تقرير: رندا عليأعلنت قوى سياسية ومدنية سودانية، رفضها لبيان مفوضية الاتحاد الأفريقي، الذي حوى ترحيباً بالحوار السياسي الذي أطلقه القائد العام للقوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان، ما يضع أزمة الحرب السودانية المستمرة أمام سيناريوهات غامضة، فبين تعذر المبادرات الإقليمية والدولية، يبرز سؤال أكثر تعقيداً، حول هل أصبحت أزمة السودان بلا وسيط مقبول؟.كانت مفوضية الاتحاد الأفريقي، قد رحبت في بيانها بمبادرة “لجنة تهيئة الحوار” في السودان، وهي نفس المبادرة التي لقيت رفضاً مشدداً من “قوى إعلان المبادئ”، التي وجهت في تصريح صحفي، مذكرة وشكوى رسمية لمجلس السلم والأمن الأفريقي، كما طالبت القوى عبر رسالتها للمجلس، بتقديم المفوضية توضيحاً رسمياً لحيثيات بيانها، والتمسك بشرطية الهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار الشامل، وضمان بقاء الاتحاد الأفريقي جهة محايدة وموثوقة، وتوحيد مسارات الوساطة ولا سيما الآلية الرباعية والآلية الخماسية، في إطار واحد ومنسق.وذكرت مفوضية الاتحاد الأفريقي في بيانها، أن المبادرة تصب في تعزيز خريطة طريق الاتحاد الأفريقي، ومسار الآلية الخماسية في بناء استراتيجية متماسكة يقودها أصحاب المصلحة السودانيون، هذا فيما تنظر القوى المدنية الرافضة للحرب، بعيون الريبة إلى مبادرة الخماسية نفسها، التي تعد آخر المبادرات المطروحة حالياً.القوى المدنية الرافضة للحرب، بدورها أكدت أن المبادرة تسعى لإغراق العملية السياسية، وهو موقف ربما يضع مبادرة الخماسية في وضع متعثر، مثل سابقاتها من المبادرات الأخرى التي طرحت.حوار بلا وسيط“هل يحتاج السودان أصلاً إلى وسيط خارجي؟”، هكذا يبتدر المحلل السياسي محي الدين محمد محي الدين، حديثه بسؤال مغاير، في محاولة لفهم التعثر السياسي الماثل، ويقول ل”مداميك “، إن «عقدة المنشار» تتمثل في أهداف المبادرات ومصالح الوسطاء، مشيراً إلى أن جميع المبادرات المطروحة تريد العودة إلى ما يسمى بالاتفاق الإطاري، الذي كان سبباً في الحرب بحسب وصفه.ويرى محي الدين، أن مسألة الوسيط المقبول أكثر من كونها عقبة، فإن أساسها يتمثل في عدم توحيد الرؤية فيما يتصل بالحوار أو التسوية السياسية، لأن فكرة التسوية السياسية تتضمن مكاسب ومصالح أكثر من كونها مناقشة للأزمات السياسية التي تواجه البلاد.ويضيف محي الدين أنه إذا كانت الفكرة هي البحث عن معالجات وليست تسوية سياسية تعيد قوى سياسية بعينها إلى المشهد، فسيكون من السهل جداً حتى في ظل انعدام وسيط، أن تجلس القوى السودانية المختلفة لمناقشة القضايا والمشكلات التي أعقدت السودان على مدى العقود الماضية.ويعتقد محي الدين بالتالي، أن العقبة الأساسية أمام الحوار السوداني-السوداني هي منطلقات القوى السياسية التي تريد تسوية وصفقة، لأنهم يتحدثون عن ضرورة إقصاء فصيل مثل الإسلاميين من المشهد السياسي، وفي الوقت نفسه الجلوس مع مليشيا الدعم السريع التي قتلت المواطنين، وهي أمور تجعل المعادلة مختلة وغير مفهومة حسب قوله.“إن السودان يحتاج أولاً إلى الإجابة عن سؤال: “هل نحتاج نحن إلى وسيط من الخارج؟”، يتساءل محي الدين مشترطاً ضرورة الإجابة عن هذا السؤال، ومنوهاً في ذلك إلى أن كل وساطة في المجمل، تكون لمصلحة طرف من الأطراف الخارجية، مضيفاً أن أكثر ما أعاد مشاكل السودان هو وجود أطراف داخلية تخدم أجندات خارجية، لافتاً إلى الحاجة إلى التواضع على مبدأ القبول بالآخر وتحديد أجندة للحوار بعيداً عن المحاصصات السياسية، لأن أكثر ما يؤدي إلى الاستقطاب هو محاولة تحقيق مكاسب في المشهد السياسي.وشدد المحلل السياسي، على ضرورة تحقيق مصلحة البلاد بصيغة «الكل كاسب»، ذاكراً أنه إذا كان الجميع يريد أن يكسب لمصلحة البلاد بهذه الصيغة، فيمكن القبول بنسبة من المثقفين والسياسيين غير المتحزبين لوضع الأجندة وإدارة عملية الحوار، لكن محي الدين يرى أن تحديد مواصفات الوسيط الذي يمكن أن يحظى بقبول الجميع أمر صعب جداً، لأن كل وسيط يأتي برؤيته ومصلحته.ويوجه محي الدين، في حديثه مع “مداميك” رسالة للسودانيين، تتعلق بضرورة أن يوسط من هم ثقة من أبناء السودان، مع تحديد الأجندة، وتوفر الإرادة والرغبة الحقيقة في القبول بالحوار دون إقصاء.مبادرات تفقد زخمهالا يبدو التشكيك في جدوى الوساطة، منفصلاً عن واقع المبادرات التي طرحت خلال سنوات الحرب، التي تمضي نحو عامها الرابع، فقد دخل منبر جدة حالة من الجمود، في ظل عدم التزام الأطراف المتحاربة على الأرض ببنوده، وتتعرقل جهود الآلية الرباعية بسبب رفض بعض الأطراف لبنودها التي اعتبرتها مساساً بالسيادة، خاصة البنود المتعلقة بالترتيبات الأمنية والهدن الإنسانية، بينما تعيش مبادرة الخماسية حالة من الانقسام الحاد وفقدان الزخم، بعد أن قاطعت قوى مدنية وسياسية رئيسية، من بينها تحالف «صمود» وقوى الثورة، اجتماعاتها الأخيرة في أغسطس الماضي بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا.وكانت القوى السياسية المناهضة للحرب في أديس أبابا، قد وجهت اتهامات للخماسية بالانحراف عن دورها كميسّر مستقل، والسعي إلى شرعنة سلطة الأمر الواقع لقائد الجيش، مما أدخل المسار السياسي المدني في نفق مسدود. فيما يرى مراقبون أن التوجه الدولي بات يركز أكثر على الضغوط وتوسيع نطاق العقوبات وحظر السلاح لفرض الهدنة، بانتظار حدوث تحول جوهري في الموازين العسكرية على الأرض يجبر الأطراف على تقديم تنازلات حقيقية.يذهب المحلل السياسي صلاح الدومة، إلى أبعد من التشيك في قدرة الوسطاء على حل الأزمة السودانية، ويجزم الدومة أن السودان لا يحتاج إلى وسيط من الأساس، إذ يرى أن الحرب مستمرة نتيجة لتعنت أحد أطرافها وإصراره على المضي قدماً فيها، تحت فهم: «إما عودة الكيزان إلى السلطة أو استمرار الحرب».وقال الدومة في حديث ل”مداميك”، إن الوساطة ليس لها معنى في هذه الحالة، لأن الطرف الآخر يصر على القتال أو العودة للسلطة، ويمضي وفق معادلات صفرية، لا تقبل أي حلول لا تأتي به في النهاية إلى السلطة، أو تبعده عنها مهما كان الثمن.وبحسب الدومة، أنه بالتالي لا تحتاج الأزمة في السودان لوسيط، بقدر حوجتها لحلف قوي يدحر “الكيزان” وأعوانهم وكل من يقف معهم، مع دعم القوى التي تؤمن بضرورة السلام وإيقاف الحرب.كما أكد الدومة أن وجود وسيط لن يغير شيئاً، لأن الطرف الآخر بحسب قوله، لا يريد الوصول إلى تسوية حقيقية، وقد يستغل أي عملية وساطة للتسويف والمماطلة وكسب الوقت، إلى حين تحقيق أهدافه المتمثلة في عودة الكيزان إلى السلطة أو استمرار الحرب.ولذلك يرى، أن الأمر في السودان لا يحتاج إلى وسيط، بل إلى حليف قوي يدعم الأطراف التي تؤمن بضرورة السلام وإيقاف الحرب، في مواجهة القوى التي يرى أنها تتمسك باستمرار الحرب أو تسعى إلى عودة الكيزان إلى السلطة.The post السودان.. حين تفتقر الأزمة إلى الوسيط المقبول appeared first on صحيفة مداميك.