وجدي كاملحين خمدت حركةُ 1924، لم يكن السودان قد خرج من معركته مع الاستعمار بقدر ما كان قد دخل مرحلةً أخرى من الصراع. انتهت المواجهة في الشوارع والثكنات والسجون، وسكتت أصواتٌ كانت قد ارتفعت، قبل ذلك بقليل، وهي تتحدث عن وطنٍ لم يكن قد اكتمل تعريفه بعد. عاد الاستعمار إلى ترتيب المجال العام وفق ما يضمن له السيطرة، وعاد كثير من الذين تابعوا الأحداث إلى حياتهم، بينما أخذت الثورة، شيئًا فشيئًا، مكانها في الذاكرة.غير أن الذاكرة لا تحفظ الأحداث كما وقعت. إنها تعيد ترتيبها كلما تغيّرت الحاجات والأسئلة. وما يبدو في لحظةٍ ما حدثًا مكتمل الدلالة قد يصبح، بعد سنوات، مادةً لتأويلات مختلفة، تتقدم فيها وجوه وتتراجع أخرى، وتُقرأ الهزيمة من مواقع لم تكن موجودة يوم وقوعها.ولعلَّ ثورة 1924 تكشف هذه الحقيقة بوضوح خاص. فقد بقيت تفاصيل كثيرة من أحداثها حاضرة في الكتب والوثائق، لكن معناها ظلَّ يتبدل من قراءة إلى أخرى. أكانت حركةً وطنية مبكرة اصطدمت بقوة استعمارية متفوقة؟ أم كانت تعبيرًا عن طبقات اجتماعية جديدة بدأت تشق طريقها إلى المجال السياسي؟ أم كانت محاولةً محدودة لمجموعة من المتعلمين والضباط والطلاب لم تستطع أن تجد لنفسها قاعدةً اجتماعية واسعة؟إن كل إجابة من هذه الإجابات تضيء جانبًا من المشهد، غير أن الضوء نفسه يترك أجزاءً أخرى في الظل.وهنا تبدأ المسألة التي تعنينا: كيف كُتبت هزيمة 1924؟فالهزيمة العسكرية حدثٌ يمكن تحديده في الزمن، أما الهزيمة في الذاكرة فتحتاج إلى زمن أطول. الأولى تحدث في لحظة المواجهة؛ والثانية تتشكل عبر الكتب، والمدارس، والخطاب السياسي، وشهادات الذين بقوا، وصمت الذين لم تُسمع أصواتهم.الثورة في الكتابة الوطنية:كان طبيعيًّا أن تستعيد الكتابة الوطنية ثورة 1924 من الرواية الاستعمارية التي أرادت لها أن تبدو حركةً متمردةً انتهت إلى الفشل. فقد احتاج السودانيون، في سياق نضالهم من أجل الاستقلال، إلى استرداد تاريخ المقاومة من سجلات القوة التي قمعتها.في هذه الكتابة أصبحت الثورة واحدة من البدايات الكبرى للوعي الوطني الحديث. ظهرت أسماء قادتها في سلسلة طويلة من الأسماء التي مهّدت الطريق إلى الاستقلال، وأصبح علي عبد اللطيف رمزًا من رموز الوطنية السودانية المبكرة. وكان لهذا الاسترداد أهميته. غير أن تحويل الثورة إلى حلقة في قصة طويلة عن تطور الحركة الوطنية جعل السؤال عن طبيعة المجتمع الذي خرجت منه الثورة يتراجع أحيانًا إلى الصفوف الخلفية.أصبح الاهتمام منصبًّا على ما قاله الوطنيون وما فعلوه في مواجهة الاستعمار، أكثر من الاهتمام بالبنية الاجتماعية التي استقبلت خطابهم. وبين الأمرين مسافة واسعة. فالفكرة الوطنية قد تكون واضحة في أذهان أصحابها، لكن وضوحها عند أصحابها لا يعني أنها أصبحت، بالضرورة، جزءًا من وعي المجتمع كله.وهنا تبرز إحدى المسائل التي ظلت كامنة تحت سطح الرواية الوطنية: كيف تتحول الوطنية من فكرة إلى شرعية؟حين دخلت الطبقة إلى تفسير الثورة:جاءت القراءة الماركسية لتفتح بابًا آخر. فقد نقلت النظر من الأشخاص والأحداث إلى القوى الاجتماعية التي كانت تتحرك خلفها، وربطت نمو الحركة الوطنية بتطور التعليم والمدينة والطبقات الحديثة وتغير علاقات الإنتاج والمصالح الاقتصادية. وكان في هذا التحول مكسبٌ حقيقي؛ إذ أصبح التاريخ أقل ارتباطًا بسير الرجال وأكثر اتصالًا بالبنية التي صنعت حركتهم.غير أن هذا التفسير، في بعض صوره، جعل الطبقة مفتاحًا واسعًا لقراءة الثورة. وهنا ضاقت مساحة عناصر أخرى لم تكن أقل تأثيرًا في المجتمع السوداني: القبيلة، والنسب، والطائفة، والمكانة الاجتماعية، وشبكات الولاء التي كانت تمنح الفرد موقعه وتحدد مقدار ما يستطيع أن يقوله أو يفعله في المجال العام.فالسودان الذي ظهرت فيه 1924 لم يكن مجتمعًا تتحرك داخله المصالح الاقتصادية وحدها. كان الناس يدخلون السياسة وهم يحملون معهم تاريخ أسرهم، وانتماءاتهم، وصلاتهم، وصورًا متوارثة عن المكانة والقيادة. ولذلك فإن الطبقة، مهما كانت ضرورية لفهم جانب من المشهد، لا تستطيع وحدها أن تفسر الطريقة التي استقبل بها المجتمع فكرة الوطنية الجديدة. وهنا تبدأ ملامح مفهوم آخر في الظهور: الشرعية الاجتماعية.علي عبد اللطيف: الرجل الذي حمل سؤالًا أكبر من شخصه:ربما لا يظهر هذا السؤال في مكان أوضح مما يظهر في سيرة علي عبد اللطيف.فقد اعتدنا أن نراه في صورة القائد الوطني الذي وقف في وجه الاستعمار، وهي صورة تستحق مكانها في الذاكرة. لكن سيرته تتيح لنا قراءة أخرى، أكثر قلقًا وأشد اتصالًا بالبنية الاجتماعية للسودان في ذلك الوقت.كان علي عبد اللطيف يحمل فكرةً عن السودان تتجاوز حدود جماعة بعينها. وكان ظهوره في موقع القيادة الوطنية يضع أمام المجتمع سؤالًا لم يكن سهلًا: من يحق له أن يتحدث باسم الوطن؟لم يكن السؤال يتعلق بالكفاءة وحدها، ولا بالشجاعة، ولا بما يملكه الرجل من قدرة على القيادة. كان يتعلق أيضًا بأصل الشخص وموقعه في السلم الاجتماعي. وهنا تصبح قصة علي عبد اللطيف أكثر من سيرة فردية. إنها نافذة على مجتمع كان يعيش، في الوقت نفسه، داخل عالمين: عالمٍ قديمٍ تُوزَّع فيه المكانة وفق النسب والموروث الاجتماعي، وعالمٍ جديدٍ بدأت فيه فكرة المواطنة تقول إن الحق في الوطن ينبغي أن يسبق هذه الفوارق جميعًا.كانت الوطنية الحديثة تقول، بصورة لم تكن قد اكتملت مؤسساتها بعد، إن السوداني هو سوداني قبل أن يكون شيئًا آخر في المجال السياسي. أما المجتمع فقد ظل يحمل معه تراتبات أقدم من هذه الفكرة.ولذلك كان الصراع حول علي عبد اللطيف يحمل، في عمقه، شيئًا من الصراع حول تعريف السوداني نفسه.بين المواطن والرعية:ربما كان هذا هو السؤال الأكثر هدوءًا والأعمق أثرًا في ثورة 1924. فالمواطنة ليست مجرد كلمة في خطاب سياسي. إنها تغيير في ترتيب العلاقات داخل المجتمع. حين يصبح الفرد مواطنًا، فإن حقه في المشاركة لا يعود منحةً من صاحب سلطة أو امتيازًا مستمدًا من نسب أو مكانة. يصبح الحق متصلًا بانتمائه إلى الجماعة الوطنية ذاتها. لكن انتقال المجتمع إلى هذه الفكرة لا يحدث دفعة واحدة.كان السودان يدخل القرن العشرين وهو يحمل طبقات متراكمة من الانتماءات والولاءات. وكانت الدولة الاستعمارية نفسها تدير المجتمع من خلال هذه الفوارق، وتتعامل مع الجماعات والقيادات المحلية وفق ما يخدم نظام الحكم.وسط هذا التعقيد ظهرت 1924 بخطابٍ جديد، أو على الأقل بجانب جديد من الخطاب الوطني. ولذلك فإن أهمية الثورة لا تكمن في أنها عارضت الاستعمار فحسب؛ إنها جعلت سؤال من هو صاحب الحق في صناعة الدولة أكثر وضوحًا. وهذا ما يجعل هزيمتها مختلفة عن هزيمة حركة سياسية عابرة.لقد أُسكتت الحركة، لكن السؤال الذي حملته لم يُسكت بالسهولة نفسها. فالهزيمة التي أعادت ترتيب المجال السياسي عندما تغيّر المشهد بعد قمع الثورة، فلم تعد القوى التي حملت مشروع 1924 تملك المساحة نفسها للحركة، بينما وجدت قوى أخرى، أكثر اتصالًا بالبنى الاجتماعية التقليدية، مجالًا أوسع للتقدم والتفاوض والعمل السياسي.ومن الصعب فصل هذا التحول عن الطريقة التي أعادت بها الإدارة الاستعمارية تنظيم المجتمع والدولة بعد الثورة. فالقمع لا يقتصر أثره على إسكات المعارضين؛ إنه يغير أيضًا شروط ظهور المعارضة التالية.وبمرور الوقت، أخذ المجال السياسي السوداني يتشكل في صورة جديدة، وأصبح الاستقلال المقبل يُبنى من خلال قوى ومؤسسات وتحالفات مختلفة عن تلك التي ظهرت في 1924. وهنا حدث شيء بالغ الأهمية في كتابة التاريخ: صار بالإمكان النظر إلى 1924 باعتبارها بدايةً لم تتحقق، بدل النظر إليها بوصفها محاولةً كانت تحمل احتمالًا مختلفًا لمستقبل الدولة.والفرق بين القراءتين كبير. ففي الأولى، تكون الثورة محطة مبكرة تجاوزها التاريخ. وفي الثانية، تصبح الثورة لحظةً ضائعةً تكشف عن مسار كان يمكن أن يتخذ اتجاهًا آخر.الهزيمة الثانيةلعلَّ الهزيمة الأولى كانت في الميدان. أما الثانية فجاءت في الطريقة التي استقر بها معنى تلك الهزيمة يالذاكرة. فحين نقرأ التاريخ من نهايته، يبدو الماضي أحيانًا وكأنه كان يسير نحو النتيجة التي نعرفها اليوم. لكن التاريخ، في اللحظة التي كان يُعاش فيها، لم يكن يعرف نهايته. كانت أمام السودانيين احتمالات متعددة، وكانت الوطنية نفسها فكرةً تتنافس حولها تصورات مختلفة.ومن هذه الزاوية، تصبح 1924 لحظةً تستحق أن تُقرأ مرة أخرى، لا بحثًا عن بطولة إضافية، وإنما بحثًا عن الاحتمالات التي أُغلقت مع هزيمتها.فربما كانت الخسارة الأكبر أن السودان لم يدخل، في ذلك الوقت المبكر، في نقاش واسع حول معنى المواطنة والتمثيل والحق في القيادة، وأن السؤال الذي طرحته الثورة ظل يتنقل من مرحلة إلى أخرى من دون أن يجد إجابة اجتماعية مستقرة. ولهذا تبدو ثورة 1924، بعد أكثر من قرن، أقل شبهًا بحدث انتهى، وأكثر شبهًا بسؤال مؤجل. من يملك السودان؟ ومن يملك حق تعريفه؟ ومن أي مكان اجتماعي يمكن أن يتحدث المرء باسم الوطن؟هذه الأسئلة هي التي تجعل إعادة قراءة هزيمة الثورة ضرورية. فربما لم تكن القضية أن مشروع 1924 لم يمتلك القوة الكافية لإسقاط الاستعمار، وإنما أن المجتمع السوداني نفسه كان لا يزال يتعلم، وسط تناقضات قاسية، كيف ينتقل من وطنٍ تتجاور فيه جماعات وشرعيات متعددة إلى وطنٍ يصبح فيه المواطن مصدر الشرعية السياسية.وعندما نعيد النظر في تاريخ السودان من هذه الزاوية، تبدو 1924 أقلَّ ابتعادًا عن حاضرنا مما توحي به المسافة الزمنية. فأسئلة الثورة التي لم تجد طريقها إلى الحسم آنذاك، ستعود بأشكال مختلفة في العقود التالية: في الصراع بين الطائفة والحزب، وبين القبيلة والدولة، وبين المركز والأطراف، وبين الامتياز والمواطنة. وهنا ربما تكمن إحدى أكثر مفارقات 1924 إيلامًا، في كون أن الثورة هُزمت في زمنها، لكن الأسئلة التي جعلت قيامها ممكنًا ظلت حاضرة في تاريخ السودان كلهThe post هزيمة 1924: من هزيمة الثورة إلى هزيمة الذاكرة appeared first on صحيفة مداميك.