خمس رسائل في محراب قوى التغيير: وهم امتلاك الحقيقة (وسيكولوجية الضربة القاضية) – الرسالة الأولى

Wait 5 sec.

مجدي إسحقعندما أكتب رسالة إلى قوى التغيير في محرابها، فإنني أقصد ذلك، حيث لا أخاطب توهماً أنها تقف داخل محراب و دائرة واحدة، بل أؤمن أن قوى التغيير تتفق في دواخلها على العمل نحو سودان التعدد الذي يحترم القيم الإنسانية والكرامة، الذي توجد فيه المؤسسات، من ضمنها جيش قومي يحافظ على الدستور والوطن، ومؤسسات مدنية تستند إلى مفاهيم المواطنة والعدالة والحرية. أكتب هذه الرسالة رغم علمي أن داخل محراب قوى التغيير قد أصبحت هنالك انقسامات لا يمكن إنكارها بين من يرفع شعار لا للحرب خوفاً على حياة الوطن والمواطن ووحدة البلاد، وهناك من يدافع عن الجيش إيماناً منه بأنه يدافع عن الدولة في مواجهة الميليشيات والخطر الخارجي، وهناك من الشرفاء من انضم إلى تحالف تأسيس انطلاقاً من قناعة بأن الحركة الإسلامية ومشروعها يمثلان الخطر الأكبر في حاضر السودان ومستقبله. هذه الرسائل لا تفترض أن إحدى هذه المجموعات تمتلك الحقيقة الكاملة أو تحتكر الوطنية، ولا تزعم أن المجموعات الأخرى تفتقر إلى الشرف أو صدق الانتماء، كما أنها لا تسعى لتوزيع صكوك البراءة والإدانة، بل تحاول أن تقرأ هذه المواقف من منظور علم النفس السياسي. مبحث عن تناقض صدق النوايا وشرف الدوافع وصحة الخيارات، وبين الأهداف السامية وسلامة الوسائل، وبين ما يقصده الإنسان وما يترتب فعلياً على مواقفه. فالإنسان قد يكون وطنياً في دوافعه، وهذا ما لا شك فيه في قوى التغيير، لكنه يختار وسيلة تضر بالمشروع الذي يريد الدفاع عنه. هذا التباين ليس أزمة في حد ذاته.إنه من الطبيعي أن تكون هنالك رؤى مختلفة في قضايا التغيير والخطأ جزء من طريق التعلم.إن أزمة الاختلاف والتباين ليس في آن يقود لاختلافاً في التقديرات والمسارات فقط، بل إن النقطة الخطيرة فيه عندما يتحول تدريجياً إلى انقسام نفسي وأخلاقي. عندما يصبح الموقف ليس مرحلة قابلة للمراجعة والتطور بل يصبح قناعة مقدسة وهوية ثابتة. هنا يصبح كلٌّ فرد لا يبحث عن الحقيقة او الضعف في رؤيته بل يكون هاجسه ان يبرر و يدافع عن موقفه لأنه اصبح هوية تمثله. إن الحرب لم تقسم الوطن بين جيش ودعم سريع، بل أعادت تقسيم الوعي المدني الذي لم يكن تقسيما يقود لإثراء التنوع بل تحول هذا التباين تدريجياً إلى انقسام في الهوية. فهذا يرى نفسه حارساً للدولة، وذاك يرى نفسه حامياً لمشروع السودان الجديد، وثالث يرى نفسه صوت السلام والعقل المدني. مع تبني هذه الهويات تصلبت المواقف وأصبح النظر إلى الواقع فقط من خلال منظور الهوية. حيث لم يعد الخلاف يدور فقط حول صحة المواقف و الوسائل بل عن (أنا) ذاتي ومصداقيتي و في المقابل أصبح الاختلاف يعني التشكيك في وطنية (الآخر) وأخلاقه ومستوى وعيه وصدق انتمائه. وأصبح كل طرف ينظر إلى نفسه باعتباره الأكثر وعياً ووطنية، ويرى الآخرين أسرى للجهل والخيانة والعمالة. وهنا انتقل الخلاف من خلاف في الرؤى ومناقشة في الأفكار إلى محاكمة للنوايا، ومن نقد المواقف إلى إدانة الأشخاص، وبدلاً من البحث عن نقاط الالتقاء والمساحات المشتركة، نجد كل فريق يبحث عن نقاط الخلاف في انتظار هزيمة الآخر وتعرية أخطائه. نجد أن هذا الصراع يعكس ما يوصف في علم النفس السياسي بأنه وهم امتلاك الحقيقة، حيث تعتقد كل مجموعة بأنها وصلت إلى الوعي الكامل، وأن الآخرين لا يحتاجون إلى الحوار معهم والنظر إلى نقاط الاتفاق، بل يجب السعي إلى تعرية كل نقاط رؤيتهم وأن تتم هزيمتهم فكرياً حتى يعودوا معترفين بخطئهم. وأصبح كل منهم ينتظر تلك الضربة القاضية التي تثبت صحة موقفه. إن سايكولوجية الضربة القاضية وانتظارها هي التي تقود إلى التمترس في المواقف، وتضعف فرص العمل المشترك، وتزيد من عزلة القوى المدنية عن المساهمة في عملية التغيير. إن وهم امتلاك الحقيقة هو ركن من أركان الوعي الزائف، حيث إنه يبتعد عن الرؤية الموضوعية والوعي المنطقي.هذا الوعي الزائف هو الذي جعل بعض قوى التغيير تتصور أن التغيير يمكن أن يأتي من الخارج دون بناء قوة اجتماعية في الداخل، وهو نفس الوعي الزائف الذي يعتقد أن هزيمة الحركة الإسلامية تبرر التحالف غير المشروط مع قوة ميليشياوية، وهو أيضاً نفس الوعي الزائف الذي يخلط بين الدولة والجيش، وبين الجيش وقيادته الراهنة، ويجعل الدفاع عن الوطن مرادفاً لتفويض المؤسسة العسكرية، دون الانتباه إلى ما يقود إليه من تأثيرات سالبة على واقع المجتمع والوعي الموضوعي. إن رسائلنا تحلم أن تهز أركان الوعي الزائف وتعكس ضعفه.إن السعي إلى تفكيك الوعي الزائف لا يُعد اتهاماً جديداً نضيفه إلى قاموس التخوين، فالوعي الزائف ليس دليل فساد أو خيانة، بل هو طريق محدود وخاطئ في رؤية الواقع، يتشكل تحت تأثيرات كثيرة، منها سيادة المشاعرعلى الفكر والتي التي تقود لسيادة ما يعرف بالعقل العاطفي الذي تسيطر عليه المشاعر. أيضا نجد الوعي الزائف عندما تسود عملية التفكير المحدود الذي يتمثل في النظرة الثنائية أو النظرة الاستسلامية للواقع ونطلق عليها سيادة العقل الثنائي والعقل الاستسلامي.إن الوعي الزائف الذي ساهم في التمترس في هذه الهويات الجديدة وهذه الرؤية، يمكن أن نقول إن تأثير العقل العاطفي كان ذا تأثير واضح، حيث نجد أن المشاعر التي تتولد في ظروف الحرب قد تكون هي السائدة، والتي تطغى على شرائح المجتمع وقوى التغيير نسبةً إلى قوتها وعظمة تأثيرها. وتحت ضغط هذه المشاعر، يتأثر التفكير الموضوعي، ويتقدم العقل العاطفي ليوجه الإدراك والاختيار، حيث إن الحرب التي تفرض مشاعر الخوف والغضب والقلق والحزن والإحساس بالتهديد والعجز وفقدان الأمان، تجعل الإنسان أكثر بحثاً عن موقف يمنحه الأمان النفسي واليقين، ويكون أقل مقدرة على تحمل القسوة والتعقيد والنظرة طويلة المدى. فالخوف من انهيار الدولة وتفكك الوطن وسيطرة الميليشيات يدفع الإنسان، من دون تمحيص وتفكير، إلى ضرورة الاحتماء بالجيش، ويقود ذلك إلى الخلط بين ضرورة وجود المؤسسة العسكرية وصحة مواقف قيادتها وتحالفاتها. في الجانب الآخر، نجد أن الغضب المتراكم من جرائم الحركة الإسلامية والميليشيات واستبدادها قد يدفع إلى اعتبار أن هزيمتها هي الأولوية المطلقة، ثم يقود ذلك إلى التقليل من أخطار التحالف مع قوة ميليشياوية. نجد فريقاً ثالثاً قد حاصرته مشاعر الخوف من استمرار الكارثة، فيرفع شعارات تدعو إلى وقف الاقتتال، ويكون شعار «لا للحرب»، رغم صدقه، ضعيفاً؛ إذ إنه لا ينجح في تحويل هذا الرفض الأخلاقي إلى مشروع منظم يمتلك أدوات الحماية ووسائل الضغط والتغيير. لا تعني سيادة هذه المشاعر من غضب وخوف وحزن أنها غير مشروعة، بل بالعكس، فهي مشاعر تستند إلى تجارب حقيقية ووقائع مؤلمة يجب الاعتراف بها، لكن الخطر أن تصبح هذه المشاعر، من مجرد مصدر ينبهنا إلى الخطر، قوة تحتكر تفسير الواقع، فتجعل كل شريحة اجتماعية ترى التهديد الذي تخشاه، وتعجز عن رؤية التهديدات التي يراها الآخرون.مع استمرار الحرب واستمرار المواقف وتدفق هذه المشاعر، نجد أن هذه المشاعر تلتصق وتتصل بهوية المواقف الجديدة، فيصبح الخوف على الدولة جزءاً من هوية مساندي الجيش، والغضب من الحركة الإسلامية جزءاً من هوية المنحازين إلى تأسيس، ورفض الحرب والقلق على مستقبل الوطن جزءاً من هوية صمود. عندها لا يصبح نقد المواقف مجرد اختلاف سياسي، بل يصبح الحديث عنه كأنه نقد للهوية والكرامة والانتماء، حيث إن هذا الستار من المشاعر التي تسيطر على الواقع يقود إلى ازدياد الاندفاع لحماية المواقف وما تقدمه من تفسير نفسي، مما يجعل الاعتراف بالتناقض أو الخطأ أكثر صعوبة. إن العقل العاطفي يبحث دوماً عن تفريغ المشاعر، ولا يبحث عن الحقيقة، مما يقود إلى أن تصبح خياراته أكثر انتقائية، تتناسب مع مفهوم المشاعر السائدة، فيصبح ما يساعد في تفريغ الغضب أو يخفف الأحزان أو يجلب الأمن والسعادة هو معيار الحقيقة، وليس الحقيقة في جوهرها وتركيبتها. لذا لا نستغرب عندما نجد الانتقائية التي ترى جرائم الخصم بوضوح، وتبحث عن تفسيرات مخففة لأخطاء الحليف؛ فنصدق الأخبار التي تطمئننا إلى صحة مواقفنا، ونقاوم المعلومات التي تربك يقيننا. إن الوعي الموضوعي لا يدعو إلى إلغاء المشاعر، فالسياسة لا يمكن أن تكون مجردة من الإحساس بمعاناة الناس، وإنما يدعو إلى تحرر القرار من استحواذ المشاعر، حيث يجب أن نعترف بخوفنا، ولكن ألا نحوله إلى تفويض مفتوح، وأن نفهم غضبنا قبل أن نجعله مبرراً للتحالف غير المشروط، وأن نحول حزننا وقلقنا ورفضنا للحرب إلى تنظيم وفعل، بدلاً من أن يظل مجرد صرخة أخلاقية لا تغير موازين الواقع. إن المشكلة ليست في أن قوى التغيير تشعر بالخوف والغضب والحزن من الحرب، بل إن الأزمة عندما تصبح هذه المشاعر هي النافذة الوحيدة لرؤية الواقع.إن الانتقال إلى الوعي الفعّال لا يحدث بقمع العاطفة، بل بدمجها مع التفكير النقدي والتنظيم والعمل. فالغضب يمكن أن يصبح طاقة لمقاومة الظلم، والخوف يمكن أن يتحول إلى تخطيط لحماية المجتمع، والحزن يمكن أن يصنع تضامناً مع الضحايا، والقلق على الوطن يمكن أن يدفع إلى بناء مؤسساته. أما إذا تُركت هذه المشاعر من دون تفكيك، فإنها تتحول إلى أدوات للاستقطاب والتخوين وإعادة إنتاج الحرب داخل الكتلة المدنية نفسها.إذن المشكلة في أن قوى التغيير تشعر بالخوف والغضب والحزن؛ بل في أن كل مجموعة جعلت شعورها نافذتها الوحيدة والمسيطرة لرؤية الوطن، ثم ظنت أن ما تراه من خلالها هو الحقيقة كلها.إن الوعي الزائف لا يستند فقط إلى سيادة المشاعر، بل قد يتجلى في نمط تفكير مغلق نسميه العقل الثنائي، وهو التفكير المحدود الذي يرفض النظر إلى كل العوامل الموجودة، بل يبحث عن الحلول السهلة التي تبرر الآراء المسبقة. هذا العقل الثنائي يجعل المجتمع ينقسم بحكم منطقه المعوج إما مع الجيش أو مع الميليشيات، إما مع الجيش أو مع الدول الأجنبية التي تسعى إلى السيطرة على الموارد، إما مع التغيير بالتحالف مع المليشيات أو مع الكيزان. فلا توجد مساحة تفكير خارج الثنائية المغلقه حيث لا تستوعب رفض الملشيات ورفض الانحياز للجيش والانحياز لطريق ثالث يدعو لعدم القتال .إن هذا التقسيم المغلق، الذي لا يستوعب تعقيدات المواقف، يمنع الفهم الموضوعي الذي يسمح للإنسان المتوازن بأن يرفض ميليشيا من دون أن يمنح الجيش تفويضاً مفتوحاً، وأن يقاوم الحركة الإسلامية دون أن يتحالف مع قوة ميليشياوية، وأن يرفض الحرب دون أن يتجاهل أسئلة الحماية والعدالة وموازين القوى. إن هذا العقل الثنائي لا يستطيع احتمال تعقيدات الواقع، لذا يختزل الموقف السياسي في اختيار واحد ونهائي، ثم يختزل الإنسان في ذلك الاختيار. فبدلاً من أن يسأل الشريحة الاجتماعية أو الإنسان عن منطقه ومخاوفه، فإنه يمنحه اسماً جديداً وهوية مغلقة لا يراه إلا من خلالها، فينظر إليه إما باعتباره داعماً للجيش، أو داعماً للميليشيا، أو متخاذلاً أمام الحرب. وهكذا يتحول توصيف جزء من الموقف إلى حكم على صاحبه، ويتحول نقد هذا الموقف إلى محاكمة في الوطنية. وهنا يُفتح الباب لدوائر التخوين، حيث يعكس، في كثير من الأحيان، العجز الحقيقي عن فهم تعقيدات موقف الآخر. إن التخوين هو وسيلة نفسية لحماية يقين الجماعة من الأسئلة المقلقة، فبدلاً من أن يراجع الإنسان تناقضات موقفه، ينسب الخطأ كله إلى خيانة الآخر أو جهله أو فساده، وبذلك يحافظ على توازنه المزعوم ونقاء هويته الجديدة، لكنه في الواقع يفقد قدرته على رؤية الحقيقة خارج حدود الجماعة. هنا يصبح الواقع منقسماً، حيث ترى كل مجموعة الحقيقة من نافذة المشاعر التي تسيطر عليها، ومن جانب الرؤية الثنائية التي تدعم موقفها، فترى جزءاً من الأزمة، ثم تحول، لتمسكها به، ذلك الجزء إلى الحقيقة الكاملة. فأنصار الجيش يرون خطر انهيار الدولة وسيطرة الميليشيات، لكنهم يتجاهلون هم أنفسهم خطر اختطاف الجيش واستمرار الحكم العسكري. أنصار تأسيس يرون خطر الحركة الإسلامية والتهميش التاريخي، لكنهم يتجاهلون، بالقدر نفسه، خطر الميليشيا والقبلية العسكرية والانتهاكات واقتصاد الحرب. أما صمود، فترى كارثة استمرار الحرب وضرورة استقلال الموقف المدني، ولكنها لا ترى دائماً أن موقفها الأخلاقي، إذا لم يتحول إلى تنظيم وقوة اجتماعية، يظل عاجزاً عن تغيير الواقع. هذه هي تجليات الوعي الزائف: أن يرى كل طرف الجزء الذي يؤكد تجربته ومخاوفه، ثم يعتقد أن هذا الجزء هو الحقيقة الكاملة، وينتظر كل فريق اللحظة التي تنقشع فيها غشوته، والتي تهزم فيها رؤيته رؤية الطرف الآخر، وهو ما نسميه انتظار (سيكولوجية الضربة القاضية)، سايكولوجية انتظار الاعتراف بأنهم كانوا على الحق والآخركان على خطأ، و الضرب عليه عليه حتى الاعتراف و العودة والتوبة عن أخطائه.إن وهم البحث عن وعي الضربة القاضية يقود لدوامة من الحوارات المغلقة ورسائل النقد والتشكيك المستمرة والتي عندما لاتحقق ما تصبو اليه يحاصرنا الغضب والانزلاق في دوامة الخطاب العنيف اليومي واستنزاف الجهد بحثا عن الأدلة لكشف مغالطات الآخر ركضا وراء هذا السراب. مما يجعل قوى التغيير تدور حول نفسها تستولد الغضب ويحاصرها الإحباط.وهذا تماما ما نراه اليوم شحنات من الغضب تحملها كلمات تسمى مقالات وحوارات وهي مجرد سهام من هذا وردا من ذاك وكل فريق يريد حسم المعركة بإثبات الخيانة والعمالة والارتزاق.إن الوعي السياسي لا يكتمل بالضربة القاضية، ولا يصل إليه فريق مرة واحدة ثم يحتكره. هو عملية تطور عبر المعرفة والتجربة والنقد والممارسة، حيث إن الفعل والعمل ضرورة لاكتمال الوعي. إن العمل السياسي لا يحتاج إلى اكتمال التطابق الكامل في الرؤى، بل يحتاج إلى قدر كافٍ من الوعي الموضوعي الذي يسمح بأن يتفق الأفراد والشرائح الاجتماعية على ما يمكن إنجازه سوياً، وأن يديروا اختلافهم. إن هذا الوعي الموضوعي الكافي لا يعني أن يتخلى أي طرف عن تفسيره، ولا أن يتساوى الجميع في تقدير المسؤوليات، ولا أن تُمحى الفروق بين الممارسات. إنه يعني فقط أن يؤمن كل فرد وشريحة اجتماعية بمحدودية رؤيته، وأن يرى الخطر أيضاً من الجانب الآخر كما يراه من جانبه، وأن يميز بين شرف الدوافع وصحة الوسائل. إن الوعي الكافي، عندما يُضاف إليه الفعل، هو الخطوة نحو بناء الوعي الفعال، وهو الطريق الوحيد لاكتشاف أقرب الطرق إلى الحقيقة الكاملة أو الهدف. إن واقع اليوم يقول إن هنالك أرضية واسعة يمكن أن يتشكل منها الوعي الموضوعي الكافي، حيث إن كل الشرفاء في أركانهم الثلاثة تجمعهم مبادئ حماية المدنيين، ورفض الانتهاكات، ودعم الضحايا، وفتح الممرات الإنسانية، ومقاومة خطاب الكراهية، ورفض الإفلات من العقاب، وبناء دولة ديمقراطية، وإقامة جيش قومي واحد ومهني خاضع للسلطة المدنية، واستقلال القرار المدني عن سيطرة البنادق. هذه الأرضية لا تمثل الوعي الكامل، لكنها تمثل الوعي الموضوعي الكافي لبدء العمل، وعندما تتحول وتتم ترجمتها إلى تنسيق وتنظيم وعمل، فإنها تنتقل من مجرد وعي موضوعي حبيس في العقول، يحاصره الوعي الزائف كثيراً ويمنعه من التحرك، لتصبح جزءاً من الوعي الفعال. إن الوعي الفعال، كما يصفه علم النفس السياسي، ليس مجرد معرفة بالواقع، بل هو وعي يترجم نفسه إلى فعل، ويبني القوة القادرة على تغيير ذلك الواقع. بذلك، عندما يصبح الفعل والتنظيم جزءاً من الوعي، تزداد درجات الوعي الكافي، وتنتقل إلى مراقي الوعي الكامل بالممارسة والمراجعة واكتشاف الأخطاء. إن علم النفس السياسي يقول لا ينبغي أن ننتظر حتى يكتمل وعي الآخرين لكي نعمل معهم، فالعمل المشترك نفسه هو الطريق إلى تطوير وعينا. فمن خلال الممارسة نختبر صدق الشعارات، ونراجع الوسائل، ونكتشف حدود تصوراتنا، ونبني ثقتنا، وننتقل من التحالف مع البنادق إلى التحالف حول حياة الإنسان واستقلال الوطن. إن الوعي المنطقي هو الذي يساهم في تفكيك التناقضات واختبار الغايات والوسائل، ومن تفكيك هذه التناقضات ننتقل إلى الوعي الموضوعي الذي يساعدنا على فهم المواقف في سياقها، والاعتراف بتعدد جوانب الحقيقة، ورؤية مخاوف الآخرين كما نرى مخاوفنا، ودوافعهم كما نرى دوافعنا. إن الوعي الموضوعي لا يطالبنا بالتخلي عن اختلافنا، بل يمنعنا من تحويله إلى هويات جامدة مغلقة ترفض أن ترى رؤية الآخرين، أو اختزال المختلف معنا بوصفه فقط بالخيانة والجهل والعمالة. لكن الوعي المنطقي والموضوعي يظلان ناقصين إذا توقفا عند الفهم والتحليل، حيث يجب أن يتحولا إلى وعي فعال، وفعل يؤثر في الواقع ويخضع لعملية المراجعة والتقييم المستمر.إن هدفنا من هذه الرسائل ليست دعوة للآخرين كي يصلوا إلى وعي نزعم أننا نمتلكه من قبلهم، ولا نؤمن أن هنالك من يمتلك الوعي الكامل، بل هي دعوة لنا جميعاً، وأنا من بينهم، إلى الدخول من باب الوعي المنطقي بتفكيك تناقضات موقفنا، ثم الاقتراب من الوعي الموضوعي الذي يفهم تعقيدات الواقع، وحدود كل رؤية، وأسباب رؤية الآخر واختلافه، والأسباب الموضوعية التي قادت إلى ذلك، وصولاً إلى مستوى من الوعي الكافي الذي يجمعنا عندما نكتشف نقاط الاتفاق. هذا الوعي الكافي هو الذي يساعدنا على العمل سوياً والبحث عن الحقيقة من خلال الممارسة، واكتشاف صدق رؤية الآخر وضعف منطقنا الداخلي. هو الوعي الفعال الذي يجمعنا حول عمل مشترك يقود إلى التغيير. فالوعي الفعال لا يولد من انتصار رأي على رأي، ولا من انتظار اكتمال وعي الآخرين، وإنما ينمو حينما نبدأ العمل انطلاقاً من قدر كافٍ من الحقيقة المشتركة، ثم نسمح للممارسة بأن تختبر أفكارنا، وتصحح أخطاءنا، وتبني ثقتنا وقدرتنا على الفعل. إذن، هذه الرسائل ليست محاكمة لوعي الآخرين، بل دعوة مشتركة للعبور من تفكيك التناقضات إلى فهم الواقع، ومن فهم الواقع إلى تقدير رؤية الآخرين، والبحث عن نقاط الاتفاق التي نستطيع من خلالها تنظيم الفعل القادر على تغيير هذا الواقع، واكتشاف الطريق الأقوى نحو التغيير.أحبتي في الوطنإن هذه الرسائل تسعى إلى البحث عن الوعي الحقيقي الذي قد تم التأثير عليه بسيطرة هذا الوعي الزائف بكل أدواته، حتى نجد الطريق الذي يربط بين قوى التغيير التي قد تختلف في تفسير الحرب وترتيب الأخطار وتقييم الأطراف المسلحة، ولكن لم تتغير دوافعها في وقف معاناة السودانيين، وبناء دولة ديمقراطية تحترم التعدد والمساواة، وإقامة دولة القانون والمؤسسات، مع وجود جيش قومي خاضع للسلطة المدنية. هي رسائل نسعى إلى أن نقول فيها كيف، رغم هذا الاختلاف، نصل إلى هذه الأرضية؟ وهي حقيقة نجد أن الطريق الوحيد هو إزالة طبقات الوعي الزائف التي تمنع الوصول إلى الوعي الموضوعي الذي لا يشك فيه ولا يختلف اثنان في هذه القضايا، حيث لا عملية تخوين، ولا شك في أن الشرفاء جميعهم تحركهم مخاوف حقيقية، وإن اختلفت قراءاتهم. لكن اعترافنا بشرف الدوافع لا يعفينا من نقد المواقف، كما أن نقد المواقف لا يمنحنا الحق في الطعن في شرف صاحبها، حيث إننا ليس لدينا الحق في محاكمة وطنية الأشخاص، بل نفحص تراجع المواقف وسلامتها، وننظر أين هي الدوافع الحقيقية، ولماذا تغير مسارها في واقع الحرب، حيث إن كل هذه القوى كانت تقف في معسكر واحد في مواجهة نظام القهر والاستبداد، ولم تكن متطابقة في رؤاها، ولم تتفق على التفاصيل، لكنها استطاعت أن تتوحد حول هذه الأهداف الكبرى.هذه الرسالة الأولى ولسوف تليها ثلاث رسائل، ثم رسالة خامسة ختامية. في كل رسالة سأطرح تساؤلات على الشرفاء من ذوي مواقف التغيير المتباينة؛ من الذين يرفعون شعار «لا للحرب» تحت مظلة صمود، والذين يحلمون بسودان جديد تحت مظلة تأسيس، والذين يساندون الجيش بحثاً عن حماية جسد الدولة من الانهيار والتدخل الخارجي. ستكون رسائل تطرح تساؤلات لا تدّعي أنها تمتلك الإجابات، بل تفتح الباب لعكس بعض التناقضات والأسئلة التي قد تهز سيادة الوعي الزائف الذي يسيطر على شرائح التغيير وتفتح الباب للعقل المنطقي ليعري نقاط الضعف والتناقض. مما قد يفتح الباب أمام الوعي الموضوعي الذي قد يرى الدوافع الحقيقية والأسباب المنطقية والموضوعية التي قد تفسر سلوك ومواقف الآخرين ودوافعهم إلى تبني مثل هذه المواقف حتى وإن لم نتفق معهم. إن الوعي الموضوعي هو محاولتنا لاكتشاف الجسر الذي يربط بين قوى التغيير، ويهدم كل حملات الخيانة والتخوين التي لا نحتاج فيها إلى تثبيت مصداقيتنا برفض رؤية الآخر بل يكفي النظر إلى دوافعه وفهم حسن مقاصده وإن أختلفنا في الوسائل والتقديرات. سيتحقق ذلك برفض الثنائية الجامدة التي لا تحترم التعقيد والعوامل الأخرى التي قد تغيب عنا بسيطرة العقل الثنائي أو بسيادة المشاعر والعقل العاطفي.إن هذه الرسائل هي دعوة لأن نعيد النظر في واقعنا من منظور علم النفس السياسي التحرري، الذي لا يدّعي أنه يمتلك كل الإجابات، ولكنه يزعم أنه يساهم في إنارة الطريق إلى الأمام، وذلك بتفكيك تأثير المشاعر والعقل العاطفي في مواقفنا، وتأثير الوعي الزائف الذي يسيطر على رؤيتنا ويمنعنا من رؤية الواقع بكل تعقيداته، ويمنعنا من أن نكتسب الوعي الموضوعي الكافي الذي نستطيع به أن نكتشف نقاط الالتقاء مع قوى التغيير، ويمنعنا من أن نقع في ثنائية جامدة تسعى إلى التخوين والهجوم حتى نكتسب اليقين المزيف والراحة النفسية، ونرفض الأسئلة المقلقة التي تحاصرنا. يفتح الباب لفرصة العمل المشترك وقبول الآخر، حيث إن ذلك هو الخط الوحيد الذي يقودنا نحو دروب التغيير الحقيقية، لأن الممارسة والمراجعة وقبول الرأي الآخر تعري وتعكس ضعف رؤيتنا، وتقوي مواقفنا، وتساعدنا على تطوير الوعي الكافي لامتلاك الوعي الكامل والأقرب إلى الحقيقة والهدف الذي نحلم بتحقيقه..الأعزاءهذه الرسائل ليست دعوة إلى نسيان مواقفنا أو مواقف الآخرين،ولا إلى التنازل عن المبادئ أو القفز فوق التناقضات والجرائم والمسؤوليات.كما أنها ليست محاولة رومانسية لخلق اتفاق مصطنع وتوافق مزعوم لكن الواقع والمنطق يكشفان بالفعل عن نقاط التقاء جوهرية بين قوى التغييرفي حلم الدولة الديمقراطية، والمواطنة المتساوية، واحترام التعدد، ورفض الاستبداد، وبناء دولة المؤسسات، وإقامة جيش قومي مهني واحد خاضع للسلطة المدنية.المشكلة ليست في غياب هذه الأرضية المشتركة، بل في أن الوعي الزائف، والهويات الجديدة التي صنعتها الحربوحملات التخوين، تمنعنا من رؤيتها أو تجعل الاعتراف بها يبدو تنازلاً للآخر. ومن هنا فإن الهدف الأساسي لهذه الرسائل هو فتح الباب للعقل المنطقي بطرح تساؤلات وتعرية التناقضات التي تساهم في تفكيك الوعي الزائف الذي يضخم مساحات الاختلاف، ويحجب حقائق الالتقاء، ويدفع كل طرف إلى الاعتقاد بأن العمل المشترك لن يبدأ إلا بعد أن يتخلى الآخرون عن مواقفهم ويلتحقوا بموقفه وهم إنتظار الضربة القاضية .إنها دعوة إلى استخدام الوعي المنطقي لكشف التناقض بين غاياتنا المشتركة ومساراتنا المتعارضة، ثم الانتقال إلى الوعي الموضوعي الذي يعيد اكتشاف ما يجمعنا من دون أن ينكر ما يفرقنا. وعندما نصل إلى القدر الكافي من هذا الوعي، يصبح الحوار والعمل المشترك نتيجة منطقية، لا مجاملة سياسية ولا مصالحة عاطفية متعجلة.فالوعي الفعّال لا يطلب منا أن نتطابق، بل أن نحول نقاط الالتقاء الحقيقية إلى تنظيم وفعل وقوة تغيير، مع إبقاء الاختلافات مفتوحة للنقد والمراجعة. وهكذا لا يكون اللقاء تنازلاً عن المواقف، بل تحريراً للمشترك الذي حجبه الوعي الزائف، واستعادةً لقدرة قوى التغيير على رؤية بعضها والعمل معاً من أجل الغايات التي ما تزال، رغم انقسام المسارات، تجمع بينها.هذا هو الوعي الفعال الذي نتمنى أن تكون هذه الرسائل حروفاً نساهم به في خلق رؤيةً تساهم في عملية التغيير.هو دافعنا وأملنا ومن هنا نبدأ رسائلنا،وفي البدء كانت الكلمة، وبالوعي تتحرك خطى التغيير.The post خمس رسائل في محراب قوى التغيير: وهم امتلاك الحقيقة (وسيكولوجية الضربة القاضية) – الرسالة الأولى appeared first on صحيفة مداميك.