التشابه البنيوي بين الصهيونية الدينية وبعض تصورات الإسلام السياسي للدولة

Wait 5 sec.

إبراهيم برسي.ليس من السهل أن تجد مساحة مشتركة بين حسن البنا وأبراهام إسحاق كوك. الأول جاء من مصر في عشرينيات القرن الماضي، في زمن الاستعمار وسقوط الخلافة والقلق على موقع الإسلام في المجتمع والدولة. والثاني خرج من سياق يهودي مختلف تماماً، يحاول أن يجد معنى دينياً لمشروع صهيوني كان كثير من رواده علمانيين.لا يجمع بين الرجلين تاريخ واحد ولا قضية واحدة، وربما كان كل منهما سيرى في مشروع الآخر نقيضاً لما يؤمن به. ومع ذلك، حين نترك العقائد جانباً وننظر إلى السؤال الذي طرحه كل منهما على الدولة، تبدأ مسافة الاختلاف الهائلة بينهما في كشف شيء آخر يستحق التأمل: ماذا يحدث حين لا تبقى العقيدة شأناً يخص إيمان الفرد والجماعة، وتدخل إلى الدولة لتصبح جزءاً من تعريف السلطة والقانون؟عندما أسس حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين في الإسماعيلية سنة ١٩٢٨، لم يكن الإسلام الذي يتحدث عنه ديناً يمكن أن يظل داخل حدود المسجد. كان الإسلام عنده ديناً ودولةً، ومجتمعاً ونظاماً للحياة. غير أن الفكرة التي ستصبح لاحقاً أكثر حساسية في الإسلام السياسي تبلورت بصورة أوضح عند أبي الأعلى المودودي، الذي أسس الجماعة الإسلامية في لاهور، التي أصبحت لاحقاً ضمن باكستان، سنة ١٩٤١. المودودي هو الذي أعاد بناء مفهوم “الحاكمية” داخل لغة الدولة الحديثة، ثم تلقف سيد قطب جانباً مهماً منه، ودفع به في كتاباته الأخيرة إلى صياغة أكثر حدة، حيث صار السؤال في النهاية يتجاوز صلاح الحاكم وفساده إلى أصل السلطة نفسها: من يملك الحق في أن يقول هذا حلال وهذا حرام، هذا قانون وهذا باطل؟ الله أم البشر؟ولعل من المهم هنا ألا نحمّل حسن البنا ما جاء بعده. فالبنا لم يصغ مفهوم “الحاكمية” بالصورة التي نجدها لاحقاً عند المودودي وقطب، ولم تكن جماعة الإخوان في سنواتها الأولى نسخة مكتملة من المشروع الذي سيظهر لاحقاً في تجارب الحكم الإسلامي المختلفة. غير أن فكرة شمول الإسلام، ورفض حصره في العبادة الخاصة، وضعت منذ وقت مبكر السؤال الذي سيظل يلاحق هذه التيارات: إذا كان الإسلام ديناً ودولة ونظام حياة، فأين تنتهي العقيدة وتبدأ سلطة الدولة؟قد يبدو الجواب بديهياً للمؤمن: الله.لكن السياسة تبدأ بالضبط بعد هذه الإجابة، لا قبلها.فالله لن يجلس في البرلمان ليشرح المادة المختلف عليها، ولن يكتب قانون العقوبات، ولن يحدد النظام الضريبي، ولن يقرر إن كان هذا النص الديني قطعياً أو قابلاً للاجتهاد. سيقوم بذلك بشر: فقيه أو حزب أو مجلس شورى أو محكمة أو مرشد أو رئيس. وهنا يظهر سؤال ظل الإسلام السياسي، في تجاربه المختلفة، يتعثر فيه: إذا كانت الحاكمية لله، فمن يملك على الأرض سلطة تفسير ما يريده الله؟المشكلة إذن ليست في الاعتقاد بأن لله حكماً. ملايين المؤمنين يعتقدون ذلك ولا يريدون إقامة دولة دينية. المشكلة تبدأ حين تتحول المسافة بين الله والبشر إلى مساحة سياسية يحتلها بشر يملكون السلطة، ثم يقدمون اجتهادهم باعتباره أقرب من اجتهاد خصومهم إلى إرادة الله.وهذه ليست مسألة نظرية تماماً. في باكستان، بعد عامين فقط من قيام الدولة، أقرت الجمعية التأسيسية “قرار الأهداف” في ١٢ مارس ١٩٤٩، وفيه أن السيادة على الكون لله، مع إسناد ممارسة السلطة إلى الشعب ضمن الحدود التي رسمها الله. ومنذ ذلك الوقت ظل السؤال الباكستاني مفتوحاً: كيف تجتمع سيادة الشعب مع سيادة سابقة لها ومتعالية عليها؟ فمفهوم الحاكمية بصيغته السياسية الحديثة نشأ في اشتباك مباشر مع مفاهيم السيادة والتشريع في الدولة الحديثة، حتى وإن كانت له جذور في التراث الفقهي الإسلامي.ولم يبق هذا التوتر بين “سيادة الله” و”سيادة الشعب” مجرد مسألة يختلف حولها الفقهاء والمفكرون.في إيران، بعد ثورة ١٩٧٩، دخل السؤال إلى صلب الدستور نفسه، ولا سيما في صيغته المعدلة سنة ١٩٨٩. فالدستور الإيراني يقرر أن السيادة المطلقة على العالم والإنسان لله، ويقرر في الوقت نفسه أن الإنسان يمارس حقه في تقرير مصيره الاجتماعي، ثم يضع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية تحت إشراف القيادة وفق مبدأ ولاية الأمر. وحين تكون هناك مؤسسات منتخبة ومرجعية دينية أعلى منها في الوقت نفسه، يبرز السؤال من جديد: أين ينتهي اختيار الناخب وأين تبدأ الحدود التي لا يستطيع هذا الاختيار تجاوزها؟على الطرف الآخر كان يحدث شيء مختلف، لكنه يثير سؤالاً قريباً.الصهيونية لم تبدأ حركة دينية خالصة. هذه حقيقة مهمة، لأن أي مقارنة تتجاهلها ستصبح ضعيفة منذ سطرها الأول. تيودور هرتزل لم يكن حسن البنا اليهودي، والحركة الصهيونية المبكرة ضمت تيارات علمانية واشتراكية وقومية، وكان لكثير من المتدينين اليهود أنفسهم تحفظات على الصهيونية.التحول الذي يعنيني هنا نجده بصورة أوضح عند الحاخام أبراهام إسحاق كوك، ثم، بصورة أشد، عند ابنه تسفي يهودا كوك وتلامذته. أعطى كوك الأب المشروع الصهيوني معنى خلاصياً؛ فأمكن أن يصبح بناء الوطن اليهودي جزءاً من مسار ديني حتى حين يقوم بالبناء يهود علمانيون لا يرون أنفسهم أدوات لخطة إلهية.ثم جاءت حرب يونيو ١٩٦٧، أو ما عُرف بحرب الأيام الستة. خلال أيام قليلة هزمت إسرائيل القوات المصرية والأردنية والسورية، وسيطرت على سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وهضبة الجولان. ولم تكن النتيجة مجرد توسع عسكري كبير في الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل؛ فقد وضعت الحرب القدس الشرقية والضفة الغربية، بما تحملانه من رمزية دينية وتاريخية يهودية، تحت السيطرة الإسرائيلية، ومنحت أفكار مدرسة كوك قوة جديدة.كانت الحرب ستة أيام في التقويم العسكري، لكنها كانت أطول بكثير في المخيال الديني. ما حدث لم يُقرأ لدى هذا التيار باعتباره نصراً عسكرياً أو تحولاً جغرافياً فقط. دخلت القدس الشرقية والضفة الغربية، التي يسميها الخطاب القومي الديني “يهودا والسامرة”، في سردية الخلاص نفسها. بدا لبعض أتباع مدرسة كوك أن التاريخ الديني الذي قرأوه في النصوص يتحرك أمامهم على الأرض، وأن السيطرة على هذه المناطق ليست حدثاً سياسياً عادياً، وإنما خطوة في مسار أوسع للخلاص. ومن هذه البيئة خرجت سنة ١٩٧٤ حركة “غوش إيمونيم”، وأصبح بناء المستوطنة فعلاً سياسياً ودينياً في آن واحد؛ خطوة على الأرض وخطوة داخل تصور أوسع للتاريخ والخلاص.وعبر عقود طويلة تحرك بعض هذه الأفكار من المدارس الدينية والحركة الاستيطانية إلى الأحزاب والكنيست ثم إلى قلب السلطة التنفيذية. ويمكن متابعة هذا المسار، مع اختلاف كبير بين حلقاته، من مدرسة كوك وغوش إيمونيم إلى مائير كاهانا، ثم إلى تيارات الصهيونية الدينية الجديدة التي أصبح من أبرز وجوهها بتسلئيل سموتريتش.كاهانا حالة متطرفة لا يجوز تقديمها وكأنها تمثل الصهيونية الدينية كلها، لكنها مهمة لأنها تكشف إلى أين يمكن أن يصل منطق الامتياز الديني والقومي عندما يُدفع إلى نهاياته. دخل الكنيست سنة ١٩٨٤، وطرح أفكاراً صريحة تدعو إلى ترسيخ التفوق اليهودي في الدولة، ونقل السكان العرب، وبسط السيادة الإسرائيلية على كامل أرض إسرائيل غرب نهر الأردن، وربط تصور الدولة بالهوية اليهودية وبالقانون الديني اليهودي. والمفارقة أن النظام السياسي الإسرائيلي نفسه تحرك لاحقاً لوضع حدود أمام هذا الاتجاه؛ عُدلت القوانين بما يسمح باستبعاد القوائم المحرضة على العنصرية، ومُنع حزب “كاخ” من المشاركة في انتخابات ١٩٨٨، ثم حُظر لاحقاً.وفي سنة ٢٠١٧ طرح بتسلئيل سموتريتش ما عُرف بـ”خطة الحسم”، وهي وثيقة تنقلنا من اللاهوت إلى السياسة العملية. تقوم فكرتها الأساسية على رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة غرب نهر الأردن، وعلى توسيع الاستيطان وترسيخ السيادة الإسرائيلية بحيث يصبح مشروع الدولة الفلسطينية غير قابل للتحقق عملياً. ويضع سموتريتش أمام الفلسطيني خيارات تبدأ بالقبول بالحياة الفردية تحت السيادة الإسرائيلية من دون تحقيق مشروع قومي مستقل، وتمتد إلى الهجرة لمن يرفض هذا الواقع، بينما تواجه المقاومة المسلحة بالقوة. هنا لا تعود الأرض مجرد موضوع إيمان؛ تصبح العقيدة وقد حصلت على خريطة وخطة وإدارة وميزانية.وفي ١٩ يوليو ٢٠١٨ أقر الكنيست “القانون الأساسي: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي”. النص يعرّف إسرائيل بوصفها الدولة القومية للشعب اليهودي، ويقصر ممارسة حق تقرير المصير القومي في الدولة على الشعب اليهودي، ويصف تطوير الاستيطان اليهودي بأنه قيمة قومية. هذه ليست قراءة خصوم إسرائيل للقانون؛ هذا هو جوهر ما يقوله النص نفسه.عند هذه النقطة تبدأ المسألة في الظهور بصورة مختلفة.قد يختلف الإسلامي والصهيوني الديني حتى على وجود الآخر، لكن كليهما يستطيع، في لحظة معينة، أن يسحب شيئاً من مجال السياسة ويضعه في منطقة يصعب على السياسة الوصول إليها.إذا كانت الأرض وعداً إلهياً، فإن التنازل عنها لا يعود مجرد قرار سياسي يمكن أن يصيب أو يخطئ. وإذا كانت الأرض وقفاً إسلامياً لا يجوز التفريط فيه، فإن المفاوض الذي يتنازل عن جزء منها يمكن أن يصبح مفرطاً في حق يتجاوز سلطته الشخصية. عند هذه النقطة يصبح التفاوض معقداً بصورة مختلفة؛ لأن السياسي يستطيع أن يتفاوض على الحدود والمياه والأمن، لكنه يجد نفسه أمام حق استمد حصانته من السماء.وهنا يصبح التحديد ضرورياً حتى لا تتحول المقارنة إلى تعميم.فكرة فلسطين بوصفها وقفاً إسلامياً ظهرت بوضوح في ميثاق حماس الصادر سنة ١٩٨٨. لكنها لم تبق بالصياغة نفسها من دون تغير؛ ففي الوثيقة السياسية التي أصدرتها حماس سنة ٢٠١٧ أصبحت اللغة أكثر قومية وسياسية في مواضع مهمة، وميّزت الحركة بصورة أوضح بين اليهودية والصهيونية، وقبلت إقامة دولة فلسطينية على حدود ٤ يونيو ١٩٦٧ بوصفها صيغة توافق وطني، من دون الاعتراف بشرعية إسرائيل أو التخلي عن تصورها الأوسع لفلسطين. وهذه المراجعة تذكرنا بأن الحركات العقائدية ليست كيانات جامدة، وأن لغتها نفسها قد تتغير عندما تصطدم بالسياسة أو تحت ضغط الواقع.ولا يعني هذا أن موقف الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال يساوي موقف الدولة التي تحتله، أو أن حماس وغوش إيمونيم صورتان متطابقتان. هناك احتلال واستيطان وتهجير وتفاوت هائل في القوة، وحذف هذه الوقائع باسم “المقارنة الفكرية” نوع من تشويه الحقيقة التاريخية.الذي يعنيني هنا شيء آخر: أن خصمين غير متساويين يمكن، رغم ذلك، أن يستدعيا المقدس إلى تعريف علاقتهما بالأرض، ثم يصبح حل النزاع السياسي مطالباً بالتفاوض أيضاً مع حقيقة دينية لا ترى نفسها موضوعاً للتفاوض.وتصبح المسألة أخطر عندما نغادر الأرض وندخل إلى تعريف الدولة نفسها.من الممكن أن يكون للإنسان حقوق مدنية وأن يصوت في الانتخابات، ومع ذلك يبقى السؤال قائماً حول موقعه من الهوية المؤسسة للدولة. والمشكلة نفسها، مع اختلاف كبير في بنيتها، تظهر عندما تعرّف الدولة الإسلامية نفسها ابتداءً من عقيدة الأغلبية ثم تحاول أن تجد مكاناً متساوياً لمن لا ينتمي إلى تلك العقيدة، أو حتى للمسلم الذي لا يقبل تفسير السلطة لها.وهنا يصبح السودان بالنسبة لي أكثر من مثال جانبي.حسن الترابي لم يكن مفكراً يكتب عن الإسلام والدولة من خارج أسوار السلطة، والحركة الإسلامية السودانية لم تكن أيضاً جماعة دعوية تناقش المجتمع في رؤيتها. بعد ٣٠ يونيو ١٩٨٩ أصبحت تمتلك نفوذاً حاسماً داخل جهاز الدولة، واستطاعت في السنوات الأولى إعادة تشكيل قطاعات واسعة منه.والأمر لم يكن انتقالاً بسيطاً من فكرة إلى حكومة. انقلاب ٣٠ يونيو أطاح حكومة منتخبة، وكان للحركة الإسلامية والجبهة الإسلامية القومية بقيادة الترابي دور مركزي في المشروع السياسي الذي تبلور عقب الانقلاب. ثم بدأت عملية واسعة لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع: الخدمة المدنية، والقوات النظامية، والقانون، والتعليم، والإعلام، والاقتصاد.وليس من العدل هنا اختصار النظام كله في شخص الترابي، خصوصاً بعد المفاصلة سنة ١٩٩٩، لكن السنوات الأولى تكشف بوضوح ماذا يحدث عندما تنتقل جماعة تحمل مشروعاً عقائدياً من المنافسة على السلطة إلى امتلاك نفوذ حاسم داخل أدوات الدولة.قبل السلطة تستطيع الحركة الإسلامية أن تقول إن الإسلام هو الحل، وأن تطالب الدولة بأن تكون أكثر أخلاقاً وعدلاً. بعد السلطة يظهر السؤال الذي لا تحله الشعارات: إسلام من؟ وأي تفسير؟ ومن يملك حق الاعتراض عليه؟والمواطن الجنوبي غير المسلم لم يكن وحده أمام هذا السؤال. المسلم السوداني نفسه أصبح معنياً به. الصوفي، والجمهوري، والشيوعي المسلم، والمسلمة التي تختلف مع قانون النظام العام، والفقيه الذي يرى رأياً آخر، وحتى الإسلامي الذي يختلف مع التنظيم؛ كل هؤلاء يكتشفون أن عبارة “حكم الإسلام” لا تنهي الخلاف، لأن الخلاف الحقيقي يبدأ عندما يحاول بشر تحويلها إلى قانون.وتكشف تجربة السودان مشكلة أخرى كثيراً ما تضيع في الحديث المجرد عن الدولة الإسلامية. فحين تصبح الدولة وسيلة لإعادة تشكيل المجتمع على صورة جماعة سياسية بعينها، لا يعود السؤال متعلقاً بالشريعة وحدها. يصبح متعلقاً بمن يحصل على الوظيفة، ومن يدخل المؤسسة، ومن يعرّف الولاء، ومن يملك حق الكلام باسم الدين والدولة معاً. عند هذه النقطة يمكن للتمكين السياسي أن يتخفى داخل لغة دينية، ويصبح الخلاف مع الحزب قابلاً لأن يُقدَّم باعتباره خلافاً مع المشروع الحضاري أو مع الإسلام نفسه.وحين تصبح الجماعة صاحبة حقيقة مقدسة وصاحبة دولة في الوقت نفسه، يصبح من السهل أن يكتسب الخلاف معها معنى إضافياً. لم تعد تختلف مع حكومة فقط؛ قد تبدو كأنك تختلف مع الأمة أو الدين أو المصير التاريخي نفسه. وفي هذه اللحظة يمكن أن ينتقل الخصم من مواطن له تصور آخر للدولة إلى شخص يقف في طريق مشروع أكبر منه.لكن الاعتراف بالاختلاف لا يلغي السؤال البنيوي.الديمقراطية ليست أن تجري انتخابات فقط. الديمقراطية في جوهرها شيء أكثر تواضعاً وصعوبة، في آن واحد: أن تدخل السياسة وأنت تعرف أن رأيك، مهما كان عزيزاً عليك، يمكن أن يخسر؛ وأن خصمك، مهما اختلفت معه، يملك الحق نفسه في الدولة؛ وأن الأغلبية الحالية ليست مالكة الوطن؛ وأنك لا تستطيع تحويل هزيمتك الانتخابية إلى هزيمة لله أو للأمة أو للتاريخ.لهذا تبدو لي “الحاكمية” مشكلة سياسية حين تتحول من إيمان إلى هندسة للدولة.ليست المشكلة أن المؤمن يقول إن الله فوق الجميع؛ المشكلة في الشخص الذي يقف بيننا ويقول إنه يعرف، بسلطة الدولة، ماذا يريد الله من الجميع.وفي الصهيونية الدينية الخلاصية تظهر المسألة من باب آخر. عندما يصبح استيطان أرض بعينها جزءاً من عملية خلاص، ماذا يحدث إذا قررت أغلبية سياسية الانسحاب منها؟ هل تملك الحكومة هذا الحق أصلاً؟ وهل قرار البرلمان أعلى من الواجب الديني أم أدنى منه؟بعد ١٩٦٧ لم تعد هذه الأسئلة افتراضية داخل إسرائيل، وصعود غوش إيمونيم جعلها جزءاً من الصراع الفعلي حول الأرض والدولة.وكلنا يعرف انه حين تدخل الفكرة إلى الدولة لا تبقى الفكرة نفسها؛ تحصل على ميزانية وشرطة وقانون وجرافة وخريطة.ربما لهذا لم تعد تقنعني العبارة الشائعة التي تقول إن الإسلاميين “أعادونا إلى القرون الوسطى”. فيها شيء من الراحة الفكرية أكثر مما فيها من الدقة. الإنقاذ لم تكن دولة من القرون الوسطى. كانت حديثة جداً في كثير من أدواتها: جهاز أمني مركزي، تنظيم حزبي، إعلام، جامعات، بنوك، قوانين، ملفات، شبكات اقتصادية، مؤسسات تعبئة، وإدارة حديثة للمجتمع. القديم كان في المرجعية التي استدعتها؛ أما الآلة التي استخدمتها لفرض رؤيتها وترسيخ هيمنتها، فكانت آلة الدولة الحديثة.وهذا ينطبق، بطريقة مختلفة، على الصهيونية الدينية أيضاً. نصوص قديمة، وذاكرة دينية ضاربة في التاريخ، ووعد وخلاص، ثم تأتي في النهاية الخريطة الحديثة والسجل العقاري والوزارة والميزانية، والجيش بما يملكه من سلاح وتكنولوجيا متقدمة.وهنا تكمن المفارقة التي أظن أنها تستحق التأمل أكثر من كل التشابهات المعروفة بين الأديان: المقدس قديم، لكن قدرته الحديثة على السيطرة على حياة ملايين البشر تأتي، في جانب كبير منها، من الدولة الحديثة. الدولة هي التي تستطيع أن تجعل الفكرة منهجاً مدرسياً، أو قانوناً، أو حدوداً، أو مستوطنة، أو شرطاً في المواطنة. ومن دون هذه الآلة تبقى عقائد كثيرة في الكتب والمساجد والكنس والضمائر. المشكلة تبدأ عندما تحصل إحدى القراءات الدينية على مفاتيح الآلة.لهذا لا أحب عبارة “الصهيونية الإسلامية”، رغم إغراء الاسم. الإخوان المسلمون ليسوا صهاينة، والصهيونية الدينية ليست إسلاماً يهودياً. التاريخان مختلفان، والمشروعان مختلفان، وعلاقتهما بالأرض والجماعة والدولة ليست واحدة، وفوق ذلك كله هناك واقع فلسطيني لا يجوز إذابته داخل تمرين فلسفي أنيق.والاختلاف في مفهوم الجماعة نفسه مهم. الصهيونية، حتى في صيغتها الدينية، تقوم في جوهرها على مشروع قومي يهودي، بينما يحمل جزء كبير من الإسلام السياسي الكلاسيكي تصوراً للأمة يتجاوز حدود القومية والدولة الوطنية. الأول يسأل، في جانب أساسي منه، من ينتمي إلى الشعب الذي تقوم الدولة باسمه؛ والثاني يسأل كيف ينبغي أن يُحكم المجتمع وفق المرجعية الإسلامية. قد يلتقي المساران عند مشكلة المساواة والمواطنة، لكنهما لا يصلان إليها بالطريق نفسه.لذلك لا يعنيني أن أبحث عن اسم يجمعهما بقدر ما يعنيني السؤال الذي يكشفه التشابه بينهما: ماذا يحدث حين تبدأ جماعة سياسية من حقيقة تراها أعلى من التصويت، ثم تصل إلى السلطة وتملك أدوات الدولة كي تحول تلك الحقيقة إلى قانون عام؟ عندها لا يعود الخلاف حول مقدار التدين أو صدق الإيمان، وإنما حول الحد الفاصل بين حق الإنسان في أن يؤمن بما يشاء، وحق الآخرين في ألا تتحول عقيدته إلى شرط لمواطنتهم.فإذا احتاج المواطن إلى المرور عبر عقيدة الآخر كي يصل إلى مواطنته، حينها لا تعد المشكلة في مقدار تدين الآخر أو صدق إيمان المواطن.المشكلة أن الآخر الذي في يده السلطة وضع نفسه بين المواطن وبين الدولة.The post التشابه البنيوي بين الصهيونية الدينية وبعض تصورات الإسلام السياسي للدولة appeared first on صحيفة مداميك.