(2 من 15) … الخرطوم قبل وبعد 30 يونيو 1989..

Wait 5 sec.

د. عصام محجوب الماحيأسرار اجتماع (الجنينة):• وزير دفاع آخِر حكومات الديمقراطية الثالثة وهيئة قيادة القوات المسلحة في حضرة الميرغني وأركان حزبه يوم الأحد 25 يونيو 1989أواصل، حلقات مسلسل:”… الخرطوم قبل وبعد 30 يونيو 1989″، التي تكشِف أسرار حوارات أجريتها ومقالات تحليلية كتبتها، خلال الفترة التي سبقت انقلاب 30 يونيو 1989 وبعده مباشرة. وكما في الحلقة الأولى أواصل في الثانية، تمهيدا للثالثة، ما لمْ يُنْشر من قبل، حول اجتماع التنوير الذي عُقِد في (الجنينة) وضمّ وزير الدفاع وهيئة القيادة العامة للقوات المسلحة من جانب، ومن الأخر السيد محمد عثمان الميرغني وثلاثة من أركان حزبه الاتحادي الديمقراطي، لأضع خلفية للقارئ حتّى يلِمّ بأطراف القراءة التحليلية ويسبِر غور التكهُنات التي لمْ تنطلِق من فراغ، وتأسّس عليها المقال التحليلي الذي كتبته وتصدّر غلاف مجلة (الأشقاء) العدد 27 يونيو 89 تحت عنوان: انقلاب للبيع…!***نزلت الدَرج من صالة المكاتب في الطابق الأوّل لا مُسْرِعاً ولا مُتمهِّلاً، وإنّما بين بين (مُتَمَسْرِعاً)، فقطعت المسافة من مكتبي إلى باب الخُروج من الصالة مُسْرِعاً، وأبطأت الخُطى مُتمهِّلاً، عندما بدأت أهبط درجات السلِّم. أنتزِع اليُمنى انتِزاعاً من دَرجٍ أعلى، لأضعها في أخر أسفل، فأجِد القَدَم الأيسر وكأنّها تسمّرت في مكانها. أرجلي تكاد تحملني، حمدت الله أنّني نازِل ولست طالِعاً.بدأ ليَّ أنّ تهيُّبي اللقاء قد وصل إلى حَدّه الأعلى، فوضعت نفسي سريعاً تحت تأثير مأثورة شعبية، افتراضاتها تكمن في الاقتناع بها: “كل شيء وصل إلى حَدّه انقلب إلى ضِدّه”. إذن، حانت لحظة التخلُّص من مشاعِر التوجُّس حتّى أقابِل المُهمّة التي طلبني إليها السيد محمد عثمان الميرغني، أو على الأقل لمعرِفة ما حدَث أو ما سيحدُث، وعلى أضعف الاحتمالات، مواجهة الحقيقة التي تختبئ خلف باب صالون الضيافة.استقبلني عند مدخل باب صالون الضيافة في الطابق الأرضي أمين عثمان الذي درجنا على مناداته (الجنرال)، ورُبّما لاحظ ارتِباكي، فاحتضن كفّ يدي اليمني بين راحتي يديه، وتلك لمْ تكُنْ عادته، وهمس في أذني مُبْتسِماً كعادته: تَدْخُل وتَجْلِس على المكتب الصغير الموجود خلف مقعد السيد.ورُبّما ليزيل التوتُّر الذي يبدو إنّني لمْ انجح في إخفائه، أردف: أنت محظوظ أنّ مولانا طلبك لحضور هذا اللقاء.. يا بختك يا عَمْ، مين زيّك.وخِلافاً لما قصد، زاد حيرتي، فتسلّل السؤال خِلسة: هل يعني أنّه لنْ يحضر اللقاء؟ لا، لا.. لا أصدِّق ذلك، فكيف يكون الميرغني بدون ظِلّه؟ الإنسان لا يفارِق ظِلّه إلّا في العَتْمة، فهل وصلنا إلى ليل بهيم ونحن في عزِّ النهار؟ … أمَا آن لهذا النهار الطويل أنْ ينجلي؟ قُلت في سِرّي وأطلقت زفرة.مع دخولي صالون الضيافة، ومِن على مسافة بعيدة، رفعت صوتي ليُسْمَع بالتحية، ونطقت بأقصر عبارة سلام على الحضور، ولمْ أصافح أيّ منهم وتوجّهت مباشرة إلى حيث وجّهني الصديق الجنرال أمين عثمان، فجلست ووجدت أمامي قلماً ودفتراً، أوراقه متوسِّطة الحجم.بدأت أتأمّل الحضور، فأضافت مفاجأة من وجدتهم في حضرة الميرغني من حالة الرُهبة التي يبدو أنّني لمْ انجح في التخلُص منها.كان السيد محمد عثمان الميرغني يجلِس في مقعده المعهود وعلى يمينه جلس السيد محمد الحسن عبد الله يسن، القيادي الاتحادي الذي كان قد استقال من عضوية مجلس رأس الدولة، وعلى يساره الأستاذ سيد احمد الحسين وزير الخارجية وبعده جلس الفريق (م) يوسف أحمد يوسف، أمّا أمين عثمان، فبعدما خرج للحظات، عاد وجلس في مكان ما يبدو أنّه يختاره اختيارا وبعناية، فقد كان الوحيد الذي يتمكّن من تغطية كل الجالسين بمُجرّد نظرة واحدة دون أنْ يحرِّك رأسه، ولعلّها خِبرة مُكتسبة في اختيار مكان جلوس يسمح له بمعرِفة ما يريده السيد حتّى دون أنْ ينطُق. فهل لهما لُغة خاصة بينهما؟ الله أعلم.في صفٍّ من مقاعِد الجلوس الوثيرة يمين مجلس الميرغني، جلس السيد مبارك عثمان رحمة وزير الدفاع وبجانبه الفريق فتحي أحمد علي القائد العام للقوات المسلحة ثم الفريق مهدي بابو نمر رئيس هيئة الأركان، وفي الصف الأيسر جلس الفريق عبد الرحمن سعيد نائب رئيس هيئة الأركان عمليات وبجانبه اللواء صلاح مصطفى مدير الاستخبارات العسكرية.خلال الوقت الذي جرى فيه تقديم مُستلزمات الضيافة من أكواب الشاي مصحوبة بكاسات من الماء البارد، توفّرت ليَّ فُرْصة استفدت منها كثيراً.رويداً رويداً عادت ليَّ الطمأنينة والثِقة في النَفْسِ، وانقشعت الرُهبة التي كانت تحيط بيَّ، بيد أنّ التوجُّس بقي في مؤخِّرة العقل مقروناً بقراءة الاحتمالات. انتبهت إلى أنّني في حضرة أصحاب كل القوّة الضارِبة في البلد. إذن، ولو إلى حين، ليس هنالك أمن وأمان أبدع من الآن، وفي هذا المكان. ومع ذلك استشعرت خطراً ما، وطفقت أسأل نفسي وأتخيّل إجابة من ذات جِنْسِ السؤال: لماذا هنا كل هذه النياشين “المُدَبّسة” على الصدور والدبابير التي تلمع فوق أكتُف عريضة والأشرطة الحمراء المُثبّتة على (البيق هات)؟ ولماذا السِرِّية المُطلقة لهذا اللقاء؟ لا بُدّ أنّه الانقلاب.. هل أصبح الميرغني إنقلابياً، وهل صِرت أنا نفسي جزءً من إنقلابيين؟ أمْ أنّ انقلاب “المُذكِّرة” حدث بالفعل ولا يمكِن اعتقال الميرغني إلّا بهذه التظاهرة العسكرية؟تفرّست في أوجه الضيوف الخمسة، وانتقلت سريعاً من وجه وزير الدفاع الذي لمْ يكشِف عن أيّة ملامِح غير مألوفة، أو هكذا ظننت، فيما أصبحت عينيّ “تزغْلِل” بين أوجه مُرافقيه الأربعة، وحمدت الله أنّهم جميعاً انشغلوا عني بالحديث، ولمْ يلحظوا حركة عينيّ التي لا ريب أنّها كانت تدعو للاشتباه. اندهشت لفكرة تفريغ الأوجه من ملامحها التي ابتكرها الفنان كاروري، فأبدع في تصميم غلاف “المُذكِّرة الصاعِقة”، كما وصفها في تحليله العميد محمود قلندر والذي نشرته (الأشقاء) في عددها يوم 7 مارس 1989.ابتسمت عندما تذكّرت كاروري وما قاله وما فعله عند رسم الغلاف. عانينا، مدير التحرير محمد محمود راجي وشخصي، أيّما معاناة لإقناعه، وانتهى الأمر بأنْ حلف بالطلاق أنْ لا يرسم السيد محمد عثمان خلف القضبان مع المهدي والترابي، وقالها ممدودة كما يقولها صاحبها: “متعووووده دايما”، في إشارة إلى الاثنين الأخيرين، مُضيفاً في ثورة لا تقبل جدلاً: “لكن السيد، عَلَي بالطلاق ما بَدَخِّلو سِجن، ولو دايرين تدخِّلوه، دخِّلوه براكُم، عِلَّ أنا والله ما بَرْسِمُو ليكم جُوَّ سِجن، انتو ماكُمْ نصيحين”، وأردف قاطِعاً: “يعني أرْسِمُو ليكُم وين؟ وأخَتُّو وين؟ عِلَّ فوق الكِسْكِتَّة.. لكن خلف القضبان (يمين) ما في ليهو محل.. أهو ده (الوِشْ) الرَسَمْتُو وعَلَيهِ الكِسْكِتَّة وشِلتَ منو العيون والخَشُم والنَخَرَة والوجنتين، ويا دوووب شَالْ الإتنين ديل الصادق والترابي، بس قولوا لَي أرْسُم ليكُم السيد وين؟ إتّو ماكُم نُصَاح؟… يا باقر .. يا باقر .. يا دكتور، تعال سوق الجماعة ديل من مكتبي وهاك الغلاف ده وخَلِّي قسم السيد يَوَدِّيهُو المطبعة”.صمتنا على مضض، ولكنّنا في أخر الأمر خسرِنا الجولة أمام هاشم كاروري بعدما ظهر وأطلّ د. الباقر أحمد عبد الله ووافق كاروري في الموقِف والرأي، فأصابتنا صاعِقة المُذكِّرة أوّل من أصابت. فهل هنالك قول بعد قول صاحب المجلة نفسها؟وددّت لو أحكي تلك الرواية على الحضور، وأقول لأربعتهم، إنّني أراهم الآن أوجه بدون ملامِح، لقد محاها كاروري، فمهلاً، وقبل أنْ تبدأوا الحديث، دعوني أعيد إليكم ملامِحكُم، لأتفرّس فيها وأسجِّل انفعالاتها.ابتدر حديث المجاملة الفريق يوسف احمد يوسف الذي كان يخاطبه الفريق فتحي أحمد علي بسعادة الفريق، فلفتا انتباهي ونظرت إليهما من زوايا مُتعدِّدة، وهمست في سِرّي: يا لروعة الزاوية القائمة، فهي في نظري (سِتّ) الزوايا الثلاثة، فما هو قائم، سيظلّ قائماً غير قابِل للانحناء، أمّا ما هو مُنفرِج، فالانفِراج نسبي تكبر مساحته وتضيق وِفقاً لعوامِلٍ كثيرة مِثله مِثل ما هو حاد، طبع أو تطبُّع، إلى أنْ يصير قائماً على السويّة التي يتَّصِف بها السلف والخلف، يوسف وفتحي.انتهى حديث المُجاملة من سلامٍ وسؤالٍ عن الصحّةِ، بمُداخلة طريفة من السيد محمد الحسن عبد الله يسن، أكملها بضحكته المُجلْجِلة المعروفة عنه، فسَرَت حالة من الحميمية على الجلسة، انتهزها السيد محمد عثمان الميرغني موجِّهاً دعوته لوزير الدفاع وقال: “تفضّل!”، مُعْلِناً الدخول في موضوع اللقاء، فاستعدل جلسته كل من طاب له الاسترخاء في مقعده الوثيرِ.بدأ الوزير مبارك عثمان رحمة حديثه بشُكر السيد محمد عثمان الميرغني على استجابته لعقدِ اللقاء، موجِّهاً تقديره للفريق يوسف أحمد يوسف للسرعة التي نظّم بها اللقاء، وسجّل للميرغني باسم القوات المسلحة التقدير الذي يستحِقّه لما قام به من اتصالات أثمرت على دعمها بالكثير من احتياجاتها في وقت عصيب، واستعرض حيثياته المعروفة بسقوط الكرمك واستعادتها.كنت قد بدأت أكتب على الدفتر الذي وجدته أمامي، وأسجل حديث وزير الدفاع على الورق، فلاحظت كما لاحظ غيري، حتّى الوزير نفسه الذي كان يتحدّث، أنّ اللواء صلاح مصطفي “مال” يميناً وبدأ يهمِس في الأذن اليُسرى للفريق عبد الرحمن سعيد، ومع ذلك لمْ يتوقّف الوزير عن حديثه، ويبدو أنّ الفريق سعيد تبادل مع اللواء صلاح مصطفى رأياً ما، فأيقنت أنّ أمراً هاماً جِدّاً أدّى باللواء، وبالاثنين معاً لاحِقاً، للخروج عن المعهود في مِثل هكذا حالة. فهل كانت النتيجة أنْ أكمل الوزير حديثه سريعا أو اختصره؟ وماذا كان سيقول، إضافة إلى ما قال؟ ولماذا بعد أنْ أوضح للميرغني أنّ طلب اللقاء به ومعه هيئة القيادة مُرْتَبِط بمحاولة الانقلاب الأخيرة التي تَمّ اكتشافها، لَمْ يتحدّث عنها من جوانبها السياسية، وترك الأمر لمَن رافقوه، فتحدّثوا عن كل شيء إلّا، بالطبع، عن العوامِل السياسية؟ ومع أنّ وضعهم كان مفهوماً، على الأقل بالنسبة للفريق يوسف، بات واضِحاً أنّ إبعاد أو تجاهُل تلك العوامِل، أثار أكثر من علامة، بدأت بالتعجب وانتهت بالاستفهام.….. ذلك وغيره من حديثِ القادة الكبار في القوات المسلحة، إضافة لما قاله سيد أحمد الحسين وقبله محمد الحسن عبد الله يسن، سيكون في الحلقات القادِمة. انتظروني…                         The post (2 من 15) … الخرطوم قبل وبعد 30 يونيو 1989.. appeared first on صحيفة مداميك.