م. خيري عبدالرحمن أحمدمواصلة لتتبعها اللصيق للتقدم الذي يتم دوليا نحو تحقيق الهدف السابع (SDG7) من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (Sustainable Development Goals) ، أصدرت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) وشركائها الدوليين تقريرها الدوري في 24 يونيو 2026. ويأتي في توقيت بالغ الأهمية، حيث أصبحت الطاقة اليوم محوراً رئيسياً للأمن الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي وبذلك أحد محاور التنافسية الدولية، ولم تعد مجرد قطاع خدمي أو بنية تحتية تقليدية يقتصر تقديمها على الحكومات.فالتحولات التي يشهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من أزمات في أسواق الطاقة وخاصة في طرق ووسائل إمدادها، دفعت حكومات الدول المنتجة وكذلك المستهلكة وتبعتها المؤسسات المالية الدولية إلى إعادة ترتيب أولوياتها. وتابعنا بكل حرص الخطوات التي تمت من دول كبرى لإعادة تموضعها وخروج بعضها من تحالفاتها، وتعديلات استراتيجية في نوع وكميات تخزينها وغير ذلك من الترتيبات الهامة.ونجد أن وضعية الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والكهربة الريفية تتحول من موقع الأولوية (والذي كان فيه تميزا كبيرا) الى أن تصبح في مقدمة أدوات تحقيق التنمية المستدامة.ويشير التقرير إلى أن 655 مليون شخص حول العالم ما زالوا يفتقرون إلى الكهرباء، بينما يعتمد نحو ملياري شخص على وقود وتقنيات ملوثة للطهي، الأمر الذي يهدد صحتهم ويقوض فرص التنمية.وبالرغم من الجهود الكبيرة، والتي سأتطرق لها في هذا المقال، تظل أفريقيا جنوب الصحراء الأكثر معاناة، حيث يعيش أكثر من 560 مليون شخص بلا كهرباء، بينما يفتقر نحو 970 مليون شخص إلى وسائل الطهي النظيف.ورغم ذلك، يرصد التقرير تقدماً عالمياً ملحوظاً، إذ أصبحت الطاقة المتجددة توفر أكثر من 30% من الكهرباء المنتجة عالمياً، وبلغ متوسط القدرة المركبة للطاقة المتجددة 544 واطاً للفرد، في حين لا يتجاوز هذا الرقم 33.6 واطاً للفرد في الدول منخفضة الدخل، كاشفا الفجوة الكبيرة في فرص التنمية بين الدول.أما على صعيد التمويل، فقد بلغ حجم التمويل الدولي الموجه للطاقة النظيفة في الدول النامية 24.6 مليار دولار خلال عام 2024، بينما حصلت الدول الأقل نمواً على 3.7 مليار دولار فقط، وكان نحو 80% من هذا التمويل في صورة قروض.هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تعكس بوضوح اتجاهات الاستثمار العالمي خلال العقد القادم.وبالنسبة للسودان، الذي يجب أن يكون مستعداً يوماً ما لمرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب، فإن هذا التقرير لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تقريراً دولياً عادياً، بل باعتباره خريطة طريق توضح أين يتجه العالم، وأين تكمن الفرص التي قد تضيع إذا استمر الصراع.فالتقرير يقدم دعماً عملياً لفكرة أن الطاقة يمكن أن تكون المدخل الأسرع لإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فالمؤسسات الدولية أصبحت تمنح أولوية واضحة للاستثمار في الطاقة بما في ذلك الطاقة اللامركزية، والشبكات المصغرة، وكهربة الريف، وربط الطاقة بالإنتاج الزراعي، وأنظمة الضخ الشمسي للمياه، وتقنيات الطهي النظيف، وهي جميعها مجالات يمتلك السودان فيها مزايا طبيعية استثنائية.ولعل التجارب الأفريقية خلال السنوات الخمس الأخيرة تؤكد أن التحول في قطاع الطاقة ليس حلماً بعيد المنال، بل خياراً يمكن تحقيقه عندما تتوافر الرؤية السياسية والمؤسسات القادرة على التنفيذ. فقد شهدت أفريقيا تحولاً متسارعاً في قطاع الطاقة الشمسية، مدفوعاً بتزايد الاستثمارات، وانخفاض تكاليف التقنيات، وارتفاع الطلب على الكهرباء. ووفقاً لبيانات عام 2025، ارتفعت السعة التراكمية للطاقة الشمسية في القارة من 18.37 غيغاواط إلى 22.18 غيغاواط خلال عام واحد فقط، أي بزيادة تقارب 3.8 غيغاواط وبمعدل نمو بلغ نحو 21%. كما ارتفعت السعة المجموعة لأكبر عشر دول أفريقية في هذا القطاع من 15.46 غيغاواط في عام 2024 إلى 18.93 غيغاواط في عام 2025، بنسبة نمو بلغت 22%. وتواصل جنوب أفريقيا تصدرها للقارة بسعة 11.26 غيغاواط، تليها مصر بـ3.27 غيغاواط بعد أن أضافت 720 ميغاواط في عام واحد، ثم المغرب الذي تجاوز لأول مرة حاجز 1 غيغاواط ليصل إلى 1.09 غيغاواط. وتعكس هذه المؤشرات أن الطاقة الشمسية أصبحت من أسرع مصادر الطاقة نمواً في أفريقيا، وأن القارة دخلت مرحلة جديدة من التحول نحو الاعتماد على الموارد المتجددة لتعزيز أمن الطاقة ودعم التنمية الاقتصادية.ففي رواندا ارتفعت نسبة الحصول على الكهرباء إلى 84.6% بحلول عام 2025، منها 59.6% عبر الشبكة القومية و25% عبر الأنظمة الشمسية اللامركزية خارج الشبكة، لتصبح واحدة من أسرع الدول الأفريقية نمواً في كهربة المناطق الريفية.أما المغرب فقد تحول إلى أحد أكبر منتجي الطاقة المتجددة في أفريقيا، ويستهدف رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 52% من القدرة الكهربائية المركبة، مستفيداً من استثمارات ضخمة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إضافة إلى إطلاق مشروعات للهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي مع أوروبا.وفي زامبيا، دفعت آثار الجفاف الحكومة إلى تسريع الاستثمار في الطاقة الشمسية، فدخلت محطة تشيسامبا بقدرة 100 ميغاواط الخدمة، مع خطة لإضافة 500 ميغاواط جديدة خلال السنوات القليلة المقبلة، بهدف تنويع مصادر الكهرباء وتقليل الاعتماد على الطاقة الكهرومائية.أما نيجيريا فقد ركزت على الكهرباء اللامركزية، حيث أسهم إنشاء أكثر من 170 شبكة كهربائية مصغرة وتركيب نحو 1.2 مليون نظام شمسي منزلي في إيصال الكهرباء إلى ما يقارب 6 ملايين مواطن، كما أطلقت برنامجاً جديداً بقيمة 200 مليون دولار لإنشاء 400 شبكة مصغرة إضافية.إن القاسم المشترك بين هذه التجارب لا يتمثل في امتلاك موارد طبيعية استثنائية، بل في وجود سياسات واضحة، ومؤسسات محلية فاعلة، وهذا ما يشجع تأسيس شراكات ناجحة مع المؤسسات المالية الدولية تخدم المصلحة العليا لتلك الدول.وتجربتنا تدل على ذلك، ففي السنوات التي سبقت اندلاع الحرب، كان السودان قد بدأ بالفعل استعادة علاقاته مع المؤسسات المالية الدولية مستفيدا من زخم الثورة والتغيير. وبدأ بالفعل في تسوية متأخراته وأصبح مؤهلاً للاستفادة من موارد المؤسسة الدولية للتنمية (IDA)، وصناديق المناخ، وبرامج الطاقة النظيفة، ومبادرات الكهربة الريفية، وغيرها من برامج إعادة الإعمار.لكن الحرب أوقفت هذا المسار بالكامل، وجمدت معظم برامج التمويل، وأبعدت السودان عن واحدة من أكبر موجات الاستثمار الدولي في مجالات الطاقة وبالأخص الطاقات النظيفة.وخسائر الحرب هنا لا تقتصر على تدمير محطات الكهرباء أو خطوط النقل، بل تمتد إلى فقدان فرص تاريخية للاستفادة من مليارات الدولارات التي تخصصها المؤسسات الدولية اليوم لتمويل التحول في قطاع الطاقة.كما يقدم التقرير دعماً عملياً لفكرة “الطاقة المتوازنة”، التي تقوم على اللامركزية في إنتاج الكهرباء وربط الطاقة بالتنمية الاقتصادية. فالوكالة الدولية للطاقة المتجددة تؤكد أن الأنظمة الشمسية خارج الشبكة والشبكات المصغرة هي الأسرع والأقل تكلفة لتوفير الكهرباء للمناطق الريفية، وهو ما يتوافق مع احتياجات السودان وتوزيعه الجغرافي الواسع.كما أن كل ميغاواط جديد يمكن أن يتحول مباشرة إلى مياه ري إضافية، وإنتاج زراعي أكبر، وفرص عمل جديدة، وزيادة في الصادرات، بما يجعل الاستثمار في الطاقة استثماراً في الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني معاً.ويضيف التقرير بعداً مهماً آخر يتمثل في أمن الطاقة، حيث يؤكد أن الدول التي تمتلك قدرات طاقات متجددة محلية أصبحت أكثر قدرة على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية مثل أزمات الوقود، وهو درس ينبغي أن يستفيد منه السودان بعد التجارب القاسية التي مر بها خلال السنوات الأخيرة.إن تقرير متابعة تنفيذ SDG7 لعام 2026 يوجه رسالة واضحة مفادها أن العالم يتجه بسرعة نحو اقتصاد يعتمد على الطاقة ويركز على الطاقات المتجددة، وأن التمويل الدولي يتدفق إلى الدول التي تمتلك الرؤية والإرادة والاستقرار. وما زالت أمام السودان فرصة للحاق بهذه الموجة، لكنها ليست فرصة مفتوحة إلى الأبد، فهذا النمو المتسارع يمثل فرصة استراتيجية قد لا تتكرر. فالسودان يمتلك واحداً من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، إذ تتراوح في معظم مناطقه بين 5.5 و7.0 كيلوواط ساعة لكل متر مربع يومياً، إلى جانب مساحات شاسعة صالحة لإقامة المحطات الشمسية، وموارد طبيعية تؤهله ليكون مركزاً إقليمياً لإنتاج الطاقة النظيفة.وإذا نجح السودان في استعادة السلام والاستقرار وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار، فبإمكانه الاستفادة من التدفقات التمويلية الدولية المتزايدة نحو مشروعات الطاقة المتجددة، وأن يتحول خلال العقد المقبل إلى أحد أبرز أسواق الطاقة الشمسية في أفريقيا، بما يدعم إعادة إعمار قطاع الكهرباء، ويؤمّن الطاقة للمشروعات الزراعية والصناعية والتعدينية، ويفتح آفاقاً للربط الكهربائي وتصدير الكهرباء إلى دول الجوار. أما استمرار الحرب، فلن يقتصر أثره على تدمير البنية التحتية، بل سيحرم السودان من اللحاق بموجة النمو الأفريقية في الطاقة النظيفة، بينما تتجه الاستثمارات الدولية بصورة متزايدة نحو الدول التي تنعم بالاستقرار وتوفر بيئة مواتية للتنمية المستدامة.الرسالة الأهم التي يحملها التقرير:العالم لا ينتظر الدول التي تستنزفها الحروب.The post العالم يضاعف تمويل الطاقة… والحرب السودانية تواصل تمويل خرابه: قراءة في أحدث تقرير IRENA لتتبع تنفيذSDG7 لعام 2026 appeared first on صحيفة مداميك.