عن أي تمرد يتحدث البرهان في المناقل؟

Wait 5 sec.

نجوي بابوحين يتحدث الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن التمرد يحق للسودانيين أن يتوقفوا قليلًا أمام هذه الكلمة، لا لأنهم يجهلون معنى التمرد، وإنما لأن تاريخ السودان الحديث يجعل السؤال أكثر تعقيدًا: من تمرد على من؟ ومن انقلب على إرادة الشعب؟ ومن استخدم السلاح في مواجهة مطالب السودانيين بالحرية والسلام والعدالة؟البرهان ليس شخصية عسكرية ظهرت فجأة مع اندلاع الحرب الحالية. فهو أحد كبار ضباط القوات المسلحة السودانية، وتدرج في مواقع عسكرية قيادية، ثم أصبح بعد سقوط نظام عمر البشير رئيسًا للمجلس العسكري الانتقالي، ولاحقًا رئيسًا لمجلس السيادة الانتقالي. ومن موقعه القيادي، أصبح جزءًا أساسيًا من المشهد السياسي والعسكري الذي تشكل بعد ثورة ديسمبر 2018.وهنا تكمن أهمية السؤال عن المسؤولية. فمن غير المنصف اختزال تاريخ المؤسسة العسكرية السودانية في شخص واحد، كما أنه ليس دقيقًا تحميل قائد بعينه مسؤولية كل جريمة وقعت خلال العقود الماضية من دون أدلة تحدد دوره المباشر أو القيادي. لكن في المقابل، لا يمكن أيضًا فصل كبار القادة عن المؤسسات التي قادوها، ولا عن القرارات التي اتخذت خلال وجودهم في مواقع السلطة.على مدى عقود، عاش السودان حروبًا وانتهاكات واسعة، خصوصًا في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. دفع المدنيون الثمن الأكبر، بين القتل والنزوح والتهجير وتدمير القرى وانتهاكات الحقوق الأساسية. وقد ارتبطت مراحل مختلفة من تلك الصراعات بانتهاكات ارتكبتها القوات الحكومية وقوات أخرى موالية لها، كما وثقت منظمات حقوق الإنسان انتهاكات جسيمة من أطراف متعددة.ثم جاءت ثورة ديسمبر، التي خرج فيها ملايين السودانيين مطالبين بإسقاط نظام البشير وبناء دولة مدنية ديمقراطية. لم تكن الثورة، في جوهرها، حربًا على الدولة أو الجيش كانت محاولة لإعادة الدولة إلى الشعب وإنهاء عقود من الحكم الاستبدادي والعسكري.وبعد سقوط البشير، كان أمام القيادة العسكرية فرصة تاريخية للمساهمة في انتقال ديمقراطي حقيقي. غير أن العلاقة بين المكون العسكري والقوى المدنية سرعان ما دخلت في صراعات متزايدة، انتهت بانقلاب 25 أكتوبر 2021، عندما استولى الجيش بقيادة البرهان على السلطة، وحُلّت مؤسسات الحكم الانتقالي واعتُقل مسؤولون مدنيون. ووُصف الحدث على نطاق واسع بأنه انقلاب عسكري.لذلك تبدو مفردة التمرد اليوم محملة بمفارقة سياسية كبيرة.فمن الذي تمرد على الانتقال المدني؟ ومن الذي قطع الطريق على التحول الديمقراطي؟ ومن الذي أعاد السودان إلى مربع الحكم بالقوة؟ثم جاءت حرب أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لتدخل البلاد في واحدة من أكثر مراحلها دموية. والبرهان، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، هو أحد أبرز أطراف هذه الحرب. وقد أدت المعارك إلى مقتل أعداد هائلة من المدنيين، ونزوح الملايين، وانهيار الخدمات الأساسية، وتدمير واسع للبنية التحتية، بينما ارتكبت أطراف الحرب المختلفة انتهاكات خطيرة بحق المدنيين.وفي دارفور وكردفان والنيل الأزرق، تزداد المأساة تعقيدًا بسبب التاريخ الطويل للنزاعات والتهميش والعنف. والحديث عن القتل على أساس الهوية، والتهجير القسري، والعنف بكل اشكاله واستهداف المدنيين، يتطلب تحقيقات مستقلة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، بصرف النظر عن رتبته أو موقعه أو انتمائه السياسي والعسكري.وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة مساءلة البرهان لا تعني تبرئة الدعم السريع، كما أن إدانة جرائم الدعم السريع لا تعني منح المؤسسة العسكرية حصانة من المحاسبة. العدالة لا تعمل بمنطق الانتقائية.السودانيون لا يريدون حربًا جديدة حول الكلمات. يريدون أن يعرفوا من قتل أبناءهم، ومن أمر، ومن حرض، ومن يتحمل المسؤولية السياسية والقيادية عن الجرائم التي وقعت.لقد خرج الشعب السوداني في ثورته مطالبًا بالحرية والسلام والعدالة. وهذه المطالب لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن أن تمحوها خطابات الحرب أو أوصاف التمرد والخيانة.لذلك، عندما يتحدث البرهان عن التمرد، سيظل السؤال مشروعًاعن أي تمرد تتحدث يا برهان، بينما السودان ما زال يدفع ثمن عقود من الحكم العسكري والانقلابات والحروب؟إن السودان لا يحتاج إلى منتصر عسكري جديد، بل إلى دولة تحترم مواطنيها، ومؤسسات تخضع للقانون، وعدالة لا تستثني أحدًا، وسلام ينهي عصرًا طويلًا من تحويل السلاح إلى وسيلة لحسم الخلافات السياسية.فالشعب الذي صنع الثورة يعرف جيدًا معنى الحرية، ويعرف أيضًا أن الوطن لا يُبنى بالبندقية، وأن التاريخ لا تكتبه الخطب وحدها، بل تكتبه مسؤولية القادة أمام شعوبهم، وأمام العدالة، وأمام الأجيال القادمةThe post عن أي تمرد يتحدث البرهان في المناقل؟ appeared first on صحيفة مداميك.