نون كشكوشفي زيارته أمس إلى مدينة المناقل، التي عُرفت خلال الحرب بـ«عاصمة الصمود» و كعادته يستغل المساجد لخطابات الحرب و القتل، يبرز سؤال مهم: هل تكون مكافأة المدن التي صمدت وحمت أهلها هي المزيد من العسكرة، أم دعم مقومات الحياة والاستقرار؟هل التوجيه بإنشاء قاعدة عسكرية في المناقل مكافأة ام عقاب ?المناقل لم تصمد في وجه اجتياح قوات الدعم السريع إلا بوقفة أهلها. فقد وظف أهلها كل ما يملكون من مال وطاقة لحماية مدينتهم، التي امتلأت في ذلك الوقت بالنازحين الفارين من مناطق الحرب.والمناقل، كغيرها من مدن السودان، مدينة وادعة، أهلها كرماء وطيبون ومتضامنون. ولأهلها تاريخ طويل في تحمل مسؤوليات كان يفترض أن تضطلع بها الدولة؛ فقد بنوا المدارس وساهموا في دعم المستشفيات، بطبيعة اهلها الخيرين ، ولانهم طالما كانوا بعيدا عن اهتمام الدولة و التزاماتها بالخدمات الأساسية من جهة أخرى.راهنت جميع الحكومة علي عدم احتجاجات أهل المناقل يوماً على سوء الخدمات أو على تأخر طريق مدني–المناقل الذي اكتمل بعد طول انتظار، رغم ما صاحب تنفيذ مشروعات البنية التحتية من انتقادات وشبهات فساد.لذلك، إن كان للبرهان أن يكافئ أهل المناقل على صمودهم، فالأولى أن تكون المكافأة بدعم مشروعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، وتحسين الخدمات، وإعادة بناء ما دمرته الحرب، لا بعسكرة مدينة بكاملها لصالح مشروع سلطوي.نحن لسنا بحاجة إلى مزيد من عسكرة الحياة المدنية، ولا إلى تحويل المدن الآمنة نسبياً إلى أهداف عسكرية تستجلب المسيرات والعمليات، بينما ما زالت هذه المدن تمثل ملاذاً للنازحين من مختلف أنحاء السودان.وهنا تبرز أسئلة أخرى على البرهان أن يجيب عنها: هل يعلم ما يحدث في الجزيرة؟ وهل انتبه إلى ما يحاك ضد أصحاب المشاريع الزراعية، وإلى خطط جبريل المتعلقة بإعادة ترتيب النفوذ والتمكين؟ وهل يدرك خطورة المعارك المصنوعة التي تضرب النسيج الاجتماعي في أرض الجزيرة؟هذه الأسئلة لا تتعلق بالمناقل وحدها، وإنما بمستقبل ما تبقى من الأراضي الآمنة في السودان.علينا أن ننتبه إلى أن استمرار عسكرة المدن قد يحول المناطق التي احتضنت النازحين وحافظت على قدر من الاستقرار إلى ساحات جديدة للصراع. كما أن تحويل المدنيين إلى حاضنة للحرب أو وقود لها لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام الاجتماعي وإطالة أمد النزاع.يجب أن يتوقف استغلال البسطاء والطيبين وتحويلهم إلى وقود حرب بوقف الاستنفار و تجنيد الأطفال و خفض خطاب العنف و محاربة خطاب الكراهية .و من المهم تجميد التصرفات الناقلة لملكية الأراضي والعقارات مؤقتاً، حمايةً للملكية ومنعاً لاستغلال ظروف الحرب في تغيير الملكية أو فرض أمر واقع ديموغرافي وقانوني جديد و لكن ايضا ليس من المستحيل اعادة النظر في ملكية الأراضي و إبطال التصرفات التي تمت أثناء فترة النزاع كما في تجربة البوسنة و الهرسك و تجارب اخري شبيهة في حالات الحروب الأهلية المرتبطة بصراعات الثروة و السلطة .وفوق كل ذلك، يجب وقف هذه الحرب اللعينة التي تقسم السودان، وتستنزف موارده، وتخدم في النهاية مشاريع السلطة والنفوذ، بينما يدفع المدنيون وحدهم الثمن*خبيرة قانونيةThe post المكافأة بعسكرة المُدن…. مخرجات زيارة البرهان للمناقل appeared first on صحيفة مداميك.