نجم الدين جيب اللهمنذ اندلاع الحرب في السودان في 15 نيسان/ إبريل 2023، انصبّ جانب كبير من النقاش السياسي على سؤال يبدو منطقيًا: أيّ الطرفين يستطيع حسم الحرب عسكريًا؟ غير أن استمرار القتال واتساع نطاقه وتعدّد القوى المحلية والخارجية المتداخلة فيه، فضلاً عن تكلفته الإنسانية والاجتماعية المدمرة، تكشف أن هذا السؤال لا يقود إلى مخرج حقيقي. فالسؤال الأجدى ليس من ينتصر في الحرب، بل كيف يمكن بناء دولة لا يستطيع طرف واحد احتكارها، ولا تشعر فيها أي جماعة بأن أمنها أو وجودها يتوقفان على امتلاك السلاح.الأزمة السودانية أعمق من المواجهة الراهنة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، وإن كان الصراع على السلطة بينهما وفشل الانتقال السياسي وانهيار الترتيبات الأمنية من أسباب اندلاع الحرب المباشرة. فقد نشأت المواجهة داخل دولة تعاني منذ عقود اختلالات في توزيع السلطة والثروة، وفي العلاقة بين المركز والأقاليم، وبين المؤسسات العسكرية والسلطة المدنية، وبين الدولة والمجتمع. كما أسهم توظيف الانتماءات الدينية والإثنية والجهوية، إلى جانب التدخلات الإقليمية والدولية، في إضعاف مشروع المواطنة المتساوية وتحويل خلافات سياسية واجتماعية إلى صراعات مسلحة.لذلك يمثل وقف إطلاق النار أولوية إنسانية وسياسية عاجلة، لكنه لا يشكل بمفرده تسوية مستدامة. فقد يوقف اتفاق بين الطرفين القتال مؤقتًا، لكنه سيعيد إنتاج أسباب الحرب إذا اقتصر على تقاسم المناصب والنفوذ، أو أعاد ترتيب العلاقة بين القيادات العسكرية والسياسية من دون معالجة جذور الأزمة. فالسودان لا يحتاج فقط إلى اتفاق ينهي الحرب، بل إلى مسار يعيد تأسيس الدولة وينظم العلاقة بين القوة المسلحة والشرعية السياسية، ويضمن توزيعًا أكثر عدالة للموارد والتمثيل، ويضع أسسًا واضحة للمساءلة.عدم الانحياز لا يعني الحياد تجاه الانتهاكاتإن بناء مقاربة لا تنحاز إلى أيّ من طرفي الحرب لا يعني المساواة بينهما في المسؤولية السياسية أو القانونية، ولا الحياد تجاه الانتهاكات. فليس مقبولاً مساواة الضحية بالفاعل، أو اعتبار امتلاك السلاح مصدرًا للشرعية. وقد تتقارب أطراف مختلفة في قدرتها على تعطيل السلام، لكنها لا تتساوى بالضرورة في مسؤوليتها عن اندلاع الحرب أو ارتكاب الانتهاكات أو تقويض مؤسسات الدولة. وتحديد هذه المسؤوليات يجب أن يستند إلى القانون والأدلة والتحقيقات المستقلة، لا إلى رواية أي طرف في الصراع.وعليه، ينبغي أن ينحاز الحل بوضوح إلى حماية المدنيين، ووحدة السودان، والمواطنة المتساوية، والمساءلة، وإقامة دولة مدنية تحتكر الاستخدام المشروع للقوة في إطار القانون والرقابة الدستورية. كما يجب التمييز بين الوزن التفاوضي الذي تفرضه موازين الحرب والشرعية السياسية التي تستند إلى التفويض الشعبي أو التوافق الدستوري. فامتلاك السلاح قد يمنح صاحبه قدرة مؤقتة على التعطيل، لكنه لا يمنحه حقًا دائمًا في حكم البلاد أو تقرير مستقبلها.ما التسوية متعددة التوازنات؟يمكن وصف المقاربة المطلوبة بـ”التسوية السودانية متعددة التوازنات”. ولا يعني التوازن هنا توزيع الدولة بين القوى العسكرية والسياسية المتنافسة، أو تثبيت موازين القوة التي أفرزتها الحرب، بل تصحيح الاختلالات التي سمحت باندلاعها واستمرارها. فالسلام المستدام لن يتحقق بانتصار عسكري أو اتفاق نخبوي ثنائي، وإنما بمعالجة مترابطة للاختلالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية، وكذلك لعلاقة السودان بمحيطه الإقليمي والدولي.يبدأ المسار الأول بإعادة ضبط العلاقة المدنية–العسكرية. ولا يعني ذلك إقامة توازن ندّي بين سلطتين مدنية وعسكرية، بل إخضاع المؤسسات العسكرية والأمنية لسلطة دستورية مدنية، مع ضمان مهنيتها وقدرتها على حماية البلاد. ومن هذا المنظور، يظل شعار “جيش واحد” ضروريًا، لكنه لا يكفي ما لم تُطرح أسئلة أعمق: لأي سلطة دستورية يخضع الجيش؟ وما عقيدته العسكرية؟ وكيف يُضمن طابعه القومي والمهني؟ ومن يراقب ميزانيته ومصالحه الاقتصادية؟ إن دمج أعداد كبيرة من المقاتلين في مؤسسة لم تخضع لإصلاح حقيقي قد لا ينهي تعدد مراكز القوة، بل ينقل الانقسامات إلى داخل الجيش نفسه. ولهذا ينبغي أن يبدأ الإصلاح الأمني بوقف إطلاق نار خاضع للمراقبة والتحقق، ثم حصر القوات والأسلحة وسلاسل القيادة ومصادر التمويل. وبعد تدقيق مهني وقانوني، يمكن دمج من يستوفون شروط الخدمة، وتسريح الآخرين وإعادة إدماجهم مدنيًا، وإحالة المشتبه في ارتكابهم جرائم إلى تحقيقات مستقلة. ويجب أن ترافق ذلك رقابة مدنية وتشريعية وقضائية، وإخضاع الموارد والأنشطة الاقتصادية العسكرية للسلطة المالية للدولة، وإعادة بناء الشرطة والقضاء والإدارة المحلية؛ فأمن المواطنين وسيادة القانون لا يحققهما الجيش وحده.أما المسار الثاني فيتعلق بإعادة بناء العلاقة بين المركز والأقاليم. فقد أسهم تركّز السلطة والموارد في المركز، وعدم المساواة في التنمية والتمثيل والخدمات، في تعميق المظالم وتحويل بعضها، مع عوامل أخرى، إلى صراعات مسلحة. لكن العلاج لا يكون بمنح قادة الحركات مناصب في الخرطوم، ولا بنقل السلطة إلى نخب إقليمية تعيد إنتاج التهميش محليًا. المطلوب نظام اتحادي فعلي يمنح الأقاليم سلطات وموارد محددة دستوريًا، ويتيح للمجتمعات المحلية المشاركة في إدارة الأرض والمياه والخدمات والإيرادات، مع ضمانات للشفافية وحماية حقوق الجماعات داخل كل إقليم.ويتصل بذلك تنظيم العلاقة بين الهوية والمواطنة. فقد استُخدمت الانتماءات الدينية والإثنية واللغوية والجهوية لتحديد من ينتمي إلى الدولة ومن يحق له تمثيلها. ولن ينجح مشروع وطني جديد بإلغاء هذه الانتماءات أو صهرها قسرًا، بل بإقامة دولة مدنية لا تستمد شرعيتها من احتكار ديني أو إثني أو جهوي، وتحمي حرية الدين والثقافة واللغة. فالمواطنة المتساوية لا تعني محو التنوع، وإنما ضمان ألا يتحول الاختلاف إلى تراتبية في الحقوق والنفوذ والحصول على الموارد.ولا يمكن فصل هذه الإصلاحات عن اقتصاد الحرب. فقد ترسخت شبكات ترتبط بالذهب والتجارة العابرة للحدود والشركات التابعة للقوى المسلحة والجبايات غير القانونية والتهريب. وإجراء انتخابات متعجلة قبل تفكيك الحد الأدنى من هذه البنية قد يمنح المسيطرين على المال والسلاح شرعية سياسية جديدة. لذلك ينبغي إخضاع الإيرادات العامة والشركات العسكرية والموارد الاستراتيجية للشفافية والرقابة، وتنظيم إنتاج الذهب وتصديره، ووضع صيغة عادلة ومعلنة لتوزيع الإيرادات بين المركز والأقاليم.لقد كان التركيز على تقاسم المناصب أحد أوجه القصور في تسويات سودانية سابقة، خصوصًا عندما لم يصاحبه إصلاح للمؤسسات أو تنفيذ للترتيبات الأمنية أو تغيير في توزيع الموارد. لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال في التسوية المقبلة: من يحصل على أي منصب؟ بل كيف تُوزع السلطة والموارد والضمانات بحيث لا يستطيع طرف احتكار الدولة، ولا يصبح حمل السلاح الطريق الأكثر فاعلية للحصول على الحقوق والنفوذ. هذه هي نقطة البداية في تحويل وقف القتال من هدنة مؤقتة إلى سلام قابل للحياة.The post السودان ومأزق الحل: نحو تسوية متعددة التوازنات appeared first on صحيفة مداميك.