نجوى بابوتتحول رحلة خروج حرائر السودان من منازلهن تحت أزيز الرصاص إلى شتات طويل الأمد يمتد لسنوات خلف الحدود، لتجلس بعضهن اليوم في الطرقات بأطراف العاصمة المصرية القاهرة، ملخصات مشهد اللجوء بعبارة تخنقها العبرات: لقد تركنا بيوتنا وأرواحنا هناك، وجئنا بدموعنا نبحث عن أمان لا نملك ثمنه . هذا هو حال لسان ملايين النساء السودانيات اللواتي يطلق عليهن المجتمع اعتزازاً لقب الحرائر ، واللواتي وجدن أنفسهن فجأة يواجهن مصيراً قاسياً في عواصم الشتات من القاهرة إلى نيروبي، وأديس أبابا، وصولاً إلى منافي أوروبا ودول الخليج، بعد أن عصفت الحرب المستمرة ببلادهن وبددت أحلام الاستقرار. وتبدأ المأساة من لحظة الخروج القسري؛ حيث اضطررن لقيادة رحلات فرار عائلاتهن في غياب الرجال بسبب ظروف الخدمة أو الاحتجاز، لتتحدث التقارير الميدانية عن عبء هائل تضاعف على كاهل المرأة السودانية التي تحولت إلى معيلة وحيدة لأسر كاملة في بيئات غريبة تلتهم فيها إيجارات الشقق وتكاليف الفواتير المدخرات القليلة، مما يضعها تحت ضغط مالي ونفسي مستمر، لاسيما مع القيود الصارمة التي تفرضها بعض الدول على عمل الأجانب.وفي مقابل لوحة اللجوء القاسية، تبرز في الداخل مشهدية إنسانية وعسكرية معقدة تعكس عمق الأزمة، وتتأرجح بوضوح بين دموع الحرائر في المنافي وبين عناق الإعلامية جدية والبرهان أمام كمرات الإعلام، ففي الوقت الذي تبكي فيه الملايين بيوتهن المفقودة، وثّقت عدسات الإعلام لقطات عناق المذيعة جدية عثمان وعبد الفتاح البرهان في صورة حملت استفزازاً صارخاً وصدمة للنازحات واللاجئات، لما تعكسه من مواقف احتضان لا تشبه بكاء الأمهات السودانيات المليء بوجع الفقد والذل والعوز. وتحمل هذه المقاربة شقين عميقين في الوعي الجمعي حيث حاول البعض تسويقها كرمزية عاطفية لامتصاص وجع الحرائر اللواتي فقدن كل شيء ، بينما نظر إليها الأغلبية الساحقة كصرخة تذكير بالمسؤولية الإنسانية والأخلاقية لإنهاء النزاع، إذ لا يمكن للعناق ومسرحة المواقف أن يمسحا دموع ملايين العالقات في المنافي ما لم تُترجم هذه الوعود الدبلوماسية إلى استقرار حقيقي يعيد السلام والأمان للبيوت السودانية ويوقف نزيف اللجوء.وخلف هذه الدموع، تقبع أزمة صحة نفسية صامتة ومخيفة فالمرأة السودانية في الشتات لا تبكي فقط على ضيق ذات اليد، بل تحمل في ذاكرتها مشاهد مروعة من العنف وفقدان الأحبة، يضاف إليها القلق الدائم على من تُرِكوا خلفهم في مدن تعاني الحصار والجوع. ورغم قسوة المشهد، فإن عبارة حرائر السودان لا تعكس انكساراً بل تجسد صلابة استثنائية فقد تحولت مدن الشتات إلى ساحات كفاح يومي تقودها النساء عبر مشاريع الطهي المنزلي وتأسيس مراكز تعليمية بديلة لضمان عدم ضياع مستقبل الأطفال. وتأسيساً على ذلك، يتضح أن المخرج القانوني والدستوري لحفظ كرامة المرأة السودانية يبدأ من فرض الإرادة الإنسانية والوقف الفوري والشامل لإطلاق النار لفتح ممرات الإغاثة المستقلة. إن تطلعات الحرائر تتجاوز ترف اللقاءات الإعلامية الموجهة، وتقتضي التحرك العاجل لبناء التوافق القومي الأسمى المتمثل في تأسيس جيش وطني واحد وموحد يضم كافة أبناء وبنات السودان بعقيدة عسكرية قومية خالصة مبرأة تماماً من التحزب السياسي والانتماء المناطقي والقبلي، ليكون الحارس الوفي لسيادة القانون والضامن الأوحد لعودة الحرائر إلى ديارهن الأصيلة ومزارعهن وقراهن الآمنة مستردات أمانهن المفقود فوق كل التضليل الإعلامي الممنهجThe post بين عناق المذيعة … ودموع حرائر الشتات appeared first on صحيفة مداميك.