسه.من ناحية أخرى، تحدث بعض أعضاء اللجنة عن استجابة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لطلبهم بشطب البلاغات المفتوحة ضد سياسيين، واعتبروا ذلك من خطوات تهيئة المناخ. ولا شك أن إبطال إجراءات الملاحقات الكيدية وفتح المجال العام أمر مطلوب، لكن المصائر الشخصية للسياسيين ينبغي أن تكون في آخر قائمة الأولويات في ظرف كهذا. فالأكثر إلحاحاً – من بين شروط تهيئة المناخ – هو هدنة إنسانية لحماية المدنيين وإغاثتهم، وإطلاق سراح المعتقلين لدى طرفي الحرب، وتبادل الأسرى، بما يخفف معاناة آلاف الأسر ويفتح الطريق أمام عملية سياسية ذات مصداقية.وقد قرأت مقال د. الواثق الأخير “لا حوار يهرب من الحرب .. ولا وقف نار يهرب من السياسة”، الذي يدعو فيه إلى الترابط بين وقف الحرب والمسار السياسي، وينبّه إلى أن وقف إطلاق النار وحده لا يصنع سلاماً مستداماً ما لم تُعالج جذور الأزمة.وفي هذه الفكرة لا أرى بيننا خلافاً كبيراً؛ فقد ظللنا ندعو إلى تكامل ثلاثة مسارات مترابطة: إنساني لحماية المدنيين وإيصال المساعدات، وأمني لوقف إطلاق النار والترتيبات العسكرية، وسياسي يعالج جذور الأزمة ويؤسس لسلام مستدام .. لكن الترابط لا يعني الخلط بين المسارات أو تبديل المسؤوليات. قرار وقف إطلاق النار تملكه، ابتداءً، قيادتا القوات المسلحة والدعم السريع، ومن ثم فالأولوية هي دفعهما إلى هدنة إنسانية ووقف إطلاق نار مراقب. أما القوى المدنية، السياسية والمجتمعية، فمسؤوليتها الإسهام في بناء السلام ومعالجة جذور الأزمة وصياغة مستقبل الدولة.وفي ما يتعلق باستدعاء د. الواثق لتجربة مشاكوس ونيفاشا، ففيه جانب صحيح، لكنه يحتاج إلى التمييز. فتلك كانت عملية تفاوضية بين طرفي حرب، وكان التفاوض السياسي فيها جزءاً عضوياً من عملية إنهاء القتال والوصول إلى اتفاق سلام، لا حواراً سياسياً عاماً موازياً لمسار وقف الحرب.ولهذا أكرر ما قلته في ردي على د. الواثق: إذا كان الحوار مدخلاً لإنهاء الحرب ضمن عملية متكاملة ومستقلة، فنحن من الداعين إليه. أما إذا كان مساراً جزئياً يبدأ من واقع الحرب ويجري تحت سلطة أحد أطرافها، بينما تظل البنادق هي التي ترسم حدود السيطرة ومستقبل البلاد، فالمشكلة في فكرته ووظيفته من الأساس.أتفق مع د. الواثق: لا نحتاج حواراً يهرب من الحرب، ولا إيقاف نار يهرب من السياسة. لكنني أضيف: كما لا ينبغي للحوار أن يهرب من الحرب، ينبغي أيضاً أن يكون مستقلاً ويشمل السودان كله وألا يتكيّف مع واقع الانقسام الإداري والجغرافي الذي أنتجته الحرب.والجدير بالذكر هنا أن الأستاذ نبيل أديب، عضو “لجنة تهيئة الحوار”، هاتفني الأسبوع الماضي ناقلاً دعوة من اللجنة لتحالف “صمود” للانخراط معها وطرح ما لديه من شروط أو ملاحظات، وقد شكرته على التواصل وكررتُ له موقف التحالف المُعلَن والرافض لصيغة الحوار المطروحة، ومبررات ذلك الموقف .. وأضفتُ – من جانبي – أن اللجنة، ما دامت مهمتها “تهيئة المناخ للحوار”، فالأجدى أن تتواصل مع الجهات المعنية بذلك فعلياً، وذلك بدفعها نحو هدنة إنسانية لحماية المدنيين وتوصيل الإغاثة، وإطلاق سراح المعتقلين وتبادل الأسرى، وتوسيع الحيز المدني وإتاحة الحريات، بما يهيئ المناخ في كل السودان لحوار وطني ذي معنى.من المهم التأكيد على أن رفض صيغة الحوار المطروحة – التي ينافح عنها د. الواثق – لا يتعلق بتفاصيل يمكن تحسينها أو تعديلها، وإنما يطال مُنطلَقها ووظيفتها؛ فالحوار الوطني المطلوب هو الذي يكون جزءاً من عملية متكاملة تستهدف إيقاف الحرب، والاستجابة للكارثة الإنسانية، ثم معالجة جذور الأزمة بما يمنع عودتها.The post تعقيب على الواثق كمير: لا ينبغي للحوار أن يهرب من الحرب ولا أن يتكيَّف مع واقعها appeared first on صحيفة مداميك.