تقرير: رندا عليسمية عثمان، سيدة تجاوزت الستين من عمرها، تنتمي إلى أحد الأحياء العتيقة في مدينة الخرطوم بحري. تنقلت مع أسرتها وزوجها بين مناطق مختلفة في العاصمة الخرطوم، لكن ذاكرتها ظلت تحتفظ بتفاصيل كثيرة من الحي الذي نشأت وترعرعت فيه، من بينها حادثة مأساوية وقعت قبل عشرات السنين وما تزال حاضرة في ذاكرتها حتى اليوم.كانت الضحية شابة لم تتجاوز العشرين من عمرها، دخلت في خلاف مع شقيقتها الكبرى، ثم لجأت إلى مكان مغلق داخل المنزل وأضرمت النار في جسدها. وحين اشتد عليها الألم بدأت بالصراخ وأظهرت ندمها، لكن إنقاذها لم يكن ممكناً.تقول سمية إن ما بقي عالقاً في ذاكرتها لم يكن النهاية المأساوية وحدها، وإنما الطريقة التي جرت بها الحادثة في الخفاء، بعيداً عن أعين الناس، في مجتمع كان مجرد الحديث عن الانتحار فيه من الموضوعات شديدة الحساسية التي يفضل كثيرون الصمت عنها.لكن السنوات تغيرت، وتغيرت معها أشكال التعبير عن الأزمات. ومع اتساع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، أصبحت بعض محاولات إيذاء النفس تحدث في أماكن عامة وأمام أعين الناس، الأمر الذي يطرح سؤالاً مهماً: لماذا يختار بعض الأشخاص الفضاء العام عندما يصلون إلى مرحلة التفكير في إيذاء أنفسهم؟قبل أيام، تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لشاب في وضع شديد الخطورة وهو يتأرج متمسكا بأسلاك الكهرباء، وسط تجمع عدد من المواطنين الذين حاولوا التدخل لإنقاذه. وانتهت الواقعة بالسيطرة على الموقف، إلا أن المقاطع أظهرت أيضاً تعرض الشاب للاعتداء من بعض الأشخاص عقب إنقاذه.ولم تكن الواقعة الأولى من نوعها. ففي مارس الماضي شهدت أم درمان حادثة مشابهة، بعدما صعد شاب إلى مكان مرتفع وهدد بإيذاء نفسه قبل أن يتمكن الموجودون من إقناعه بالنزول. وبحسب ما نُقل وقتها، ربط الشاب نزوله بتحقيق مطالب محددة، من بينها حضور والي الخرطوم إلى الموقع.مثل هذه الوقائع تفتح باباً للنقاش يتجاوز الحادثة نفسها: هل اختيار المكان العام يعني أن الشخص يسعى إلى لفت الانتباه أكثر من رغبته في الموت؟ أم أن السلوك يمثل استغاثة أخيرة من شخص لم يجد وسيلة أخرى لإيصال حجم أزمته؟الاختصاصية الاجتماعية أسماء جمعة ترى أن اختيار المكان العام قد يعكس رغبة الشخص في جعل معاناته أو مطالبه مرئية أمام الآخرين، خصوصاً عندما يشعر بالعجز عن الوصول إلى حل بالوسائل المعتادة أو يعتقد أن صوته لم يعد مسموعاً.وتوضح أن الشخص قد يبحث من خلال هذا السلوك عن التعاطف أو تدخل المجتمع والجهات الرسمية، وقد يحاول تحويل مشكلة شخصية إلى قضية عامة تستدعي الاهتمام. فمن يشعر مثلاً بأنه فقد مصدر رزقه أو تعرض لظلم يمس كرامته، ربما يلجأ إلى تصرف علني للتعبير عن حجم أزمته، بينما قد تكون الدوافع لدى شخص آخر أسرية أو نفسية أو اجتماعية.لكن أسماء تؤكد أن أي محاولة لإيذاء النفس لا ينبغي اختزالها في كونها احتجاجاً أو بحثاً عن الاهتمام، لأن وراءها في كثير من الأحيان معاناة حقيقية تتطلب تدخلاً جاداً ومساندة متخصصة.وتشير إلى أن الحرب والبطالة والضغوط الاقتصادية والاجتماعية يمكن أن تعمق مشاعر العجز واليأس، لا سيما وسط الشباب، وأن بعض الأشخاص قد يلجأون إلى سلوك اندفاعي حين يشعرون بأن الخيارات أمامهم قد ضاقت.وترى أن التعامل مع الظاهرة يجب ألا ينتهي عند إنقاذ الشخص من الخطر المباشر، وإنما ينبغي أن يمتد إلى معرفة الأسباب والظروف التي أوصلته إلى تلك اللحظة، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي المناسب له، إلى جانب معالجة البيئات الاقتصادية والاجتماعية التي تزيد من الضغوط على الأفراد.من جانبها، تقول الدكتورة أمل محمد أحمد، الاختصاصية النفسية، إن اختيار مكان عام قد يرتبط أحياناً بمحاولة إيصال حجم المعاناة أو جذب الانتباه إلى أزمة ما، إلا أن ذلك لا يصلح دليلاً على أن نية الشخص غير جادة.وتؤكد أن جميع محاولات إيذاء النفس يجب التعامل معها بجدية، وأن تقدير درجة الخطورة لا يمكن أن يعتمد على مكان الواقعة أو شكلها وحدهما، وإنما يحتاج إلى تقييم نفسي شامل يتناول حالة الشخص وتاريخه والضغوط التي يمر بها.فوجود شخص في مكان مرتفع أو في موقف يستدعي تدخل الآخرين لا يكشف وحده عن دوافعه الحقيقية. الأهم هو معرفة طبيعة الأزمة التي يواجهها، وما إذا كانت مرتبطة باضطراب نفسي أو مشكلة أسرية أو اقتصادية أو اجتماعية، ومدى حاجته إلى تدخل عاجل ومستمر.ورغم أن بعض الحالات العلنية قد تحمل رسالة احتجاج أو مطلباً يريد صاحبها إيصاله، فإن ذلك لا يجعلها أقل خطورة. فاللحظات التي يكون فيها الإنسان تحت ضغط نفسي شديد قد تتغير بسرعة، وقد تتحول محاولة لطلب النجدة إلى نتيجة مأساوية لا يمكن التراجع عنها.وتبرز في الذاكرة العربية قصة الشاب التونسي محمد البوعزيزي، التي ارتبطت باحتجاجات واسعة قادت لاحقاً إلى تحولات سياسية كبيرة في تونس والمنطقة. غير أن استحضار مثل هذه الوقائع ينبغي ألا يؤدي إلى إضفاء طابع بطولي على إيذاء النفس أو تقديمه بوصفه وسيلة فعالة لتحقيق المطالب، لأن الثمن في النهاية قد يكون حياة الإنسان نفسه.ومن المنظور الديني، يؤكد علماء الإسلام حرمة الانتحار وضرورة الحفاظ على النفس، مع الدعوة إلى الصبر وعدم اليأس من رحمة الله والبحث عن العون عند اشتداد الأزمات. ويستشهد في هذا السياق بقوله تعالى: «ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب»، وقوله سبحانه: «فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً».وبينما تتغير أشكال التعبير عن الأزمات من جيل إلى آخر، تظل محاولات إيذاء النفس، سواء حدثت في مكان مغلق أو أمام أعين الناس، مؤشراً إلى أزمة لا ينبغي تجاهلها.قد يقف خلفها الفقر أو البطالة أو النزاعات الأسرية أو الإحساس بالظلم أو أزمة نفسية أو تراكم طويل من الضغوط، وقد يكون صاحبها في لحظة اندفاع يرى فيها أن الطرق كلها قد أغلقت أمامه.لذلك، لا ينبغي أن يكون إنقاذ الشخص من الخطر نهاية القصة، بل بدايتها. فما يحتاج إليه بعد ذلك هو من يستمع إليه دون إدانة، ويساعده على فهم أزمته وتجاوزها، ويوجهه إلى الدعم النفسي والاجتماعي المناسب.وفي مجتمع أنهكته الحرب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تصبح مواجهة اليأس مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة والمجتمع، وتمتد إلى مؤسسات الدولة والجهات الصحية والاجتماعية، عبر توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي وفتح مسارات واقعية أمام من يشعرون بأن الخيارات قد ضاقت أمامهم.فالإنسان الذي يقف على حافة الموت قد لا يحتاج في تلك اللحظة إلى من يعنفه أو يحاكمه، بقدر حاجته إلى يد تساعده على الابتعاد عن الخطر، ثم إلى سؤال إنساني بسيط قد يكون بداية الإنقاذ الحقيقي: ما الذي أوصلك إلى هنا؟.The post حين يصبح الانتحار صرخة استغاثة.. ما الذي يدفع البعض إلى حافة الموت؟ appeared first on صحيفة مداميك.