تحقيق/اخلاص نمر ..** تمثل الماء الشريان الحيوي الذي تأسست عليه الحضارات القديمة،فلقد كانت المجتمعات البشرية،تتخذ من ضفاف الأنهار المصدر في تأمين مياه الشرب والزراعة والاستقرار ونقل البضائع،إذ هيأت هذه المياه بداية المجتمعات، ،بدءا من نهر النيل ،ونهري دجلة والفرات ،وشهدت هذه الضفاف أقدم الحضارات، بجانب نهر الجانج في الهند ،والنهر الأصفر في الصين ،وحضارات إفريقيا على نهر الكونغو وغيرها.https://www.medameek.com/wp-content/uploads/2026/09/WhatsApp-Video-2026-09-05-at-3.37.38-PM.mp4Prof. Yasir Abbas,Former Minster of Irrigation, Sudan.Sennar, 08 July 2026** حضارات ومجتمعات…ويقدم لنا البروفسور صلاح محمد احمد بوصفه خبيرا في الآثار ،مثالا على هذه الحضارات التي ارتبط فيها الوجود البشري وقيام الحضارات والممالك القديمة في جميع أنحاء العالم بمصادر المياه ومجاري الأنهار، قائلا ( فقبل حوالي خمسة آلاف سنة كان المناخ رطبا / ممطرا ، في معظم المناطق الجافة وحتي القاحلة اليوم في أفريقيا والشرق الأوسط وأجزاء من آسيا وكثير من المناطق،وهنالك أودية جافة اليوم كانت في السابق مجاري مياه دائمة أو موسمية كما كان الحال في وادي هوار (النهر الأصفر) ،والذي كان يأتي من شرق تشاد ودارفور ويصب في النيل بالقرب من مدينة الدبة، وقد تم العثور على مئات المواقع من السكن البشري على جانبي الوادي في كل من دارفور والولاية الشمالية. كانت هذه الفترة تعرف بالعصور الحجرية التي سبقت في بداياتها إكتشاف الزراعة، واستئناس الحيوان ، حيث أتاح الغطاء النباتي اقتصادا يعتمد على جمع الثمار، وصيد الحيوانات البرية والأسماك. وقبل حوالي عشرة آلاف سنة تم إستئناس الحيوان، وإكتشاف الزراعة، في أوقات متفاوتة في شتي مناطق العالم القديم.)ويفصل محمد احمد ذلك أنه ومنذ الألف الخامس قبل الميلاد، بدأ المناخ في الجفاف التدريجي، ما دفع السكان إلي الرحيل من المناطق المتفرقة للاستقرار حول أودية الأنهار، وقد أدي هذا التطور الأخير مع إستئناس الحيوان وإكتشاف الزراعة إلي قيام التجمعات السكنية وظهور الزعامات الأسرية أو القبلية والدويلات.ومن ثم الممالك والإمبراطوريات.ويبين صلاح موضحا أن أعظم الحضارات القديمة إزدهرت علي شواطئ الأنهار. ففي دراسات جيومورفولوجية في منطقة شرق دنقلا، إتضح أن النيل كان يغير مجراه من الشرق للغرب، وكان هذا متوافقا مع مواقع السكن البشري علي مدي الحقب القديمة. ويزيد قائلا( ففي وادي النيل إزدهرت الحضارة الفرعونية المصرية وممالكها الثلاثة: القديمة والوسطي والحديثة في الفترة من الألف الرابع إلى نهاية الألف الثاني قبل الميلاد، حيث تم ضم الجزء الشمالي من السودان، في فترة المملكة المصرية الحديثة لللإمبراطورية الفرعونية،. وإلى الجنوب قامت في “كوش” في نفس الفترة مملكة / حضارة كرمة، والتي امتد نفوذها في فترة ازدهارها، من الشلال الخامس حتى أواسط مصر على نهر النيل، وفي وقت لاحق قامت المملكة الكوشية الثانية – نبتة ومروي (القرن الثامن قبل الميلاد-القرن الرابع الميلادي) والتي إمتد حكمها من وسط السودان إلي الدلتا المصرية).**ممالك …ويشير صلاح الى أنه من الشرق قليلا احتضن وادي الرافدين (النهرين) عدة ممالك / حضارات متتالية منها -الحضارة السومرية (٣٥٠٠ قبل الميلاد).الحضارة الأكدية ( ٢٧٠٠ قبل الميلاد).والحضارة الآشورية (٦٠٠ قبل الميلاد).وفي نفس هذه الفترة كانت حضارات مصر الفرعونية والسودان ،ووادي الرافدين، وازدهرت حضارة وادي السند (٣٣٠٠-١٣٠٠قبل الميلاد) وامتد نفوذها من باكستان عبر شمال الهند، وأجزاء من أفغانستان.وهكذا لعبت الأنهار دورا ليس في توفير مياه الشرب والتربة الخصبة والزراعة ،بل صنعت الأدوار الثقافية وأوضحت تبجيل المجتمعات للمياه،واليوم لا تزال المدن الكبرى في العالم تتمركز حول الأنهار والبحيرات والسواحل لأن الماء كان وسيبقى أساس التنمية والاستقرار.**عبر التاريخ …ونشرت اليونسكو نيابةً عن لجنة الأمم المتحدة المعنية بالموارد المائية (UN-Water)، في مارس 2021، تقريرا تحت عنوان تقدير قيمة المياه ،(Valuing Water )، يشرح أن الماء أساس الحياة والمجتمعات والاقتصادات ،وان تطور المجتمعات البشرية ،عبر التاريخ ارتبط ارتباطا وثيقا ،بتوفر المياه وإدارتها الكبرى وربط التقرير بين حياة الإنسان والماء ارتباطاً وثيقاً، مشيراً إلى أن قيمة المياه تتشكل أيضاً من علاقتها بالمجتمعات والثقافات والتاريخ.و أوردت في ذات الاتجاه مجلة التراث العالمي -اليونسكو- تحت عنوان( Living with Water)أن المياه أساس أقدم الحضارات .أما في الثاني والعشرين من مارس من العام 2024 تم إطلاق تقرير الأمم المتحدة العالمي لتنمية الموارد المائية بعنوان «المياه من أجل الازدهار والسلام»، Water for Prosperity and Peace)مؤكداً أن المياه، عندما تُدار بصورة مستدامة ومنصفة، تشكل أساساً للازدهار والسلام، وتدعم الصحة وسبل العيش والتنمية الاقتصادية والأمن الغذائي والطاقة، كما يبرز التقرير العلاقة الوثيقة بين الإدارة الجيدة للمياه وتحقيق النمو والازدهار واستقرار المجتمعات. ** لم تعد كذلك..لكن صورة الماء اليوم لم تعد تشبه تلك التي عرفتها الحضارات القديمة، فالمورد الذي قامت على ضفافه المدن، وازدهرت بفضله الزراعة واستقرت المجتمعات،أصبح يواجه ضغوطاً متزايدة تهدد استدامته؛ من تغير المناخ وتراجع الأمطار واستنزاف المياه الجوفية، إلى التلوث والنمو السكاني والتوسع الزراعي والصناعي،ولم يعد السؤال هو: كيف أسهم الماء في بناء الحضارات؟ بل: هل استطاع العالم إدارةالمياه ؟؟ ** مفارقة مهمة…يفند ذلك الدكتور خالد حسب الله خبير المياه قائلا ( تشكل المياه حوالي 70%من إجمالي مساحة الكرة الأرضية ،لكن أقل من 1% فقط من إجمالي مياه العالم ،متاح للاستخدام المباشر من قبل الإنسان، هذه الحقيقة تكشف لنا مفارقة مهمة، فالعالم لا يعاني من نقص المياه بقدر ما يعاني من سوء إدارتها). موضحا أن القرن الإفريقي ،هو منطقة الوفرة الموسمية، لكنه يمثل العطش الدائم، فرغم امتلاك المنطقة أنهاراً وبحيرات ومياهاً جوفية وأمطاراً موسمية، فإن المشكلة الأساسية ليست قلة المياه، وإنما عدم انتظامها مكانياً وزمانياً، وضعف القدرة على تخزينها وإدارتها والاستفادة منها. وزاد (فهو أحد أكثر أقاليم العالم تعرضاً للتقلبات المناخية، فالمنطقة تتعرض بصورة متكررة لموجات جفاف طويلة تعقبها فيضانات مدمرة، ما يؤثر بصورة مباشرة على الزراعة والثروة الحيوانية والأمن الغذائي وسبل المعيشة.).ويبين حسب الله ،أن السودان يجسد أكثر من غيره مفارقة المياه في إفريقيا،معددا أنه يتمتع (ب 18.5) مليار متر مكعب من مياه نهر النيل وروافده سنويا،.بجانب هطول الأمطار الموسمية المتفاوتة،.وخزانات جوفية ضخمة.،وأراضي زراعية واسعة،.و مشاريع ري تعد من أكبر المشروعات في إفريقيا.،وتنوعاً بيئياً ومناخياً كبيراً،ورغم ذلك، لا يزال كثير من السكان في السودان ،يعانون من صعوبة الحصول على مياه الشرب الآمنة، بينما تواجه الزراعة والمياه بصورة عامة تحديات تتعلق بتكرار الجفاف والفيضانات، وتدهور البنية التحتية، وضعف نظم إدارة المياه. ويضيف قائلا(هذا يؤكد أن امتلاك الموارد وحده لا يكفي، بل إن التنمية الحقيقية تبدأ عندما تتحول هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية واجتماعية وبيئية مستدامة).**فجوة..إن المياه ليست مجرد مورد طبيعي، وإنما قضية تتقاطع مع الأمن الغذائي والصحة والاقتصاد والاستقرار، فيما تتسع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة ومصادر المياه المتاحة.ولم تعد هذه الفجوة نتاج عامل واحد، بل نتيجة تداخل مجموعة من العوامل على رأسهايبرز تغير المناخ كعامل يضاعف أزمة المياه، إذ يؤدي ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار وتكرار موجات الجفاف إلى التأثير في مصادر المياه وتوافرها، بينما يزيد ارتفاع الحرارة من معدلات التبخر والطلب على المياه، خصوصاً في قطاع الزراعة.إدارة طوارىء..وما أحدثه تغير المناخ ،ليس فقط تقليص كمية المياه ،بل تحويل إدارة الموارد المائية من عملية تنموية تهدف لتحقيق الرفاه والازدهار ،إلى إدارة طوارىء ،هدفها الأساسي هو الحد من الخسائر ،وضمان الحد الأدنى من الأمن المائي والغذائي.** تجفيف…ويشير الدكتور أحمد حسن خبير البيئة وتغير المناخ – وزارة الزراعة والري في السودان ،إلى أن تغيّر المناخ يعمل على تجفيف موارد المياه ،ويزعزع استقرارها، فارتفاع درجات الحرارة وتذبذب الأمطار وتراجعها وتعاقب موجات الجفاف والفيضانات يقلّل تدفقات النيل، ويملأ الخزانات بالطمي، ويُقلّص الأراضي الزراعية.**صراع..الماء الذي كان سببا في نشوء الحضارات القديمة ،أصبح اليوم العصب الرئيس الذي تتصارع فيه المجتمعات الحديثة لضمان بقائها،فمع سوء الحوكمة والإدارة وتغير المناخ ،وزيادة السكان والتلوث ،والإفراط في استهلاك المياه ،واستنزاف المياه الجوفية ،والحروب والنزاعات ،وتدهور الأراضي وإزالة الغابات ،وغياب التعاون الدولي ،وعدم تبني ممارسات ترشيد المياه ،تحولت الوديان والأنهار من مصدر دائم للوفرة إلى ساحة مفتوحة لإدارة الأزمات ومواجهة خطر شح المياه.**مفتعلة…وهنا يصف البروفسور عمر محمد علي استاذ العلاقات الدولية بجامعة الخرطوم ،واختصاصي موارد مياه دولية، قضية صراع المياه بأنها اقوال مفتعلة فقط ،موضحا أنه ليست هناك أي ضرورة للصراع والحرب حول المياه،مشيرا إلى أن المياه العذبة في العالم هي أقل من 5% ،مقارنة بالمياه الموجودة في المحيطات والبحار العالمية، لذلك تنشأ النزاعات لأن بعض الدول بها مياه عذبة وأخرى تفتقد لها ،منوها إلى أن كل مشكلات المياه ،يمكن معالجتها واحتواء النزاع والخلافات حولها عن طريق تفعيل الاتفاقيات.ويتفق معه دكتور أحمد حسن قائلا (رغم شيوع مصطلح “حروب المياه”، تؤكد الخبرة العلمية والتاريخية أن الحروب الشاملة بين الدول بسبب المياه، نادرة وأن التعاون حول الأنهار المشتركة أكثر تكراراً من النزاع ). بيد أن بروف عمريوضح إجابة السؤال (لماذا يهتم الناس بالمياه ؟) قائلا (لأن هنالك زيادة سكانية كبيرة ،لذلك زاد استهلاك الماء،خاصة في الري والملاحة والثروة السمكية.)ففي العام 2050 سيقارب عدد سكان الكوكب 10مليار نسمة ،ومع الزيادة السكانية تزداد الحاجه للمياه.**مضاعف للتهديد …وعاد حسن ليقول عن المياه اليوم بأنها “عامل مضاعِف للتهديد” يُشعل النزاعات المحلية داخل الدول، خاصة في أفريقيا، حيث تتشابك الندرة مع النزوح والصراعات في الساحل والقرن الأفريقي والسودان. ويشرح مبينا أن نحو 4 مليارات شخص يواجهون شحّاً حاداً سنوياً، و25 دولة تضم رُبع البشرية تعيش إجهاداً مائياً بالغاً، وتتعرّض منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لأعلى نسبة عالمياً 83% اليوم، ويُتوقّع 100% بحلول 2050 ، ويأتي النمو السكاني — نحو 9.7 مليار نسمة عالمياً بحلول 2050 مع تضاعف سكان أفريقيا — ليضاعف الطلب ويضع مليار إنسان إضافي تحت إجهاد مائي بالغ، ويهدّد الأمن الغذائي ،ويختم ( ليست حرباً كلاسيكية بل نزاعات محلية، وعابرة للحدود تحرّكها المياه).** اطار موضوعي ..وتؤكد الخبيرة القانونية في مجال القانون الدولي للمياه عزة كمال أن القانون الدولي للمياه له أهمية كبيرة في تجنب الصراعات و الحروب حول المياه، فهو يخاطب أهم العوامل المؤثرة في مشاركة المياه، ويعمل على وضع الأطر والمبادئ للتعامل معها، وتوضح قائلة (ينص القانون الدولي للمياه على مبدأ الاستخدام العادل و المنصف، و عدم التسبب في ضرر ذي شأن، والالتزام بالتعاون كأهم مبدأ للتعامل بين الدول، و كذلك يضع شرح مفصل، حول أهم الاعتبارات لتحديد هذه الالتزامات، منها الأخذ في الاعتبار عوامل الجغرافيا و المناخ و التعداد السكاني و الاستخدامات القائمة، والاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية) مشددة على أن هذا الإطار الموضوعي الذي يوفره القانون الدولي للمياه، اذا تم اعتماده بتوفر حسن النية ، فإنه يخاطب الخلافات التي قد تكون( غير موضوعية )و يضع لها أطر واضحة ومحددة تساعد في تعزيز التعاون بين الدول حول المياه فالرجوع للقانون الدولي مهم لانه يوضح الحقوق المائية.**مسؤولية… وقيمة ..وتبرز المحافظة على المياه كمسؤولية مشتركة تبدأ من الاستخدام الرشيد وعدم إهدارها، وتمتد إلى حماية مصادرها من التلوث، وتحسين طرق الري، وإعادة استخدام المياه ما أمكن ذلك. فالإفراط في استخدام المياه واستنزاف مصادرها لا يهدد احتياجاتنا اليوم فحسب، بل ينتقص من حق الأجيال القادمة في الحصول على مياه كافية وآمنة. كما يؤدي إلى انخفاض مخزون المياه الجوفية، وتراجع كفاءة الأنهار والبحيرات، فضلًا عن زيادة الضغط على الموارد المائية. ومع استمرار ارتفاع الطلب على المياه، يصبح الإسراف فيها تهديدًا للأمن الغذائي، فالمياه مورد محدود، وكلما تم استهلاكها دون ترشيد أو إدارة مستدامة، ضاقت الخيارات أمام الأجيال المستقبلية ، لذلك فإن حماية المياه اليوم هي في جوهرها حماية لحق الأجيال القادمة في الحياة والتنمية، فالماء الذي نهدره اليوم، قد يكون هو الماء الذي يحتاجه إنسان الغد ،لذلك فإن حماية المياه تبدأ من إدراك قيمة كل قطرة وأنها ليست شعارا فقط بل ترشيد للاستهلاك،و استخدام المياه بكفاءة أعلى، وإعادة استخدامها، وحصاد مياه الأمطار، وإعادة تغذية المياه الجوفية، وتطوير الري الحديث، والاستفادة من التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد في إدارة الموارد المائية.،ولأن المياه مهمة في كل مجتمع عالمي ومحلي، تم لأول مرة في مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدةالاطاريةبڜان تغيرالمناخ(COP27)الذي انعقد عام 2022 بمدينة شرم الشيخ المصرية ،تخصيص يوم للمياه ،وإطلاق مبادرة التكيف بقطاع المياه والقدرة على الصمود (AWARe)، تلاه بعد ذلك( كوب 28 ) في العام 2023 بمدينة دبي في الإمارات العربية المتحدة،إذ تم ادراج المياه ضمن موضوعات التكيف العالمية ،وبرنامج العمل الخاص ،بتقليل شح المياه المرتبط بالمناخ ،ولقد شهد (كوب 29)في باكو العاصمة الأذربيجانية في عام 2024،اعلان باكو بشأن العمل المناخي للمياه،لربط أزمة المياه بسياسات التخفيف والتكيف.كما تمت مناقشة قضايا الأمن المائي ،والتكيف والزراعة والأمن الغذائي كذلك، ضمن مسارات التكيف الشامل في مؤتمر بون للتغير المناخي ،الذي عقد في الفترة من 8-18يونيو 2026،كجزء تحضيري وتمهيدي لمعالجة التحديات بصورة أوسع ،في مؤتمر الأطراف( COP31)الذي سيعقد في نوفمبر هذا العام في مدينة أنطاليا التركية.**إدارة جيدة ،حصاد وافر….يشير الدكتور مدثر زروق الخبير في مجال المياه أن المجتمعات الريفية التي تعاني من انخفاض هطول الأمطار بنسبة 50%تعتمد على مشروعات حصاد المياه، وهنا يبرز دور الإدارة الجيدة للمياه ،من خلال تشييد السدود الترابية ،وحفر الآبار ،وتخزين مياه المطر وتوفيرها خلال موسم الجفاف ،مبينا أن ذلك يعزز الصمود في مواجهة الجفاف،الذي يضمن استمرارية الإنتاج الزراعي والحيواني ،الأمر الذي يحقق استقرار هذه المجتمعات ،ويقلل من النزوح القسري ،الذي يعطل تعليم الاطفال،ويهدد سبل العيش ،ويصف زروق أن جلب المياه في المجتمعات الريفيه يقع على عاتق النساء، الأمرالذي يقلل من فرص العمل والتعليم ،مشددا على أن مشروعات المياه القريبة من المنازل ،تعمل على تخفيف هذا العبء،وتتيح للنساء الفرصة للمشاركة في النشاطات الاقتصادية،وبالتالي تعزيز دورهن في المجتمع . ويضيف الباشمهندس شهاب الدين عثمان ميرغني مدير إدارة استدامة مشروعات حصاد المياه بوزارة الري في السودان،أن حصاد المياه يعمل كاستراتيجية تكيفية لمواجهة التغيرات المناخية، بجانب تخزين المياه. وبناء السلام المحلي، ونوه شهاب إلى أن التخطيط الحديث لحصاد المياه في السودان ، يركز على تصميم أنظمة منخفضة الصيانة ،يمكن أن تستمر في العمل حتى في أوقات النزاعات، وغياب الدعم المؤسسي، ما يعزز صمود المجتمعات في أصعب الظروف، وتوضح الدكتورة مواهب جدو اختصاصي البيئة والاستدامة أن الزراعة والرعي يمكنهما الاستفادة من حصاد المياه، وذلك عن طريق حصاد مياه الأمطار والسيول في أودية السودان، عبر متاريس ترابية تبطئ الجريان، وتزيد تسرب المياه للتربة دون إغلاق مجرى السيول، ويتم زرع أشجار محلية مثل الهشاب والطلح والسدر، مشيرة إلى التركيز على اختيار الانواع المناسبة حسب الظروف البيئية الملائمة، إذ يتم نثر بذور الأعشاب جويًا لتوفير المرعى، مبينة أن هذا النظام لا يعتمد على ري,مضخات أو طاقة،ومع تكرار المواسم تتحول نقاط الزراعة إلى نوى خضراء ومن ثم نظام بيئي متكامل. **سؤال ..ويأتي السؤال الذي ربما يشغل المجتمعات ومستقبل المياه،ما الذي يحدث لمصادر المياه السطحية والجوفية عندما تتغير الأمطار ويطول الجفاف؟ وإلى أي مدى تتداخل هذه التغيرات مع سوء الإدارة والتلوث والاستنزاف لتدفع بعض المناطق نحو ما يمكن وصفه بـ«الإفلاس المائي»؟عندما تتغير أنماط الأمطار ويطول فترات الجفاف، تتأثر مصادر المياه السطحية والجوفية بشكل مباشر؛ فتتراجع مستويات الأنهار والبحيرات والسدود، بينما يقل تجدد المياه الجوفية مع انخفاض تغذية الخزانات بالمياه. وتزداد المشكلة عندما تتزامن هذه الضغوط مع سوء إدارة الموارد المائية، والتلوث، والإفراط في سحب المياه للزراعة والاستخدامات المختلفة. ومع استمرار هذه العوامل، قد تتراجع قدرة المنطقة على توفير احتياجات سكانها من المياه، لتقترب بعض المناطق من حالة يمكن وصفها بـ«الإفلاس المائي»، حيث تصبح المياه المتاحة أقل من الطلب، وتزداد صعوبة الحصول عليها بصورة آمنة ومستدامة وهنا يمكن لحصاد المياه أن يكون أحد الحلول الممكنة للحد من مخاطر الإفلاس المائي، من خلال جمع مياه الأمطار والسيول وتخزينها والاستفادة منها في فترات الجفاف. ويمكن أن يساهم ذلك في توفير المياه للزراعة والشرب، وتقليل الضغط على المياه الجوفية والمصادر السطحية. لكن نجاح حصاد المياه يعتمد على التخطيط الجيد، واختيار التقنيات المناسبة، وحسن إدارة المياه المخزنة لضمان استدامتها..**هل المياه الجوفية..طوق نجاة ؟وفي اجابتها على السؤال هل يمكن أن تكون المياه الجوفية طوق نجاة للزراعة، ومياه الشرب أثناء الجفاف، ومساعدة المجتمعات، أم أن الاعتماد المفرط عليها قد يقود إلى استنزاف المخزون الجوفي وتفاقم أزمة المياه؟ ،أمنت الأستاذة سوسن بشارة وقالت بالتطبيق على السودان (هنالك مياه جوفية في الحوض النوبي الرسوبي في شمال غرب السودان ،وأهميته تكمن في أنه أكبر خزان جوفي معروف في العالم ،ويغطي مساحة تزيد عن 2 مليون كم مربع ،ومخزون المياه 150الف كم3 من المياه الجوفية ،كذلك حوض امروابة،يقع جنوب وسط السودان ،ولاية شمال كردفان ،وتأتي أهميته أنه ثاني أهم التكوينات بعد الحجر الرملي النوبي ،والمخزون فيه يقدر 22مليارم3ويشكل 20%من المياه الجوفيه في السودان،وحوض البقارة الذي يقع الجزء الأكبر منه في ولايتي دارفور و كردفان ،ويتميز بنوعية جيدة من المياه يمد الزراعة بالمياه وكذلك مياه الشرب ) لكن والحديث لبشارة ( أن نقص المياه الجوفية يترك عجزا مائيا ،ماينعكس على الزراعة التي ربما تتوقف تماما،بجانب نقص مياه الشرب ،وجفاف الينابيع والواحات،وتخسر الدولة مشروعاتها الصناعية والزراعية والاقتصادية،خاصة التي ترتكزعلى المياه الجوفية في بقعة ما).موضحة أن السودان يعتمد على المياه الجوفية بشكل واسع وهي شريان الحياة لمعظم السودان .** فيضان ونزاع…في عام 2020، شهد السودان فيضانات غير مسبوقة تسببت في غمر مساحات واسعة وألحقت أضرارًا بالمنازل والأراضي الزراعية ومصادر المياه. ولم تقتصر آثار الفيضان على الأضرار المادية، إذ ساهمت مياه السيول والفيضانات في جرف ونقل مخلفات التعدين إلى مصادر المياه، ما أثار مخاوف بشأن تلوثها بالمواد المستخدمة في عمليات التعدين وتأثير ذلك على صحة الإنسان والبيئة.ويفند زروق مشكلات الفيضان موضحا أنه يؤدي لتدمير البنية التحتية الهشة،وتهديد حياة الناس كما حدث في فيضان 2020 في السودان، ،ويضيف قائلا(بجانب ذلك أدى النزاع المسلح في ابريل 2023 إلى تدمير ،وإيقاف محطات الضخ ،وقنوات الري ،وتسبب في شل القدرات المؤسسية المسؤولة عن إدارة المياه،وزاد النزوح الجماعي من الضغط على مصادر المياه المحدودة في المناطق الآمنة،الأمر الذي فاقم التنافس عليها).** مشروعات وحلول…وينوه دكتور حسن الى ضرورة استعادة نظم الإنذار المبكر الهيدرولوجية والفيضانية، وحفر الآبار العاملة بالطاقة الشمسية لتوفير مياه الشرب، والتوسّع السريع في حصاد مياه الأمطار والسيول (الحفائر والسدود المنخفضة/الوايرات).مبينا أن تأمين المياه يعني تنويع المصادر، وتغذية طبقات المياه الجوفية، والريّ الأكثر كفاءة، والإدارة المتكاملة للموارد المائية على مستوى الأحواض، والتعاون حول النيل. ويسوق الدليل على ذلك قائلا (وخير دليل على نجاح ذلك مشروعات حديثة في السودان مثل مشروع بناء الصمود في مواجهة تغير المناخ في نظم الزراعة المطرية والرعي التقليدية -صندوق المناخ الاخضر(GCF-BRCC ) ويفصل حسن بأنه تم في 9ولايات واستفاد منه ، نحو 1.18مليون مستفيد، إضافة إلى 80 حفيرة مائية/محطة مياه و75حفيراً محسّناً)، إضافة لمشروع وادي الكو في شمال دارفور الذي وصفه دكتور زروق بأنه عمل على تحسين الإنتاجية الزراعية،والأمن الغذائي ، وتأسيس لجان الأمن والسلام ،الأمر الذي قلل من التوتر بين المجتمعات وزاد من التماسك الاجتماعي ،منوها إلى أنه أحد أهم مشروعات الإدارة الفعالة للمياه،إذ عززالاستقرار الاقتصادي ،ومضاعفة الإنتاج الزراعي ،ويشرح حسن أن مشروع وادي الكو ضاعف إنتاجية الدخن والذرة ثلاث مرات).ويضيف أن محطات كسلا العاملة بالطاقة الشمسية تنتج (٤٥٠٬٠٠٠ لتر يومياً من المياه النظيفة). ويؤكد الباشمهندس شهاب أن سد خور أربعات بالقرب من بورتسودان يُمثل هذا السد وموارده المائية، مصدراً حيوياً لإمداد مدينة بورتسودان (التي يزيد عدد سكانها عن 850 ألف نسمة) بالمياه. وتهدف الدراسات إلى تحديد مواقع جديدة واقتراح حلول لتحسين حصاد المياه في المنطقة لمواجهة الطلب المتزايد ومشكلة تراكم الطمي في الخزانات الحالية ،كذلك مشروع حصاد مياه الأمطار في ولايتي البحر الأحمر وكسلا،حيث يجري تقييم 12 تقنية مختلفة لحصاد المياه في 15 موقعاً، في هاتين الولايتين. ويؤمن شهاب أن الهدف هو تحديد التقنيات الأكثر فعالية واستدامة ،لتعزيز سبل عيش المجتمعات المحلية التي تعتمد على الزراعة والرعي .ويجيب دكتور خالد حسب الله على السؤال حول رؤية جديدة لمستقبل المياه في السودان قائلا(إن مستقبل السودان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستقبل موارده المائية، ولذلك فإن بناء قطاع مائي حديث يتطلب الانتقال من الإدارة التقليدية إلى إدارة قائمة على المعرفة والابتكار، موضحا أن الأولويات الوطنية، يجب أن تقوم علىتبني الإدارة المتكاملة للموارد المائية.و تحديث مشاريع الري وزيادة إنتاجية المياه.و توظيف تقنيات الاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي في مراقبة الموارد المائية.و حماية واستدامة المياه الجوفية،و الاستثمار في إعادة استخدام المياه ومعالجة مياه الصرف،و تعزيز الحلول القائمة على الطبيعة، مثل استعادة الغابات والأراضي الرطبة وحماية الأحواض المائية،و تطوير نظم الإنذار المبكر للفيضانات والجفاف، والاستثمار في البحث العلمي وبناء قدرات الكوادر الوطنية،مع تعزيز التعاون الإقليمي في إدارة مياه الأنهار المشتركة.).وتعد المياه محورا مهما لتحقيق التنمية المستدامة ،ولايمكن القضاء على الفقر ،أو تحقيق الأمن الغذائي ،أو تحسين الصحة ،أو مواجهة التغير المناخي ،دون استدامتها،وهناك بعض التحديات التي تواجه المياه في العالم برمته، للحفاظ على تحقيق الأمن المائي .**تحديات ….واليوم تُعد ظاهرة النينيو من الظواهر المناخية المؤثرة في أنماط الطقس حول العالم، فتزيد في بعض المناطق من الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وخطر الحرائق، بينما تشهد مناطق أخرى أمطارًا غزيرة وفيضانات، وتزيد هذه التقلبات من الضغوط على المياه، التي تواجه أصلًا تحديات عديدة، أبرزها الشح والتلوث والاستنزاف وسوء الإدارة، إلى جانب تزايد الطلب عليها. وفي السودان، تتداخل هذه التحديات مع تذبذب الأمطار وتكرار موجات الجفاف والفيضانات، ما يزيد الضغط على مصادر المياه ويجعل المحافظة عليها وإدارتها بصورة مستدامة ضرورة للمستقبل.** وعي …وأخيرا يلعب الإعلام دورا مهما في رفع الوعي بأهمية كل قطرة من الماء ،ليس فقط بنقل المعلومات، وإنما بتحويل قضية المياه إلى سلوك ومسؤولية يومية لدى الأفراد والمجتمعات ، فمن خلال التحقيقات والقصص الإنسانية والتوعية المستمرة، يمكن للإعلام أن يلفت الانتباه إلى مخاطر الهدر والتلوث والاستنزاف، ويؤكد أن كل قطرة ماء لها قيمة، وأن الحفاظ عليها اليوم هو حماية لحق الأجيال القادمة في الحياة.The post حين يصبح الماء سؤال الحياة .. appeared first on صحيفة مداميك.