فوكوياما “في مملكة الإنسان الأخير”… يركز على الأفكار وإعادة نظر في تحولات فكرية وانقسامات أكاديمية

Wait 5 sec.

أحمد شافعيشغل فرانسيس فوكوياما الدنيا منذ بضعة عقود بمقولة “نهاية التاريخ”، إذ ذهب في زمن تفكك الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين إلى أن التاريخ اكتمل، أو تاريخ الأفكار والنظم السياسية في الأقل، فلم يبق من مجال للإضافة بعد أن انتصرت الليبرالية، وأثبتت أنها أمثل نظام لإدارة حياة الناس، وجاءت تلك الأطروحة في مقالة ذات شهرة مدوية، نشرتها مجلة أميركية يمينية صغيرة وهي “ناشونال إنتريست، ثم في كتاب اشتهر بنصف عنوانه الأول دون الأخير: “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، والآن يصدر فوكوياما سيرته منحازاً للنصف الأقل شهرة من العنوان، إذ يحمل الكتاب عنوان: “في مملكة الإنسان الأخير”.في موقعه على (“سبستاك” – التاسع من سبتمبر/أيلول 2026)، حكى فوكوياما قصة مقالته الشهيرة قائلاً “كتبت مقالة ‘نهاية التاريخ’ وأنا في بيت أصهاري في لاس فيغاس شتاء عام 1988-1989، فقد كنت أجهز لمحاضرة في جامعة شيكاغو بتنظيم آلن بلوم ونيثان تاركوف في لجنة الفكر الاجتماعي، وكان بلوم بطبعه متشائماً تجاه قدرة دول الغرب الديمقراطية الليبرالية على الدفاع عن نفسها، فكان العنوان العام لسلسلة المحاضرات هو (انحدار الغرب). قلت لبلوم إنني يسرني أن أشارك لكنني سأكون أكثر تفاؤلاً في تناولي لما يجري في العالم، فقال إنه لا بأس في ذلك وألقيت محاضرتي قبل انهيار سور برلين، وكان السفير الأسترالي السابق أوين هاريس هو المحرر الجديد لمجلة ‘ناشونال إنتريست’، فسألني على غداء في فندق ‘بيفرلي هيلز’ إن كان عندي ما أسهم به، فكلمته عن محاضرتي، فوعد بنشر نسختها المكتوبة ونشرت فعلاً صيف عام 1989”.لعقود بعدها، طبقت شهرة فوكوياما الآفاق، وقوبل باهتمام هائل، بالسلب والإيجاب، وبالسخرية والمديح، حتى إن جوناثان فريلاند يكتب في الـ (“غارديان”، الثاني من سبتمبر الجاري) أن المقالة “حققت لكاتبها شهرة دولية، وأسهمت في تأسيس مسيرة له بوصفه عالماً سياسياً وفيلسوفاً ومحلّلا متخصصاً في السياسة الخارجية والاقتصاد السياسي، تسعى الحكومات ومجالس الإدارات في العالم إلى مشورته، من شركة ‘فورد’ وحتى خيمة الديكتاتور الليبي معمر القذافي”.بل إن المقالة جعلت فوكوياما من قلة قليلة من المفكرين الذين يمكن الاستشهاد بأقوالهم في فيلم شعبي من قبيل “ستار تريك”، إذ ورد على لسان أحد أبطاله أن “بعضهم يتصور أن المستقبل هو نهاية التاريخ، والحقيقة أننا لم نستنفد التاريخ بعد”، ويعلق فريلاند بأنه “منذ ظهور الفيلم عام 1991، وفي الأعوام التالية له، شاعت مثل تلك الأقوال في إشارة إلى الأطروحة التي انطلقت صيف عام 1989 عبر مقالة من 16 صفحة، لكاتب كان آنذاك في الـ36 من العمر”، أطروحة يقول فريلاند محقاً إنها انتشرت ولم يعد من داع إلى شرحها، على رغم أنها أحيطت بكثير من سوء الفهم.المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما (أ ف ب)يكتب فريلاند أن “مملكة الإنسان الأخير”، “ليست سيرة تقليدية، وإنما قصة حياة عيشت في الأفكار، وإعادة نظر في تحولات فكرية وانقسامات أكاديمية، فلا مجال فيها تقريباً لزيجة الكاتب مثلاً المستمرة منذ 40 عاماً”.ويكتب إيفان كراستيف (“فايننشال تايمز”- الثاني من سبتمبر 2026) أن السيرة “لا تنم عن أية تربية عاطفية، إنما هي رحلة مفكر، وما فيها من صفحات لأسرته وحياته، بوصفه أميركياً – يابانياً، خلال أعوام ما بعد الحرب العالمية الثانية، إنما يرمي جوهرياً إلى فهم منابع ليبراليته وأيضاً، وعلى القدر نفسه، فهم إحساسه بهشاشة الليبرالية، فقد أعطت أميركا لأسرته فرصة السعي وراء سعادتها، ولكن أميركا نفسها جرّدت بعض مواطنيها من حقوقهم الأساسية، لحظة أن شعرت بأنها ضعيفة ومعرضة للهجوم”.يقول كراستيف “في عام 1974، وهو حديث التخرج في كلية “كورنيل”، توجه فوكوياما للدراسات العليا في الأدب المقارن، فقضى شهوراً عدة في باريس يدرس على أيدي منظري ذلك العصر، الفرنسيين الأسطوريين، من أمثال رولاند بارت وجاك ديريدا وحلقتيهما، وكان فوكوياما قد درس من قبل على يد آلن بلوم، فتشكل فكرياً على الفلسفة السياسية الكلاسيكية، وصدمه أن يجد نفسه أمام ما بعد الحداثة، وما تعلمه من فترة مغازلته للنظرية الفرنسية هو ما لا يريد أن يكون عليه، فانفصل عن ما بعد البنيوية، ولم ينظر وراءه بعد ذلك قط، وانضم إلى مؤسسة راند، متجهاً إلى الدراسات الأمنية، مقتنعاً بأن المحللين السياسيين هم من القلة العاقلة في العالم في عصر (التدمير الأكيد المتبادل)، في إشارة إلى عصر الردع النووي”.يعجب كراستيف من الشهرة التي تحققت لفوكوياما بكتاب “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” الذي “لم يقرأه إلا قليلون، وأساء فهمه كثيرون، وعلّق عليه الجميع”، وفي حين انشغل فوكوياما “بمصير الإنسان الأخير، أخذ الجميع يجادلونه في نهاية التاريخ، فكان نصف العنوان الذي تعرض للتجاهل هو النصف الأهم”، فلقد “استعار فوكوياما عبارة (الإنسان الأخير) من فريدريش نيتشه، لينبّه إلى ما تفعله الديمقراطية الليبرالية في الروح الإنسانية فور انتصارها، لكن (نهاية التاريخ) هي التي جعلته اسماً ذائع الانتشار، وقد تعامل ببراعة مع الشهرة المفاجئة بأن تجاهلها، مكتفياً منها بإعانته على الاستقلال الفكري”.ويرى إيفان كراستيف أن أشد الأقسام دراماتيكية في السيرة هو الذي يصف انفصال فوكوياما عن المحافظين الجدد بسبب حرب العراق، “وكثير من حجته في هذا الموقف معروف من كتابه الصادر عام 2006 بعنوان “أميركا في مفترق طرق”، لكنه في سيرته أكثر وضوحاً إزاء أن انشقاق المرء عن دائرته، لا اختلافه مع خصومه، باعتباره جوهر معنى أن يكون المرء ليبرالياً، ففي حين انشغل الذين تحولوا إلى انتقاد الحرب، بالتساؤل عمّا وقع من أخطاء، كان هو يسأل نفسه عما ارتكبنا من أخطاء”.ويضيف كراستيف، “هذا ما يتيح لنا أيضا أن نقرأ (مملكة الإنسان الأخير)، لا بوصفه سيرة شخصية، بقدر ما هو مونولوغ داخلي لليبرالية ما بعد الحرب الباردة، وفي حين أن المنتقدين لا يزالون يفسرون كتاب (نهاية التاريخ) باعتباره احتفاء بانتصار الغرب، يذكرنا فوكوياما بأن المزاج الأميركي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي كان انتقاصياً لا احتفالياً، وأن الكتاب الفكري الأكثر مبيعاً في تلك اللحظة كان كتاب (قيام وانهيار القوى العظمى) لبول كينيدي، وهو تشريح للتوسع الإمبريالي، وفي ضوء تلك الخلفية كانت تفاؤلية فوكوياما هي الموقف المعارض للتيار السائد، فلم يكن التشاؤم أوضح في مكان منه في دوائر (المحافظين الجدد) التي كان فوكوياما ينتمي إليها”.تؤكد جينيفر سالاي في مقالتها المسهبة عن الكتاب والكاتب أيضاً، (“نيويورك تايمز”- الـ 31 من أغسطس (آب) 2026) حال الإصرار على فهم غير الذي أراده الكاتب لنهاية التاريخ، وتجاهل فكرة الإنسان الأخير، ففي رأيها أن الرجل لم يقل إن التاريخ لن يشهد مزيداً من الأحداث التي تصنع التاريخ، لكنه قصد التاريخ “بمعناه الأجلّ والأكثر مفاهيمية”، وتشير إلى أن عبارة (نهاية التاريخ) المزعجة “لم تكن عبارته أصلاً، إذ استعارها من ألكسندر كوجييف صاحب الشرح الشهير لهيغل”، وأن “فوكوياما ذهب إلى أن الديمقراطية الليبرالية غاية نهائية، لأنها في شكلها المثالي غير قابلة لمزيد من التحسين بعد (أن سوِّيت كل المسائل الكبيرة فعلاً)”، وبهذا المعنى يكون التاريخ قد انتهى.وعن فكرة الإنسان الأخير، تقول سالاي إنه في مقابل تفاؤل فكرة نهاية التاريخ “لم يخل كتاب فوكوياما من أطروحة معاكسة قاتمة”، إذ استولي عليه احتمال بـ “أن يكون انتشار الديمقراطية الليبرالية كفيلاً بإتاحة المجال لظهور الإنسان الأخير، وذلك هو المصطلح الذي أطلقه نيتشه على الشخص المنحط المترف، الذي يعدل عن المخاطرة والطموح، رضاً بالراحة والأمان، ففي فصول الكتاب الخمسة الأخيرة، التي لا يبدو أن أحداً تجشم عناء قراءتها أو تذكرها، تنبأ فوكوياما بأن الضجر والقلق كفيلان بتأجيج الغضب على آلية المؤسسة”، وهي النبوءة التي تلح مقالة سالاي على أنها تحققت، فـ “بعد أكثر من ثلاثة عقود، ينتشر القلق والغضب في كل مكان”، غير أن السيرة تكشف أيضاً عن تغيير فوكوياما لرأيه، “فعلى رغم استهزائه بـ ‘كثير من النقاد العابرين’ لكتابه الأول، ممن لم يعنوا بالمضي في قراءته إلى ما بعد نصفه، اعترف فوكوياما أيضاً بأنه لم يتوقع قط أن يبدو ‘عالم الإنسان الأخير’ على هذا النحو”.حوت صفحات الكتاب الأخيرة إشارة عابرة إلى دونالد ترمب، قطب العقارات في مدينة نيويورك آنذاك، فكتب فوكوياما أن “ترمب واحد ممن يمكن أن تشبع الديمقراطية الليبرالية طموحهم من خلال اقتصاد السوق، فبدلاً من رغبة هؤلاء في أن يتحولوا إلى حكام مستبدين وطغاة، بوسعهم أن يصبحوا فاحشي الثراء”، ويعلق فوكوياما على ذلك قائلاً “لم أكن أعلم أن فُحش الثراء لن يكون كافياً له”.وتقف مقالة سالاي عند جانب سِيري فكري وهو علاقة فوكوياما بأبيه، الذي كان “ليبرالياً متعصباً، وعالم اجتماع وقسّاً في الكنيسة التجمعية، ونشطاً في حركة الحقوق المدنية، ومعارضاً لحرب فيتنام”، فلما التحق ابنه بالجامعة وتتلمذ على يد المنظّر السياسي المحافظ آلن بلوم، الذي كان تلميذاً للفيلسوف الألماني الأميركي ليو شتراوس، أصبح فوكوياما “محافظاً مشدوداً إلى الأفكار الفلسفية المتعلقة بالحقيقة المطلقة، والطبيعة الإنسانية، فضاق والده ذرعاً بذلك التطور، وأصرّ على أن ابنه تعرض لغسل دماغ، واستاء فوكوياما من ذلك الاتهام، وحتى الآن لا يزال يؤلمه ظن أبيه بأنه كان ضحية ساذجة لحملة تأثير آثمة (لم يعترف لي قط بقدرتي على التفكير المستقل)”.قال فوكوياما لسالاي: “كان ظني بنفسي أنني لست محض محافظ، ولكني جزء من فصيل المحافظين الجدد”، ثم تغير ذلك في العقد الأول من القرن الحالي، فـ “انفصل فوكوياما عن ‘المحافظين الجدد’ بسبب غزو الولايات المتحدة للعراق، ثم في عام 2008، بسبب طيش ‘وول ستريت’ الذي أوصل النظام المالي إلى الهاوية، وبدأ فوكوياما يراجع نفسه، فقال إن (الإيمان باستعمال القوة العسكرية من أجل ترويج الديمقراطية أدى إلى حرب العراق، وأن الأزمة المالية وقعت نتيجة للإيمان المحافظ بالأسواق الحرة، وقدرة الأسواق على تنظيم نفسها، والحفاظ على النمو الاقتصادي، وتبين أن الأمرين محض هراء)، فلا يمكن الحفاظ على الديمقراطية الليبرالية من خلال التطرف في إلغاء القيود التنظيمية، أو بفوهات البنادق، وهكذا في انعطافة مفاجئة، يجد فوكوياما نفسه الآن أقرب سياسياً إلى أبيه، لكن فوكوياما لا يزال يرفض ما يطلق عليه (أجندة العدالة الاجتماعية) لدى ‘اليسار’، ويصف اعتصامات مناصرة الفلسطينيين في الجامعات بـ (الكفاح من أجل الكفاح)، ويتمسك بتأكيد شتراوس للطبيعة البشرية، متحدثاً بنبرة محافظ تقليدي عن الاختلافات الفطرية بين الرجال والنساء، وبسؤاله عن موقفه السياسي اليوم ضحك قائلاً إن (الأمر معقد)”.غلاف الكتاب (أمازون)يبدو أن في الكتاب شذرات أخرى تصلح رابطاً بينه وبين فن السيرة كما نألفه، من ذلك ما يشير إليه كراستيف “يقدم فوكوياما نفسه في (المملكة) بوصفه حرفياً بارعاً في النجارة وصنع الأثاث بيديه، وعالم اجتماع كلاسيكياً تمثل الأفكار عنده فرضيات للاختبار، فيكتب (كثيراً ما آثرت الفوتوغرافيا على الرسم، لأنها تسجل شيئاً اطلع عليه شخص حقاً)”، لكن سالاي تعوض نقص هذا الجانب بتخصيصها قسماً غير قليل في مقالتها لمزيد من الجوانب الشخصية، ومن ذلك ولعه بالدراجات النارية، وميله إلى التهور.تكتب سالاي “لقد لمحت فيه أحياناً شخصاً أشد جموحاً وأقل حكمة، فثمة دراجة نارية مركونة في مدخل بيته (من طراز ياماها كان يستقلها في هارلي)، وحكى لي صديقه القديم مارك كوردوفر أن فوكوياما حينما كان يعيش مع أسرته في مكلين – فرجينيا قبل عقدين، كان يخرج بالدراجة في رحلات بعرض البلد، وغامر مرة بالسير في أحد أخطر طرق فرجينيا، وكان كوردوفر إذ يركب الدراجة النارية معه (يفزع أشد الفزع)”، مضيفة “جعل فوكوياما أمام بيته منحدراً جرّب القفز عليه بالدراجة فانكسر مرفقه، وفيما كنا نسير معاً في حرم ‘ستانفورد’ الشاسع، وراكبو الدراجات يمرقون في كل اتجاه، كان يندفع عند التقاطعات من دون أن يتمهل، فتعرض بضع مرات لحوادث اصطدام بدراجات كهربائية، وكان أحد هذه الاصطدامات خطِراً، استدعى استقدام سيارة إسعاف إليه”.وتعلق سالاي على ذلك بقولها إنه من المدهش أن يكون شخص مثل فوكوياما “مخاطراً متهوراً، يغامر بسلامته الجسدية على نحو متكرر ومحيّر، لكن من المنطقي أن يكون مؤلف (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) تجسيداً لطرحه”، أي الإنسان الأخير بالمعنى النيتشوي.أما كراستيف فينهي مقالته بعرض بارع لعصرنا هذا، بوصفه “عصر الإنسان الأخير”، فيكتب أنه بات مألوفاً لنا الآن ما يكون من أمر السياسة حينما تنعزل عن هموم المستقبل، فـ “يختزل العمل السياسي في الإدارة، والمشاعر التي كانت تستثمر في المستقبل ذات يوم تهاجر إلى الماضي، أي إلى الذاكرة والهوية والاستعادة والوعد، لا بعالم أفضل وإنما بعالم مفقود، فالسياسة تلجأ إلى النوستالجيا حينما لا يعود المستقبل متاحاً، وعندما يرجع المستقبل فإنه يرجع بوصفه خطراً، من قبيل انهيار المناخ والهجرة والذكاء الاصطناعي والحرب، أي شيئاً يجب الحذر منه، والنجاة منه لا إقامته”.ويختم “لقد أدرك فوكوياما بعض هذا، ويحسب له أن هذا الحدس حاضر في عنوانه، فـ (الإنسان الأخير) ليس بالذي يصل في نهاية القصة، وإنما الذي لا يبقى له من مكان يمضي إليه، والخطأ، أعني خطأنا، وخطأه جزئياً، هو أننا صنفنا تلك البصيرة في باب التاريخ، لا في باب المستقبل الذي تنتمي إليه”.عنوان الكتاب: In the Realm of the Last Man: A Memoirتأليف: Francis Fukuyamaالناشر: Farrar, Straus and Giroux————————كاتب ومترجمنشر المقال علي صجيفة اندبندنت عربيةThe post فوكوياما “في مملكة الإنسان الأخير”… يركز على الأفكار وإعادة نظر في تحولات فكرية وانقسامات أكاديمية appeared first on صحيفة مداميك.