عاطف عبداللهبصفتي أحد المشاركين في اجتماع القوى والفعاليات السودانية المناهضة للحرب وغير المصطفة مع أيٍّ من طرفيها، والذي انعقد في أديس أبابا في أغسطس 2026، أود التعبير عن رفضي وتحفّظي الشديدين على ما ورد في بيان جامعة الدول العربية بشأن مبادرة الحوار السوداني، مع تقديري لدور الجامعة وحرصي على أن تضطلع بدور إيجابي في إنهاء الحرب وتحقيق السلام في السودان.وأرى أن موقف الجامعة جاء متسرعاً في توقيته، وقفز على جوهر الأزمة السودانية وأولوياتها الراهنة. فالسودان يعيش حرباً مدمرة، وما زال المدنيون يدفعون الثمن الأكبر، فيما تتواصل عمليات النزوح والقتل والدمار والانهيار الاقتصادي والاجتماعي. وفي مثل هذا الوضع، فإن الأولوية التي ينبغي أن تتقدم على كل ما عداها هي وقف الحرب والعدائيات، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتهيئة المناخ الضروري لعملية سياسية حقيقية.إننا لا نرفض الحوار، بل نتمسك به باعتباره أحد مداخل إنهاء الأزمة، لكننا نرفض ترتيب الأولويات الذي يجعل الحوار السياسي نقطة البداية، بينما تستمر الحرب. فالحوار الذي لا يقود أولاً إلى وقف نزيف الدماء وإيجاد بيئة آمنة ومستقرة، لن يكون قادراً على معالجة الأزمة، وقد يتحول إلى مسار سياسي منفصل عن الواقع.وهذا الموقف يتسق مع ما خلصت إليه القوى السودانية المناهضة للحرب وغير المصطفة في اجتماع أديس أبابا، ومع الرؤية التي عبّرت عنها وثيقة “عملية السلام التي نريد”، والتي تؤكد أن السلام المستدام لا يمكن أن يقوم على ترتيبات فوقية أو على حوار تفرض شروطه إحدى القوى المتحاربة، وإنما على وقف الحرب، وتوسيع الجبهة المدنية المناهضة لها، وإطلاق عملية سياسية سودانية شاملة، تضع مستقبل الدولة والحكم المدني والديمقراطي والعدالة في صدارة أجندتها.ومن هذا المنطلق، فإنني أتحفظ كذلك على أي دعوة إلى ما يسمى “الحوار السوداني-السوداني” إذا جرى تنظيمه تحت سلطة طرف واحد أو في ظل ميزان قوة عسكري مختل. فقد سبق أن عبّرت وثيقة “عملية السلام التي نريد” بوضوح عن رفضها لمثل هذا المسار، باعتباره “حواراً تضليلياً” يمكن أن يرسخ انقسام البلاد ويضفي شرعية سياسية على الحكم العسكري، بدلاً من أن يقود إلى سلام حقيقي.إن المطلوب من جامعة الدول العربية، وغيرها من الأطراف الإقليمية والدولية، ليس الانحياز إلى مبادرة سياسية بعينها، وإنما توحيد الجهود باتجاه الهدف الأكثر إلحاحاً: إنهاء الحرب، ثم مساعدة السودانيين على بناء مسار سياسي مستقل وشامل، لا يستبعد أحداً من القوى المدنية والمجتمعية المناهضة للحرب، ولا يسمح في الوقت ذاته بإعادة إنتاج النظام العسكري أو شرعنة الأمر الواقع الذي أفرزته الحرب.إن اختلافنا مع بيان الجامعة ليس اختلافاً حول مبدأ الحوار، وإنما حول توقيته وشروطه وترتيب أولوياته. فالسلام الذي نريده يبدأ بوقف الحرب، ويستند إلى إرادة السودانيين، وينتهي ببناء دولة مدنية ديمقراطية تتسع لجميع مواطنيها.The post بيان حول موقف جامعة الدول العربية من مبادرة الحوار السوداني appeared first on صحيفة مداميك.