بقلم: عمر الدقيرفي حديثه أمام مجلس الأمن، يوم أمس، نفى السفير الحارث إدريس – مندوب السودان لدى الأمم المتحدة – وقوع انقلاب في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١، وقَدَّم رواية لا تقف عند حدود الاختلاف في التفسير السياسي، بل تنطوي على تزييفٍ لواقعة تاريخية موثقة جرت أمام أعين السودانيين والعالم كله.قال السفير إن القوات المسلحة “لم تأتِ إلى السلطة عبر انقلاب”، وإن الحكومة المدنية “قدمت استقالتها طواعية”، فكان لزاماً ملء الفراغ.هذه الرواية يرد عليها بيان الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي تلاه بنفسه يوم ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١. فقد قال فيه بوضوح إن “القوات المسلحة وقوات الدعم السريع والأجهزة الأمنية الأخرى” هي التي استشعرت الخطر و “اتخذت الخطوات” التي وصفها بأنها تستهدف “تصحيح مسار الثورة”، ثم أعلن حالة الطوارئ، وحل مجلس السيادة الانتقالي، وحل مجلس الوزراء، وتعليق مواد أساسية من الوثيقة الدستورية، وإنهاء تكليف ولاة الولايات، ضمن إجراءات أطاحت ببنية السلطة الانتقالية القائمة .. وسبق ذلك وتزامن معه اعتقال رئيس الحكومة وعدد من الوزراء والولاة، إلى جانب بعض قادة تحالف قوى الحرية والتغيير الشريك في توقيع الوثيقة الدستورية.فأين، في هذا التسلسل الموثق، حكومة “استقالت طواعية”؟ وكيف تُحَلُّ حكومة مستقيلة، أي لم تعد قائمة أصلاً؟ وأي فراغٍ دستوري نشأ، فوجدت القوات المسلحة نفسها مضطرة إلى ملئه؟ ولماذا عَلَّق الاتحاد الأفريقي عضوية السودان عقب “إجراءات” ٢٥ أكتوبر؟ وماذا عن مئات الشهداء والجرحى والمعتقلين الذين نهضوا لمقاومة الانقلاب ورَفْض مفاعيله؟لا شك أن السفير الحارث إدريس على دراية بنَصِّ بيان البرهان الذي ألقاه صبيحة ٢٥ أكتوبر؛ كما أن ذلك البيان متاحٌ في الأرشيف بـ “كبسة زر”. ولذلك يصعب اعتبار نفيه لوقوع الانقلاب مجرد سهو أو زلة لسان .. ما جرى هو تقويل مُتعمَّد؛ والتقويل، بخلاف التأويل، لا يستنبط المقاصد من داخل النصوص، بل يفرض عليها ما ليس فيها، ويُعَذِّب كلماتها حتى تعترف بما لم تقترف.كتب جورج أورويل محذراً من سلطة تحاول امتلاك الماضي بإعادة صياغته: “من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل”. ولعل أخطر ما في التزييف السياسي أنه لا يكتفي بالدفاع عن خطأ أو جريمة، بل يطلب من الناس أن يكذبوا ما رأوه بأعينهم وسمعوه بآذانهم.من المؤسف أن يصدر ذلك التقويل المُخِل من مندوب السودان في أعلى منبر دولي. كان الأجدر به أن يدافع عن الموقف الذي يتبناه بما يسنده من حجة، لا بتحريف الوقائع؛ فالمصداقية تبدأ من احترام الحقيقة، لا من تطويعها لخدمة الموقف السياسي .. ومن يَثْبُت أنه حَرَّف واقعةً موثقة، في جزءٍ من حديثه، يفتح بنفسه باب الشك في صدقية مجمل إفاداته ودفوعاته.The post الحارث إدريس وتقويل التاريخ القريب appeared first on صحيفة مداميك.