عاطف عبد اللهيختزل المثل الشعبي السوداني: “كان شالوه ما بتشال… وكان خلوه سكن الدار” حالةً ظلّت تتكرر في المشهد السياسي السوداني، وكأن التاريخ يصر على إعادة إنتاج نفسه كلما ظن السودانيون أنهم تجاوزوا دروس الماضي.في انتخابات عام 1986، خاضت الأحزاب السودانية واحدة من أشهر المعارك الانتخابية في دائرة “الصحافة وجبرة” بالخرطوم. ورغم التباينات الفكرية والسياسية العميقة بين حزب الأمة، والحزب الاتحادي الديمقراطي، والحزب الشيوعي، والقوى اليسارية، فقد التقت جميعها عند هدف واحد: الحيلولة دون وصول الدكتور حسن الترابي إلى البرلمان.كان ذلك نموذجاً مبكراً للتصويت التكتيكي في السودان، حيث توحدت تلك القوى خلف مرشح الحزب الاتحادي “حسن شبّو”، متنازلةً مؤقتاً عن خلافاتها الأيديولوجية لمواجهة مشروع سياسي رأت فيه تهديداً لمستقبل الديمقراطية. ونجحت الخطة بالفعل، وخسر الترابي المعركة في واحدة من كبرى المفاجآت السياسية آنذاك.غير أن تلك الهزيمة لم تكن النهاية؛ فما لبث الترابي أن عاد إلى المشهد شريكاً في السلطة عبر ائتلاف “الجبهة والأمة”، وتولى منصبي نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية. ولأن الإسلاميين، كما يُقال، كـ”الفريك لا يقبل شريك” إلا مؤقتاً ولضرورات مرحلية، فقد انتهت التجربة الديمقراطية برمتها بانقلاب 30 يونيو 1989، ليعودوا وينفردوا بالسلطة ثلاثة عقود.واليوم، وبعد زهاء أربعة عقود، ورغم إسقاطهم بالثورة الشعبية، يبدو المشهد وكأنه يعيد تكرار سيناريو الماضي في ظروف أكثر تعقيداً. فقد عادوا عبر بوابة انقلاب البرهان ليعيثوا في الأرض فساداً، وحين تمردت عليهم ميليشيا الدعم السريع التي صنعوها، بتمسكهم بـ “الإطاري” أشعلوها حرباً لا تبقي ولا تذر. والان، ومع بشائر الحراك المدني، ونفاد مخزونهم الحربي، وتوالي هزائم ميليشياتهم، إلى جانب الضغوط الإقليمية والدولية (ممثلة في الرباعية والخماسية والاتحاد الأفريقي)، يبرزون مجدداً بابتساماتهم الثعلبية مستفيدين من الدعوات المقترحة لتسوية سياسية شاملة تحت شعار “وقف الحرب وتحقيق الاستقرار”.إن المشكلة لا تكمن في مبدأ الحوار بحد ذاته، بل في طبيعة الطرف المُقترح إشراكه، وفي غياب أي مراجعة سياسية أو أخلاقية لتجربتهم. فالحركة الإسلامية لم تقدم- حتى اللحظة – أي نقد ذاتي، ولم تتحمل مسؤوليتها عن الانقلاب على الديمقراطية، أو تقويض الفترة الانتقالية، أو التسبب في اندلاع الحرب الحالية.من هذا المنطلق، فإن الرفض الموجه لهم لا ينبع من موقف إقصائي، بل من قناعة راسخة بأنه لا يمكن بناء سلام حقيقي على حساب قضايا العدالة والمحاسبة وإعادة بناء الدولة.ولهذا وضعت القوى المدنية (ممثلة في تحالف صمود) حزمة من المبادئ الحاكمة لأي حوار سياسي، وفي مقدمتها:• تحقيق العدالة للضحايا وللشهداء.• تفكيك بنية التمكين كلياً.• بناء جيش قومي مهني موحد.• حل جميع الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة حكراً.متى ما تحققت هذه الشروط، وأصبح الاحتكام إلى صندوق الاقتراع والديمقراطية هو الفيصل، فإن أي طرف سياسي، مهما كان تاريخه، يمكن أن يكون جزءاً من المنافسة السياسية الطبيعية، دون أن يمتلك أدوات قهر خارج إطار الدولة.تعلّمنا التجربة السودانية أن تجاهل جذور الأزمة لا يصنع سلاماً مستداماً، وأن التسويات التي تتجاوز العدالة سرعان ما تعيد إنتاج الصراع بصورٍ أشد قسوة. ولذلك، فإن السؤال المفصلي اليوم ليس: هل يشارك المؤتمر الوطني؟ بل: بأي شروط، وفي ظل أي دولة، وتحت أي قواعد؟ وهل لديهم القدرة الحقيقية على قبول استحقاقات الديمقراطية، وسيادة القانون، والمواطنة المتساوية، واحتكار الدولة للسلاح؟الأرجح، بل المؤكد، أنهم غير قادرين على الاستجابة لهذه الاستحقاقات، كونها تتعارض جذرياً مع البيئة الفكرية والتنظيمية التي قام عليها مشروعهم. وأي قبول ظاهري بها لن يتعدى كونه تكتيكاً مرحلياً، يُضمرون فيه التحين لفرصة أخرى للعودة بنهج أكثر راديكالية وقسوةً وبطشاً.The post “كان شالوه ما بتشال… وكان خلوه سكن الدار” appeared first on صحيفة مداميك.