نافذة الإنتاج الحيواني : اختصاصي الإنتاج الحيواني… جندي الأمن الغذائي المجهول

Wait 5 sec.

د. مزاهر القدالإذا ما أغمض أحدنا عينيه وعاد بذاكرته إلى سنوات بعيدة، فربما تناهى إلى سمعه صياح ديك عند الفجر ، أو صوت ماعز في زقاق الحي ، أو عبق السمن البلدي وهو يُعد في أحد البيوت.لم تكن تلك المشاهد مجرد تفاصيل من حياة الأمس ، بل كانت تعبيراً عن نمط حياة كانت فيه الأسرة تنتج جزءاً من غذائها داخل المنزل أو في محيطه القريب .في ذلك الزمن لم يكن الناس يتداولون مصطلحات مثل “الأمن الغذائي” أو “سلامة الغذاء”، لكنهم كانوا يدركون بالفطرة أن صحة الحيوان وجودة غذائه تنعكسان مباشرة على جودة ما يصل إلى موائدهم من لبن ولحم وبيض .ومع تغير أنماط الحياة واتساع المدن وتراجع المزارع المنزلية ، انتقل الإنتاج الحيواني من نشاط أسري محدود إلى قطاع اقتصادي واسع يعتمد على المزارع المتخصصة وسلاسل الإمداد الحديثة. وهنا برزت الحاجة إلى كوادر علمية مؤهلة قادرة على إدارة هذه المنظومة المعقدة ، وفي مقدمتها اختصاصيو الإنتاج الحيواني .يُعرَّف الأمن الغذائي بأنه تمتع جميع الناس ، في كل الأوقات ، بإمكانية الحصول على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍ يلبي احتياجاتهم لحياة صحية ونشطة . ومن هذا التعريف يتضح أن القضية لا تتعلق بوفرة الغذاء وحدها ، بل تمتد لتشمل جودته وسلامته واستدامة إنتاجه .ومن بين القطاعات التي تؤدي دوراً محورياً في تحقيق الأمن الغذائي يأتي قطاع الإنتاج الحيواني ، الذي يوفر مصدراً مهماً للبروتين الحيواني والفيتامينات والمعادن ، كما يمثل مصدراً للدخل وسبل العيش لملايين الأسر حول العالم.ولا تقتصر أهمية الحيوانات على إنتاج الغذاء فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى أدوار اقتصادية واجتماعية وثقافية تجعلها جزءاً أصيلاً من حياة المجتمعات الريفية والزراعية .غير أن كثيراً من المستهلكين لا يدركون أن رحلة الغذاء لا تبدأ في السوق أو المصنع ، بل تبدأ قبل ذلك بوقت طويل داخل المزرعة ، وتحديداً عند تغذية الحيوان ورعايته وإدارته . فالجودة التي نبحث عنها في كوب الحليب أو قطعة الجبن أو البيضة أو وجبة اللحم تبدأ في الحقيقة من العلف الذي يتناوله الحيوان .لقد أثبتت الدراسات أن تغذية الحيوان تؤثر بصورة مباشرة على جودة المنتجات الحيوانية ، فالأعلاف المتوازنة والغنية بالعناصر الغذائية تسهم في تحسين نسبة البروتين والدهون المفيدة في الحليب ، كما تؤثر في طعمه وقيمته الغذائية ، وتمنح الأعلاف الخضراء والمرعى الطبيعي الحليب خصائص غذائية مميزة نتيجة احتوائها على الفيتامينات ومضادات الأكسدة الطبيعية .وفي مجال إنتاج اللحوم ، تؤثر التغذية في معدلات النمو وصفات الذبيحة وجودة اللحم وطراوته ونكهته ، كما تسهم في رفع كفاءة الإنتاج وتحسين العائد الاقتصادي للمربين . أما في قطاع الدواجن ، فإن التغذية السليمة تعد من أهم العوامل المؤثرة في إنتاج البيض وجودته وقوة قشرته ، فضلاً عن دورها في تحسين معدلات النمو والإنتاج .ولذلك فإن اختصاصي الإنتاج الحيواني لا يقتصر دوره على متابعة الحيوانات داخل الحظائر ، بل يعمل على تصميم علائق غذائية متوازنة تلبي الاحتياجات المختلفة للحيوان وفقاً لعمره ونوعه ومرحلة إنتاجه ، كما يشرف على اختيار مكونات الأعلاف وتخزينها بصورة سليمة ، ويتابع جودة المياه المستخدمة في الشرب ، ويراقب الأداء الإنتاجي للحيوانات لضمان تحقيق أفضل النتائج الممكنة .وتزداد أهمية هذا الدور عندما نتحدث عن سلامة الغذاء ، فسلامة الغذاء تعني حماية المستهلك من المخاطر التي قد تنتقل عبر الغذاء وتؤثر في صحته ، بينما تشير الجودة إلى الخصائص التي تمنح المنتج قيمته الغذائية والتسويقية ، ومن هنا فإن الغذاء قد يكون وفيراً ، لكنه لا يحقق الغاية المطلوبة إذا افتقر إلى السلامة أو الجودة .ويؤدي اختصاصي الإنتاج الحيواني دوراً مهماً في هذا المجال من خلال الإشراف على جودة الأعلاف والتأكد من خلوها من الملوثات والسموم الفطرية ، والمساهمة في تطبيق إجراءات الأمن الحيوي داخل المزارع ، وتحسين ظروف إنتاج وجمع وحفظ اللبن والبيض واللحوم ، فضلاً عن المشاركة في تطبيق نظم الجودة وسلامة الغذاء التي تهدف إلى حماية المستهلك وتعزيز الثقة في المنتجات الحيوانية ،وفي السنوات الأخيرة برز مفهوم التغذية المستدامة بوصفه أحد الاتجاهات الحديثة في تطوير الإنتاج الحيواني . ويقوم هذا المفهوم على توفير علائق غذائية متوازنة تعتمد قدر الإمكان على الموارد المحلية والمخلفات الزراعية المتاحة ، مع تحسين كفاءة التحويل الغذائي وتقليل الفاقد والمحافظة على البيئة ، ولا تسهم هذه الممارسات في خفض تكاليف الإنتاج فحسب ، بل تدعم كذلك استدامة الموارد وتحسن صحة الحيوانات وإنتاجيتها .وفي بلد مثل السودان ، يمتلك ثروة حيوانية ضخمة وموارد طبيعية متنوعة ، تبرز أهمية الاستثمار في المعرفة والخبرة إلى جانب الاستثمار في الحيوان نفسه . فزيادة أعداد الحيوانات لا تكفي وحدها لتحقيق الأمن الغذائي أو زيادة الإنتاج ، ما لم تصاحبها إدارة علمية رشيدة للتغذية والتربية والتحسين والإنتاج .وربما يحمل المستقبل فرصة لإحياء بعض ملامح الإنتاج الأسري الذي عرفته مجتمعاتنا من قبل ، ولكن بصورة أكثر تطوراً وتنظيماً. فمشروعات الأسر المنتجة في مجالات الدواجن والأرانب والماعز وتصنيع منتجات الألبان يمكن أن تسهم في تحسين دخل الأسر وتعزيز الأمن الغذائي المحلي متى ما وجدت التدريب والإرشاد والدعم الفني المناسب .وهنا يبرز اختصاصي الإنتاج الحيواني مرة أخرى ، ليس فقط بوصفه خبيراً في تربية الحيوان وإنتاجه ، بل شريكاً في التنمية الريفية وتمكين الأسر وتحويل المعرفة العلمية إلى غذاء آمن وفرص عمل وحياة أفضل .وبين صياح الديك الذي كانت تستقبل به القرى صباحاتها ، ومفاهيم الأمن الغذائي والاستدامة التي تشغل العالم اليوم ، مسافة طويلة قطعها الإنسان في رحلة إنتاج الغذاء. ، وفي قلب هذه الرحلة يقف اختصاصي الإنتاج الحيواني ، ذلك الجندي المجهول الذي يعمل بصمت خلف المشهد ، ليضمن أن يصل إلى موائدنا غذاءٌ كافٍ وآمن وعالي الجودة ، وأن تبقى الثروة الحيوانية رافداً للتنمية وركيزة للأمن الغذائي في الحاضر والمستقبل .من نافذة الأدبكان أجدادنا يقولون إن البيت الذي يُسمع فيه صياح الديك وتُرى عند بابه ماعز لا يخشى الجوع كثيراً . وبين حكمة الأمس وعلوم اليوم تبقى الحقيقة واحدة : أن الغذاء ليس ما نأكله فحسب ، بل قصة جهدٍ وعلمٍ وأيدٍ تعمل في صمت ليبقى الخير حاضراً على موائد الناسThe post نافذة الإنتاج الحيواني : اختصاصي الإنتاج الحيواني… جندي الأمن الغذائي المجهول appeared first on صحيفة مداميك.