أ.د.عاصم التجاني شمعونكل منظمة تعرف الأزمات. قد تكون أزمة مالية، أو تقنية، أو إدارية، أو فقدان موظفين، أو انقطاع خدمة، أو تغيراً مفاجئاً في السوق. وقد تأتي الأزمة من حيث لا نتوقع. السؤال الأعمق هو: هل نبقى طوال الوقت في انتظار الأزمة حتى نديرها، أم نبني منظمة تستطيع الصمود عندما تأتي؟ هناك فرق كبير بين الأمرين. إدارة الأزمة تبدأ عندما تقع المشكلة. نبحث عن حل سريع، نحدد المسؤوليات، نعقد الاجتماعات، نتخذ القرارات، ونحاول أن نمنع الخسارة من أن تكبر. وهذا مهم، بل ضروري. لكن إدارة الأزمة تظل غالباً مرتبطة بسؤال واحد: ماذا نفعل الآن؟أما بناء القدرة على الصمود فيبدأ قبل الأزمة، وينظر إلى المستقبل بسؤال مختلف: كيف نستعد لما قد يأتي؟. وهنا تبدأ الفلسفة الحقيقية في إدارة المنظمات. المنظمة التي تعيش فقط على ردود الأفعال قد تنجح في تجاوز أزمة، ثم تعود إلى طريقة عملها القديم، حتى تأتي أزمة أخرى فتبدأ الدورة من جديد.أما المنظمة التي تتعلم من أزماتها، فإن كل أزمة تصبح درساً، وكل خطأ يصبح معرفة، وكل تجربة صعبة تصبح جزءاً من بناء أقوى. ولهذا فالمنظمات القوية ليست هي التي لا تمر بالأزمات. لا توجد منظمة محصنة من الأزمات.المنظمة القوية هي التي تستطيع أن تمر بالأزمة دون أن تفقد نفسها، وأن تتعلم منها دون أن تنكسر، وأن تخرج منها أكثر وعياً بما لديها من نقاط ضعف وقوة. الصمود هنا لا يعني أن تكون المنظمة صلبة إلى درجة الجمود. على العكس. أحياناً تكون الصلابة الزائدة سبباً في الانهيار. فالشجرة التي لا تنحني أمام الريح قد تنكسر، بينما تستطيع الشجرة التي تتحرك مع الريح أن تبقى واقفة. وهذا هو معنى المرونة التنظيمية، في أن تكون المنظمة ثابتة في مبادئها، ومرنة في وسائلها. وأن تعرف ما الذي لا يمكن التنازل عنه، وما الذي يمكن تغييره.في أن تحافظ على قيمها، لكن لا تتمسك بطريقة واحدة في العمل. وكذلك أن يكون لديها هدف واضح، لكن وسائل متعددة للوصول إليه. ففي عالم سريع التغير، لم تعد المشكلة دائماً في أن المنظمة لا تعرف ماذا تريد، بل في أنها تظن أن الطريق إلى ما تريد يجب أن يبقى كما هو. وهنا يأتي دور القيادة، ففي أوقات الاستقرار، قد تبدو القيادة سهلة. أما في أوقات الأزمة، فإن الناس لا يبحثون فقط عن الأوامر، بل يبحثون عن الثقة.الموظف يريد أن يعرف، هل تعرف القيادة ما الذي يحدث؟ هل تقول الحقيقة؟ هل تسمع الناس؟ هل تتخذ قرارات واضحة؟ وهل تقف معهم عندما تصبح الأمور صعبة؟في الأزمة، قد لا تستطيع القيادة أن تقدم كل الإجابات. لكنها تستطيع أن تفعل شيئاً مهماً جداً: أن تمنح الناس الثقة بأن هناك من يفكر، ويتحمل المسؤولية، ويتعلم، ولا يختبئ خلف الأعذار. ولهذا فإن القيادة في الأزمات لا تُقاس فقط بسرعة القرار، وإنما أيضاً بقدرتها على الحفاظ على الثقة. وقد يكون أصعب شيء على المنظمات أن تعترف بالفشل.كثير من المنظمات تحاول أن تخفي أخطاءها، وتبحث عن شخص تلقي عليه المسؤولية، ثم تغلق الملف. لكن المنظمة التي تتعامل مع الفشل بهذه الطريقة تخسر أهم شيء يمكن أن يمنحه الفشل: التعلم. فالفشل، في كثير من الأحيان، ليس نهاية الطريق. قد يكون رسالة تقول لنا إن طريقة العمل لم تعد مناسبة، وإن القرار كان ناقصاً، وإن النظام يحتاج إلى تغيير، وإن ما كنا نظنه نقطة قوة ربما تحول إلى نقطة ضعف.المشكلة ليست أن نفشل، المشكلة أن نفشل ثم نكرر الفشل نفسه دون أن نتعلم منه. لهذا تحتاج المنظمة إلى ثقافة تقول للناس: أخبرونا بما لم ينجح. تحدثوا عن الخطأ قبل أن يكبر. ناقشوا المشكلة قبل أن تتحول إلى أزمة.المنظمة التي يخاف فيها الموظفون من الاعتراف بالمشكلة قد تبدو هادئة، لكنها في الحقيقة قد تكون أكثر هشاشة. أما المنظمة التي تسمح بالتعلم من الأخطاء، فهي تبني نوعاً مختلفاً من القوة: قوة المعرفة. وهنا تظهر مفارقة مهمة. قد تنفق المنظمة وقتاً ومالاً كبيرين في محاولة منع كل أزمة، فتجد نفسها غير مستعدة عندما تأتي أزمة لم تتوقعها.لأن الحياة لا تسير دائماً وفق الخطط. قد تأتي الأزمة من مكان لم يكن في الحسابات، وقد يتغير السوق فجأة، وقد تظهر تقنية جديدة، وقد يفقد النظام أحد عناصره الأساسية.لذلك لا يكفي أن نبني نظاماً يهدف إلى منع الأزمات. الأهم أن نبني نظاماً يستطيع امتصاص الصدمة والتكيف معها والتعلم منها. فالوقاية مهمة، ولكن الصمود أهم عندما تصبح الوقاية غير كافية. وهذا يقودنا إلى تغيير بسيط في طريقة التفكير. بدلاً من أن نسأل بعد كل أزمة: من أخطأ؟ يمكن أن نسأل أيضاً: ماذا تعلمنا؟ وبدلاً من أن نسأل: كيف ننهي هذه الأزمة؟. نسأل: كيف نخرج منها بطريقة تجعل الأزمة القادمة أقل تأثيراً؟ وبدلاً من أن يكون هدف المنظمة مجرد العودة إلى ما كانت عليه قبل الأزمة، يمكن أن يكون الهدف: كيف تصبح المنظمة بعد الأزمة أفضل مما كانت عليه قبلها؟ وهنا تتحول الأزمة من كارثة فقط إلى فرصة للتغيير.ليست فرصة بمعنى أن الأزمة شيء جيد، فالأزمات قد تكون مؤلمة ومكلفة، وقد تترك خسائر حقيقية. لكن الإنسان والمنظمة يستطيعان أن يحولا التجربة الصعبة إلى معرفة جديدة، وإلى أنظمة أفضل، وإلى قيادة أكثر نضجاً، وإلى استعداد أكبر للمستقبل. في النهاية، المنظمة التي تبحث عن الأمان الكامل لن تجده.أما المنظمة التي تبني قدرتها على الصمود، فإنها لا تنتظر عالماً بلا أزمات، لأنها تعرف أن هذا العالم غير موجود أصلاً. هي تستعد لعالم متغير. تعرف أن الريح ستأتي، لكنها تبني جذورها قبل أن تأتي. لهذا ربما لم يعد السؤال الإداري الأهم: كيف ندير الأزمة؟ بل: كيف نبني مؤسسة لا تهزمها الأزمة، ولا تخرج منها كما دخلتها؟ فالمنظمة الناجحة لا تقاس بعدد الأزمات التي منعتها فقط، وإنما بقدرتها على أن تتعلم، وتتغير، وتنمو، وتبقى واقفة عندما تهب الرياح.The post هل ندير الأزمات أم نبني القدرة على الصمود؟ appeared first on صحيفة مداميك.