تحتفي روسيا في أغسطس بثلاث مناسبات دينية شعبية متتالية تُعرف بـ"سباس أغسطس" لجني محاصيل العسل والتفاح والجوز في 14 و19 و29 أغسطس. ترتبط هذه الأيام بتقاليد ريفية قديمة وموسم جمع المحاصيل، إلى جانب مناسبات دينية في التقويم الأرثوذكسي. ولا تُعد أسماء "سباس العسل" و"سباس التفاح" و"سباس الجوز" أسماء رسمية لأعياد كنسية، بل هي تسميات شعبية روسية ارتبطت مع مرور الزمن بمناسبات دينية محددة وبالمحاصيل التي كانت تنضج في تلك الفترة من الصيف. وكلمة "سباس" هي صيغة شعبية مختصرة من كلمة "سباسيتيل " (Спаситель)، أي "المخلّص"، في إشارة إلى المسيح.14 أغسطس.. سباس العسليُعرف أيضا باسم "سباس الماء". وتشير التقاليد الشعبية إلى أن هذا الوقت كان مناسبا لبدء جني العسل من خلايا النحل. وكان مربو النحل يأخذون جزءا من أول محصول ويقدمونه للكنيسة، فيما ارتبطت المناسبة أيضا بتوزيع العسل وإطعام الآخرين. ويشير المتحف الإثنوغرافي الروسي إلى أن النحالين كانوا يختارون اكثر الخلايا امتلاء بالعسل ويأخذون منها لتقديمه في الكنيسة. وتشتهر جمهورية باشقورتوستان في جبال الأورال بشكل خاص بإنتاج العسل، إذ يُعد "العسل الباشكيري" أحد أبرز الأصناف المحمية جغرافيا في روسيا، وتحيط به تقاليد رعاية النحل الممتدة لقرون في غابات اللِّندن (شجر الزيزفون) التي تكسو المنطقة.كما يصادف 14 أغسطس أيضا بداية صوم السيدة العذراء، الذي يستمر حتى 27 أغسطس، فيما يحل عيد رقاد السيدة العذراء في 28 أغسطس وفق التقويم الأرثوذكسي الروسي. ولهذا تجمع المناسبة بين الطابع الزراعي والديني في الثقافة الشعبية الروسية.وكان العسل طبقا رئيسيا على المائدة في هذا اليوم، إذ اعتاد الناس تحضير المأكولات والحلويات التي يدخل فيها، مثل خبز الزنجبيل والفطائر بالعسل.19 أغسطس.. سباس التفاحيُعد سباس التفاح أشهر سباسات أغسطس الثلاثة، ويرتبط في التقويم الكنسي بعيد "تجلي الرب"، وللاسم الشعبي للمناسبة علاقة بالتفاح والثمار التي تبدأ بالنضوج في نهاية الصيف. وكان من المعتاد أن يحمل الناس التفاح وغيره من ثمار الموسم إلى الكنيسة لمباركتها، قبل أن يتناولوا منها في المنازل. ولم يكن التفاح وحده حاضرا، إذ يمكن أن تشمل الثمار العنب والكمثرى والخوخ وغيرها من الفواكه الموسمية.وتُعرف مناطق وسط روسيا وحوض نهر الفولغا تقليديا بوفرة بساتين التفاح، حيث ازدهرت زراعته منذ قرون في أقاليم مثل تامبوف وكورسك، لتصبح هذه المناطق مصدرا رئيسيا للتفاح الذي يُقدَّم في هذه المناسبة عبر أنحاء البلاد.وتكشف هذه العادة عن علاقة وثيقة بين التقويم الديني والدورة الزراعية في الريف الروسي؛ فالمناسبة تأتي في الفترة التي يبدأ فيها الانتقال من حصاد الصيف إلى الاستعداد للخريف. ولذلك لم يكن الاحتفال مرتبطا بثمرة واحدة فحسب، بل بفكرة شكر الله على المحصول الجديد.وتزامن سباس التفاح أيضا مع عدد من المعتقدات الشعبية، فقد كان يُنظر إلى أول تفاحة تؤكل في هذا اليوم باعتبارها ذات دلالة رمزية، وارتبط طعمها، في بعض المعتقدات، بتوقعات حول السنة المقبلة. كما كانت المناسبة فرصة للتجمع العائلي وتقديم الفاكهة للآخرين.29 أغسطس.. سباس الجوزويُطلق عليه أيضا اسم "سباس الخبز"، نسبة إلى انتهاء حصاد الحبوب وخَبز أول رغيف من القمح الجديد. ويرتبط الاسم الأشهر للمناسبة بالجوز الذي يبدأ بالنضوج في الغابات في نهاية الصيف، كما اعتُبر العيد مرحلة متقدمة من موسم الحصاد والاستعداد لفصل الشتاء.أما التسمية الدينية للمناسبة فترتبط بذكرى نقل "الآية المنديل" للمسيح من مدينة الرها إلى القسطنطينية في عام 944، بحسب التقليد الأرثوذكسي. ومن هنا جاءت أيضا تسمية "سباس على القماش"، التي تشير إلى الرواية المرتبطة بالأيقونة المطبوعة على قطعة قماش.وترتبط هذه المناسبة جغرافيا بمنطقة القوقاز، وخصوصا جمهورية أديغيا، المعروفة بغاباتها الغنية بأشجار الجوز والتي شكّلت لقرون مصدرا رئيسيا لهذا المحصول في الثقافة الشعبية الروسية.وكان الجوز والخبز والقمح من أبرز رموز هذا اليوم، فيما ارتبطت نهايته بانتهاء فترة صوم السيدة العذراء التي بدأت مع سباس العسل.من العسل إلى الجوز.. تقويم شعبي يحكي قصة الصيفتبدو سباسات أغسطس الثلاثة وكأنها رحلة قصيرة عبر موسم الحصاد الروسي، تتداخل فيها المعتقدات الشعبية مع التقاليد الأرثوذكسية ومع دورة الطبيعة والحياة الريفية، لتبقى حاضرة في الثقافة الروسية المعاصرة لا بوصفها أعيادا رسمية، بل جزءا من التقويم الشعبي الذي حفظ أسماء وعادات ارتبطت بالطعام والمحاصيل والمواسم.المصدر: RT