لماذا يحتاج السودانيون إلى حوار؟

Wait 5 sec.

حمّور زيادةمع اقتراب انتصاف عام الحرب الرابع، يقترب الحوار السوداني – السوداني عبر لجنة بدأت أعمالها في الخرطوم تهيّئ له الأجواء. الغاية المعلَنة “فتح الطريق أمام السودانيين للوصول إلى حلول سودانية للأزمة وإنهاء الحرب”، وهو ما رحّب به الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، وسينطلق بمن حضر.بلغت الدولة السودانية عامها السبعين، لكنّها ما زالت تحتاج إلى البحث عن الطريقة التي تمكّن أهلها من الحديث مع بعضهم. منذ اليوم الأوّل من الاستقلال تعيش الدولة السودانية حرباً أهليةً مستمرّة تتناثر منها اتفاقات السلام ولجان التفاوض ومؤتمرات الحوار والتوقيع بالأحرف الأولى. تاريخنا حروب مستمرّة؛ السلام الناجح فيها هو هدنة مؤقّتة بين حربَيْن، والسلام المعتاد المكرّر اتفاق سلطوي ينقل بعض المقاتلين ضدّ الحكومة إلى صفّها، من دون أن تتوقّف الحرب.جرّبنا الحوار كثيراً، فما هي المشكلة؟ ربّما كانت المشكلة أنّنا لم ننجح في الوصول إلى الأسئلة التي تمنع حاجتنا إلى تكرار الحوار، ناهيك عن الوصول إلى إجاباتها. فندور في دائرة فوضوية لا نغادرها، وكان كلّ اتفاق سلام يعالج مشكلة “السلطة” القائمة وقت توقيعه، ويسعى إلى إطالة عمرها، ووسيلته إلى ذلك شراء الولاءات، غالباً تحت مسمّى قسمة السلطة والثروة، أو الحلول الوقتية، من دون التفكير في سؤال: أيّ دولة نريد؟منذ استقلاله، لم يستقرّ السودان على نظام سياسي، وتعاقبت عليه الدولة البرلمانية والجمهورية الرئاسية. حُكم أغلب سنيه بسلطة عسكرية مباشرة أو تنظيم سياسي واحد، وقليلاً بتعدّدية حزبية ائتلافية. تدخّل الجيش تحت ذرائع مختلفة عبر ثلاثة انقلابات كبُرى، في 1958 و1969 و1989، حكمت البلاد لأكثر من نصف قرن. لم نصل بعد إلى دستور دائم يحدّد شكل الحكم بصورة مستقرّة. أمّا آلية تداول السلطة فهي الانقلاب العسكري، ثمّ الثورة الشعبية، ثمّ الانتخابات، يعقبها انقلاب عسكري. ويلقى الانقلاب العسكري حماسةً شعبيةً لا تقلّ عن حماسة الملايين التي تخرج ضدّه لتسقطه. حتّى هذا الحكم العسكري المتواصل، إذا ما وضعناه في مقارنة مع تجارب الحكم العسكري في المنطقة والعالم، فإنّه لا يملك حتّى ما عند غيره من فضائل تغفر له سلوك الاستحقاق السلطوي للمسؤول الأوّل عنه الذي أتيحت له فرصة حكم البلاد معظم سنوات استقلالها، وما زال. فهل نتوافق على أيّ نظام حكم نريد؟هذا الاضطراب في السلطة واحتكارها بالسلاح لمصلحة رجل أو جماعة أثّر في كلّ شيء في البلاد: اقتصادها، وعملتها، وسلّمها التعليمي ونظامه، ومؤسّساتها، وأحلافها الخارجية وعلاقتها بجيرانها. كلّ شيء يخضع للتفكيك والتجريب والتطهير والتمكين. وكلّ شيء يعاد خلقه من جديد، أحياناً مرّات عدّة داخل نظام الحكم ذاته. لا ثابت في السودان إلّا حُكم الجيش والحرب.في هذا الوضع المضطرب، يصبح أيّ خلاف مدخلاً لنزع الانتماء. فكلّ مَن حمل السلاح ضدّ الدولة المركزية اتُّهم بأنّه، ومكوّنه الاجتماعي من خلفه، لا ينتميان إلى السودان. فلا شيء يحدّد لدى أهل البلاد من هو السوداني، على الرغم من وجود قانون مكتوب. لكن أين هو القانون في بلاد تطلق الرصاص على نفسها بحماسة؟ فربّما نحتاج إلى أن نعرف أوّلاً مَن هم السودانيون: مَن نحن؟اليوم، مع تواصل حرب 15 إبريل (2023)، وسيطرة مليشيا الدعم السريع على جزء من البلاد بحكومة موازية، وموت السياسة، وسيطرة المليشيات القبلية على السلطة والثروة، يعود الجيش الحاكم إلى مؤتمرات الحوار. ومعها تنطلق حملة ترشيح قائد الجيش رئيساً للجمهورية، وهو منصب غير موجود، لكن لا أحد يهتمّ بتلك التفاصيل. وفي الضفّة الأخرى، تحكم “الدعم السريع” مساحات تواصل منها إرسال طائراتها المسيّرة لإراقة مزيد من الدماء.وصلت الدولة السودانية إلى لحظة لم يعد تجاهل الأسئلة الكُبرى فيها ممكناً بسبب وحشية الحرب، وتراجع الدولة لصالح القبيلة، والانفصال الثاني الذي يترسّخ ببطء. لم تعد مؤتمرات الحوار قادرةً على تخفيف الاحتقان، لأنّه انفجر. واتفاقات السلام لن تستطيع أن توزّع السلطة والثروة بين هذه المليشيات كلّها، لأنّها كثرت. الوصفات القديمة ربّما فات وقتها. إنّها اللحظة الحرجة، حين يقف كلّ شيء على حافة الهاوية. ربّما هذه آخر لحظة يمكن فيها مواجهة الأسئلة. وقد تكون إجابتها بالحوار أفضل من إجابتها بالدم، لكن كيف يمكن أن يتّفق لوردات الحرب وأصحاب القرار في الخرطوم ونيالا والعواصم الإقليمية؟The post لماذا يحتاج السودانيون إلى حوار؟ appeared first on صحيفة مداميك.