تقرير: رندا عليدخلت العلاقات السودانية السعودية مرحلة جديدة، عقب توقيع وزيري خارجية البلدين اتفاقية تأسيس المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي، في خطوة تسعى من خلالها الخرطوم والرياض إلى نقل علاقاتهما من التفاهمات والاتفاقيات المتفرقة إلى إطار مؤسسي أكثر شمولاً واستدامة.وبحسب ما أعلن رسمياً، يشكل المجلس مظلة عليا لإدارة العلاقات الثنائية والتنسيق في عشرة ملفات رئيسية، تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاستثمارية والتجارية، إلى جانب تطوير الشراكات وتسهيل تنفيذ المشروعات المشتركة وتوحيد الرؤى حول القضايا ذات الاهتمام المشترك.لكن توقيت إنشاء المجلس يفتح الباب أمام سؤال يتجاوز الشكل المؤسسي للاتفاق: ماذا تريد الخرطوم من الرياض، وماذا تريد الرياض من السودان؟الخرطوم تبحث عن سند لمرحلة ما بعد الحرببالنسبة إلى السودان، يأتي المجلس في توقيت بالغ التعقيد، مع استمرار الحرب منذ أبريل 2023 وما خلفته من أضرار واسعة في الاقتصاد والبنية التحتية وقطاعات الإنتاج والخدمات، الأمر الذي يجعل ملف التعافي وإعادة الإعمار في صدارة أولويات الخرطوم.ويرى مؤيدون للخطوة أن السعودية، بثقلها الاقتصادي والسياسي، يمكن أن تمثل شريكاً مهماً للسودان في مرحلة ما بعد الحرب، سواء عبر الاستثمارات أو إعادة تحريك قطاعات الزراعة والتعدين والطاقة والنقل، فضلاً عن المساهمة في إعادة تأهيل البنية التحتية وتعزيز حضور السودان في محيطه العربي.كما تراهن الخرطوم على تحويل العلاقة مع الرياض إلى شراكة طويلة الأمد، بدلاً من ارتباطها بالملفات السياسية والأمنية الطارئة أو المبادرات المنفصلة.الرياض.. البحر الأحمر والمصالح الاقتصاديةفي المقابل، يحمل السودان أهمية استراتيجية للسعودية تتجاوز العلاقات التقليدية بين البلدين. فموقعه على الضفة الغربية للبحر الأحمر، وموارده الزراعية والمعدنية، وموانئه، يجعل استقراره مرتبطاً بصورة مباشرة بحسابات الأمن والاقتصاد في المنطقة.وتملك الرياض كذلك مصلحة في بقاء حضورها مؤثراً في الملف السوداني، خصوصاً مع استمرار دورها في جهود وقف الحرب عبر منبر جدة، وفي ظل تصاعد التنافس الإقليمي والدولي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.وتبرز في الجانب الاقتصادي ملفات الزراعة والتعدين والذهب والموانئ باعتبارها مجالات مرشحة لتعاون أكبر، إلى جانب مشروعات واستثمارات سعودية سابقة يمكن أن يشكل المجلس الجديد مدخلاً لإعادة تحريكها.زحل الأمين: فرصة لشراكة تتجاوز الحربوترى الباحثة السودانية بروفيسور زحل محمد الأمين أن أهمية إنشاء المجلس تكمن في توقيته، باعتباره يؤسس لشكل العلاقة بين السودان والسعودية خلال مرحلة ما بعد الحرب.وتقول الأمين إن السودان سيحتاج خلال مرحلة التعافي إلى دعم اقتصادي واسع لمعالجة الديون وجذب الاستثمارات وإعادة تأهيل البنية التحتية والقطاعات الزراعية والإنتاجية، إلى جانب تعزيز موقعه السياسي والدبلوماسي في المحيط العربي.وتشير إلى أن المجلس يمكن أن يفتح الباب أمام تعاون أوسع في التعدين والطاقة والنقل والاستثمار، وأن يمنح السودان فرصة لبناء شراكة عربية مؤسسية طويلة المدى تساعده على الانتقال من الحرب إلى التعافي وإعادة البناء.وفي المقابل، ترى الأمين أن المجلس يمنح السعودية آلية أكثر فاعلية لحماية مصالحها الاستراتيجية في السودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، إلى جانب الحفاظ على موقعها كطرف رئيسي في أي جهود تستهدف الوصول إلى تسوية سياسية للحرب السودانية.غير أنها تربط نجاح المجلس بقدرته على الانتقال من مستوى التفاهمات السياسية إلى البرامج التنفيذية، عبر خطط واضحة وتمويل كافٍ وضمانات قانونية للمستثمرين ونظام مصرفي أكثر شفافية وموثوقية.وتؤكد أن وقف الحرب وتحقيق الاستقرار الأمني يظلان الشرط الأساسي لجذب الاستثمارات وتحويل الاتفاقات إلى مشروعات حقيقية على الأرض.كمال كرار: المصالح تبدأ بالأمن والموانئ والذهبمن جانبه، يرى المحلل السياسي والاقتصادي كمال كرار أن الحكم على المجلس وأولوياته يظل مبكراً في ظل عدم إعلان تفاصيل أجندته وآليات عمله بصورة كاملة.ويعتقد كرار أن التنسيق الأمني والعسكري قد يكون ضمن اهتمامات الجانب السعودي في ضوء التطورات الأمنية المتسارعة في المنطقة، إلى جانب العلاقات العسكرية السابقة بين البلدين ومشاركة السودان في التحالف الذي قادته السعودية في اليمن.غير أن المصالح السعودية، بحسب كرار، تتجاوز الملف الأمني إلى قطاعات استراتيجية، في مقدمتها الموانئ والذهب والزراعة.ويشير إلى وجود استثمارات زراعية سعودية متوقفة، إلى جانب طرح سابق لمشروع مصفاة لتكرير الذهب السوداني، معتبراً أن المجلس الجديد قد يوفر إطاراً لإعادة تحريك هذه الملفات.ويرى كرار أن الرياض ستسعى بطبيعة الحال إلى حماية وتعظيم مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في السودان، فيما قد تتوسع مجالات التعاون لاحقاً لتشمل الطاقة والصحة وقطاعات أخرى.ويلفت في الوقت نفسه إلى أن عدم الكشف عن التفاصيل الكاملة للمجلس يترك الباب مفتوحاً أمام تساؤلات حول ترتيب الأولويات، وما إذا كانت هناك ملفات أمنية وعسكرية تتجاوز ما أُعلن رسمياً.المصالح المتبادلة واختبار التنفيذبين احتياجات الخرطوم الاقتصادية والسياسية وحسابات الرياض الأمنية والاستراتيجية، يبدو المجلس الجديد محاولة لبناء علاقة تقوم بصورة أكبر على المصالح المتبادلة.إذ يرى مراقبون أن السودان يريد استثمارات وتمويلاً وشريكاً عربياً مؤثراً في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، بينما تريد السعودية سوداناً مستقراً على الضفة الأخرى للبحر الأحمر، وشراكات تضمن مصالحها في قطاعات الزراعة والتعدين والموانئ، إلى جانب استمرار تأثيرها في مسار الأزمة السودانية.لكنهم يعتبرون أن الاختبار الحقيقي لن يكون في إنشاء المجلس أو عدد الملفات التي يتضمنها، وإنما في قدرته على تحويل التفاهم السياسي إلى مشروعات واتفاقات قابلة للتنفيذ.فإذا نجح الطرفان في ذلك، قد يصبح المجلس نقطة تحول في العلاقات السودانية السعودية. أما إذا ظلت الحرب مستمرة وغابت الآليات التنفيذية والضمانات اللازمة للاستثمار، فقد يبقى المجلس إطاراً سياسياً واسعاً ينتظر الظروف التي تسمح بتحويله إلى شراكة فعلية على الأرض.The post المجلس التنسيقي السوداني السعودي.. ماذا تريد الخرطوم والرياض؟ appeared first on صحيفة مداميك.