انهيار الجنيه: الوجه الاقتصادي للحرب في السودان (1)

Wait 5 sec.

مهدي داود الخليفةمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم يعد الاقتصاد السوداني يعمل وفق قواعد العرض والطلب الطبيعية، بل أصبح جزءاً من آلة الحرب نفسها. فالحرب لم تعد تستهلك السلاح والجنود وحدهما، وإنما بدأت تلتهم العملة الوطنية، والإنتاج الزراعي، ومدخرات المواطنين، وقدرة الدولة على توفير الغذاء والدواء والخدمات.وأخطر مظاهر هذا الانهيار هو السقوط المتسارع للجنيه السوداني. فقد كان الدولار عند اندلاع الحرب في حدود 590 جنيهاً، بينما تجاوز في السوق الموازية، في سبتمبر 2026، حاجز 8,300 جنيه. وكنا قد حذرنا من احتمال تجاوز الدولار 10,000 أو حتى 11,000 جنيه إذا استمرت الحرب. ويبدو الآن أن ذلك التقدير لم يكن بعيداً، بل ربما كان متفائلاً أكثر مما ينبغي.هذه ليست مجرد أرقام نقدية. إنها تعني انهيار القوة الشرائية للمواطن، وارتفاع أسعار الغذاء والدواء والوقود، وتآكل الرواتب والمدخرات، وارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعي والصناعي.الفارق الكبير بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية ليس ظاهرة نقدية عابرة. إنه مؤشر على اختلال عميق في سوق النقد الأجنبي.فعندما يكون السعر الرسمي مُداراً إدارياً، بينما لا تستطيع البنوك توفير الدولار لكل من يحتاج إليه، ينتقل جزء من الطلب الحقيقي إلى السوق الموازية، حيث يحدد السعر وفق ندرة الدولار وحجم الطلب عليه.وتزداد الفجوة عندما تتراجع الثقة بالجنيه. فالمواطن الذي يتوقع مزيداً من انخفاض قيمته يسعى إلى تحويل مدخراته إلى الدولار أو الذهب أو غيرهما من الأصول التي يعتقد أنها أكثر قدرة على حفظ القيمة. وهكذا يؤدي فقدان الثقة إلى زيادة الطلب على الدولار، فتتراجع قيمة الجنيه أكثر، وتتسع الفجوة أكثر.وتزداد المشكلة عندما تتوسع الكتلة النقدية لتمويل الإنفاق في اقتصاد تتراجع فيه السلع والإنتاج والصادرات. تصبح عندها كمية أكبر من الجنيهات في مواجهة إنتاج أقل وعملة أجنبية أكثر ندرة.إنها دائرة خطرة:الحرب، ثم تراجع الإنتاج والصادرات،ثم شح الدولار، ثم ارتفاع سعره،ثم ارتفاع الأسعار،ثم فقدان الثقة بالجنيه،ثم زيادة الطلب على الدولار،ثم مزيد من انهيار العملة.وهكذا تصبح أزمة سعر الصرف مرآة لأزمة الدولة نفسها.تحتاج الحرب باستمرار إلى العملة الصعبة لشراء السلاح والوقود وقطع الغيار والنقل والإمداد. ومع تراجع الصادرات وتعطل الاقتصاد الرسمي، يصبح الدولار أكثر ندرة، فيرتفع سعره.ثم يؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة تكلفة كل شيء تقريباً، من الغذاء إلى الدواء والوقود ومدخلات الزراعة. وترتفع تكلفة الإنتاج، فينكمش الإنتاج، وتتراجع القدرة التصديرية، فتزداد ندرة النقد الأجنبي من جديد.وهكذا يتحول انهيار سعر الصرف إلى دائرة مفرغة تغذي الحرب وتغذيها الحرب في الوقت نفسه.ويأتي الذهب في قلب هذه المعادلة. فبدلاً من أن يكون مورداً وطنياً لتمويل الاقتصاد والتنمية، يمكن أن يتحول في ظل الحرب إلى جزء من اقتصاد الصراع والتهريب. وكلما خرجت الموارد بعيداً عن القنوات الرسمية، فقدت الدولة مورداً مهماً من موارد النقد الأجنبي، بينما تتوسع شبكات اقتصاد الظل.الأخطر أن انهيار الجنيه يتزامن مع أزمة زراعية وغذائية عميقة.فالحرب عطلت الزراعة في مناطق واسعة، ودفعت ملايين المزارعين إلى النزوح، ورفعت أسعار الوقود والأسمدة والبذور والنقل، وأضعفت قدرة المنتجين على الوصول إلى أسواقهم.وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأزمة باعتبارها مجرد نقص في المحصول.فقد يكون الغذاء موجوداً، لكن المواطن قد لا يستطيع شراءه.وهذا هو الخطر الحقيقي. فالانهيار النقدي يتحول إلى أزمة أمن غذائي عندما تتآكل دخول الناس أسرع من قدرتهم على مواجهة ارتفاع الأسعار.وتشير تقديرات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى أن ملايين السودانيين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار خطر المجاعة في مناطق من دارفور وكردفان.السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم على كل من يصر على استمرار الحرب هو:ماذا سيبقى من السودان إذا استمرت الحرب حتى بعد أن تنتصر إحدى البنادق؟قد يسيطر طرف على مدينة أو يحقق تقدماً عسكرياً، لكن ذلك لن يعيد قيمة الجنيه، ولن يعيد المزارع إلى أرضه، ولن يطعم النازح، ولن يعيد الأطفال إلى مدارسهم، ولن يعيد المستشفيات إلى الخدمة.كل يوم إضافي من الحرب يعني دولاراً أغلى، وغذاءً أغلى، وإنتاجاً أقل، ونزوحاً أكبر، ودولة أضعف.والأخطر أن استمرار الانهيار الاقتصادي، مع انتشار السلاح وتراجع مؤسسات العدالة واتساع الفقر والبطالة، يخلق بيئة خصبة للتهريب والنهب المسلح والجريمة واقتصاد الظل، ويجعل استعادة مؤسسات الدولة أكثر صعوبة.بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم تعد الحرب مجرد صراع سياسي وعسكري؛ فقد نشأ حولها اقتصاد له مستفيدون: شبكات الذهب والتهريب، وتجار السلاح والوقود، والمضاربون، وبعض شبكات التجارة العابرة للحدود.وهذا لا يعني أن كل من يعمل في هذه القطاعات جزء من الحرب، لكن اقتصاد الحرب بطبيعته يخلق مصالح تستفيد من استمرار الندرة والفوضى وضعف الرقابة.ولهذا فإن إنهاء الحرب لا يعني وقف إطلاق النار فقط، وإنما تفكيك البنية الاقتصادية التي تمول الحرب وتستفيد من استمرارها.السودان اليوم أمام معادلة شديدة القسوة:جنيه ينهار،إنتاج يتراجع،زراعة تحت الضغط،غذاء يزداد كلفة،ودولة تستنزف مواردها في الحرب.ولا يمكن إصلاح الاقتصاد بصورة مستدامة قبل وقف النزيف. ولا يمكن إنقاذ العملة بينما تستمر الحرب في استنزاف النقد الأجنبي. ولا يمكن إنقاذ الزراعة بينما المزارع نازح أو عاجز عن الوصول إلى أرضه. ولا يمكن منع المجاعة إذا ظلت الطرق والأسواق وممرات الإغاثة رهينة للقتال.لقد صبر الشعب السوداني طويلاً على الحرب والنزوح والجوع وانهيار العملة وفقدان المنازل والمدارس والمستشفيات. لكن للصبر حدوداً.إن الذين يقرعون طبول الحرب اليوم يجب أن يدركوا أن الحرب لم تعد تورد خصومهم وحدهم موارد التهلكة؛ إنها تورد السودان كله، والمواطنين جميعاً، موارد التهلكة.والسؤال لم يعد: من سينتصر في الحرب؟السؤال الذي يجب أن يجيب عنه الجميع هو:هل سنوقف الحرب لإنقاذ السودان، أم سنواصلها حتى يصبح إنقاذ السودان أصعب من إيقاف الحرب نفسها؟The post انهيار الجنيه: الوجه الاقتصادي للحرب في السودان (1) appeared first on صحيفة مداميك.