ما وراء الأسطورة وقفة مع رواية مارخدر لعمر الصائم

Wait 5 sec.

 أسامة عبدالحليمتعرفت إلى تجربة الشاعر والأديب السوداني الكبير عمر الصائم عبر قراءة الكثير من نتاجه الأدبي، ومنها مجموعته يابسة فوق الحنين، ورائعتة حول الجثة المفعمة بالحياة، وفضائح مثقلة الورود،… فضلًا عن المتعة الكبيرة ونداء القراءة الخفي الذي يطل على القارئ عبر رحلته في كل نص. تجربة عمر الصائم عمومًا، كما أراها، هي محاولة جادة لإعادة ترسيم حدود المخيلة السردية السودانية.في مارخدر، لا يكتفي الصائم باستدعاء التراث أو بالمغازلة المجانية للواقعية السحرية، بل يقدم مشرطًا نقديًا يشرّح به الوعي الجمعي ومآزقه.وأنا لا أرغب في أن تتجاوز هذه القراءة الاحتفاء التقليدي باللغة والأسلوب؛ فهذا حق الكاتب وميزة نصه. لكنني أريد أيضًا أن آخذ القارئ إلى أفكار ومفاتيح ربما لم يتوقف عندها بعض القراءات الأخرى.لغة الصائم في مارخدر ليست مجرد كتابة جيدة، بل هي لغة شعرية ومسرحية ومشهدية تعتمد على التكثيف والرمز البصري. السرد يتنفس بروح الشاعر الذي يعرف كيف يزن الصمت قبل الكلمة؛ فالجمل قصيرة، محملة بالإشراق الصوفي، وتحول الأماكن المتهالكة في الرواية إلى مسرح مفتوح تعزف عليه الشخصيات مأساتها، بلغة طالما هزّت خشبات المسارح داخل السودان وخارجه.غالبية القراءات التي تناولت النص وقفت عند حدود احتفاء الرواية بالتراث الصوفي والنوبي. لكن الملمح الأكثر رهافة لدى عمر الصائم هو أنه لا يتعامل مع الأسطورة بوصفها ديكورًا فلكلوريًا أو وسيلة للهروب من قسوة الحاضر، بل بوصفها بنية رمزية يستخدمها المجتمع الكادح للدفاع عن بقائه، ويمكن أن تستغلها السلطة لتدجين العقول.مارخدر هنا ليس مجرد رمز للبركة، بل هو تعرية لكيفية صناعة الخلاص الوهمي في أوقات الهشاشة.من هو الخضر، أو مارخدر، في النص؟هو تجسيد لأسطورة الخضر التراثية المزروعة في الوجدان الصوفي والشعبي، ذلك العبد الصالح الذي ارتبط في المخيال الشعبي بالعلم اللدني والحضور الممتد عبر الأزمنة. وفي الرواية يرتدي الخضر مسحة كوشية ونوبية، إذ تحمل كلمة مار معنى السيد أو المعلم، ليصبح رمزًا مركبًا للوعي والبركة والتجدد.لغة الخضر ليست تقريرية مباشرة، بل هي لغة رمزية وإشراقية وشاعرية. يتحدث بالرمز والإشارة والألغاز الشبيهة بالشطحات الصوفية، مما يترك للمجتمع والمتلقي حرية تفسير كلامه وفقًا لأهوائهم أو حاجاتهم.أما دوافعه في النص فتتصل بحفظ التوازن وتعرية الزيف. فهو لا يسعى إلى السلطة، بل يتجول في الهوامش شاهدًا على خراب الواقع، ومحركًا للمياه الراكدة في أرواح البسطاء، ومذكرًا المجتمع بكرامته المفقودة وسط القمع.في الرواية، يكفكف عمر الصائم الزمن ليديره في حركة حلزونية؛ فالماضي الكوشي والنوبي لا يقع خلفنا، بل يمشي بيننا في الشوارع. وهذا التداخل الزمني ليس مجرد لعبة أسلوبية، بل هو موقف فلسفي يعلن أن الأزمات الحالية ليست سوى ظلال مكررة لخطايا تاريخية لم تُعالج بعد.الواقعية السحرية واستحضار كوشيستحضر النص كوش التاريخية إلى الشارع المعاصر. لم يقدم الصائم كوش بوصفها آثارًا في متحف أو ملوكًا في كتب التاريخ، بل عبر عملية استحضار جغرافي ونفسي تجعل الماضي حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية.فالملامح والطقوس يلمسها القارئ في بائعة الشاي، أو الرجل الصوفي عند الضريح. هؤلاء يتحركون في شوارع أم درمان أو القرى بملامح كوشية وصبر نوبي قديم، ويمارسون التعاويذ والنداءات نفسها التي كُتبت على جدران المعابد، ولكن بلسان سوداني معاصر.وتتجسد كوش أيضًا حين يجعل السرد الانتهاكات والفقر المعاش اليوم امتدادًا لمظالم قديمة؛ فالشارع الذي يمشون فيه اليوم ليس سوى الطبقة السطحية لأرض امتصت دماء وآلام الآلاف عبر آلاف السنين، ليتصادى صوت التاريخ مع صراخ الواقع.وربما كان أسهل على النقد الاستعراضي أن يضع مارخدر سريعًا في رف الواقعية السحرية، ثم يغلق الملف مقارنًا إياها بغابرييل غارسيا ماركيز وأجواء مئة عام من العزلة. لكن هذا التسكين السريع يظلم النص.سحر عمر الصائم ليس سحرًا طائرًا في الفضاء، بل هو سحر ترابي نابع من حزن الأرض السودانية وعقيدتها المتجذرة؛ سحر يستمد توهجه من بؤس الواقع، لا من شطحات الخيال وحدها.تعدد الأصواتمن الملامح المهمة في الرواية تعدد الأصوات في التعامل مع الحدث الواحد. تستخدم الرواية تعدد الرواة لتقديم الحقيقة بوصفها وجهات نظر متعددة، لا امتياز فيها لصوت واحد.فعند وقوع واقعة محورية، مثل اختفاء أحد الأفراد، أو ظهور كرامة أو حدث غريب عند الضريح، أو وقوع قمع سلطوي، يمكن أن يتشكل الحدث في وعي الشخصيات على صور مختلفة.صوت السلطة والمركز يروي الحدث بوصفه تمردًا أو شغبًا خارجًا عن القانون يجب قمعه.أما صوت العوام والفقراء فيروي الحدث نفسه بوصفه معجزة أو علامة على اقتراب الخلاص ورفع الظلم.بينما يرى صوت المثقف أو المستنير المأزوم في الحدث انعكاسًا للهشاشة الاجتماعية واستغلال الجهل والخرافة.وهذا التعدد يترك القارئ أمام واقع متفرق ومفتوح على التأويل، دون أن تمنحه الرواية حقيقة واحدة جاهزة.فكرة انتظار المخلصهنا ربما تكمن النغزة الأشد عمقًا في النص، لأنها لا تتجه إلى السلطة وحدها، ولا إلى الأسطورة وحدها، بل تتجه إلى المتلقي والمجتمع نفسه.لقد اعتاد الخطاب السردي السوداني العربي الاحتفاء بالبطل والمخلص، لكن الصائم يضعنا أمام مرآة قاسية. فالرواية، في جوهرها، ليست تمجيدًا لظهور مارخدر بقدر ما هي هجاء خفي لسلوك الانتظار.المخلص في السرد السودانيوتتجلى براعة عمر الصائم في تفكيك مقولة المخلص بطريقة تفارق بعض المعالجات السائدة لها في الأدب السوداني.عند الطيب صالح، في شخصيتي مصطفى سعيد والزين مثلًا، يمكن أن يظهر المخلص أو البطل بوصفه قوة استثنائية تُحدث صدمة في المجتمع؛ صدمة حضارية في حالة مصطفى سعيد، وقوة صوفية عفوية في حالة الزين.وعند إبراهيم إسحاق، يغوص السرد في سوسيولوجيا الهامش، ليظهر المخلص أو البطل من داخل البيئة والمجتمع القبلي والتحولات الاجتماعية المباشرةأما عند أمير تاج السر، فنجد في بعض أعماله ميلًا إلى السخرية والتهكم من فكرة المخلص الأسطوري ومن عرّافي التاريخ.أما عند عمر الصائم في مارخدر، فالمخلص ليس شخصًا يأتي لينقذ الجماعة، بل شخصية مركبة تجمع بين رموز ودلالات متعددة، ومع ذلك تفكك وتناقش فكرة المخلص نفسها.مارخدر ليس بطلًا منقذًا بقدر ما هو مرآة لعجز الجماعة. يدمج فيه الصائم دلالة مار، السيد أو المعلم في السياق النوبي، مع الخضر الصوفي، لكنه يجعله شخصية إشراقية هائمة؛ لا تمنح حلولًا جاهزة، بقدر ما تدفع الناس إلى التحديق في خرابهم.وبذلك لا يكتفي الصائم بتقديم صورة مختلفة للمخلص، بل يقلب الفكرة من أساسها: إن انتظار المخلص قد يكون هو الداء نفسه، وإن الخلاص لا يبدأ بظهور شخص خارق، بل بقدرة الجماعة على رؤية عجزها ومواجهة واقعها.ومن هنا يصبح مارخدر أكثر من شخصية أو رمز. إنه مرآة تكشف حاجة المجتمع إلى المخلص بقدر ما تكشف حاجته إلى الخلاص من انتظار المخلص.ما وراء الأسطورةكتبت الكثير بعد الانتهاء من قراءة الرواية، لأن مارخدر نص يقول الكثير.ولو قدر لي أن أصفه بكلمات قليلة، لقلت إنه نص مشاكس، يفكك المسلمات، ويستعير الأسطورة ليهشم بها جدار الخرافة، ويصنع من التراث منصة للاستنارة لا للبكاء على الأطلال.وهنا تكمن إهمية مارخدر بالنسبة إليّأنها لا تعيدنا إلى الماضي لكي نهرب من الحاضر، بل تستدعي الماضي لكي تجعلنا نرى الحاضر بصورة أكثر وضوحًا….The post ما وراء الأسطورة وقفة مع رواية مارخدر لعمر الصائم appeared first on صحيفة مداميك.