د. محمد المنير أحمد صفي الدينمقدمة:الذي يقرأ الأرقام التي تنشرها المنظمات الدولية عن عدد السودانيين اللاجئين في الخارج والنازحين في الداخل، ويقرأ عن معدلات سوء التغذية وفقدان الأمن الغذائي، وأعداد الأطفال الذين فاتتهم الدراسة، ومن يرى بأم عينيه البؤس الذي يعيشه السودانيون في المعسكرات، ويرى دموع الحرائر اللاتي اغتُصبن، ودموع الأمهات والآباء الذين لا يعرفون في أي أسواق للنخاسة وتجارة الجنس تُباع بناتهم المفقودات، وحزن الأسر التي لا تعرف مصير الأزواج والأبناء المفقودين، والذي يجوب شوارع مدن وقرى السودان ويشاهد بأم عينيه حجم الدمار الذي خلّفته هذه الحرب اللعينة، لن يهدأ له بال، ولن تتوقف صلواته ودعواته حتى يرى نهاية هذه المعاناة وسلماً مستداماً يعمّ كل ربوع السودان.لا أتصور وجود سوداني أو سودانية يدرك معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”، أن يرضى لنفسه رغد العيش في مكان آمن ولا يسعى لوقف هذه الحرب، ويتشبث بكل بصيص أمل، عسى أن يهطل المطر ولو من سحابة واحدة في سماء السودان المتقد حرّاً.ما قاله البرهان وما لم يقله:في خطابه بمناسبة الذكرى 72 لسودنة قيادة القوات المسلحة، تعرّض البرهان لأمرين سياسيين:أولهما: رغبته في إشراك القوى الوطنية والفئوية التي ساندت الدولة ودعمت وحدتها في مؤسسات الحكم (المجلس التشريعي)، إنصافاً لها. وهذا المقال لا يناقش هذه الجزئية من خطاب البرهان.الأمر السياسي الثاني الذي تعرّض له البرهان في خطابه هو اجتماعه مع “مجموعة وطنية من أبناء وبنات السودان… تداعت من تلقاء نفسها لإطلاق مبادرة تقوم على قناعة راسخة بأن تجاوز هذه المحنة لا يكون إلا بحوار سوداني خالص، ينطلق من الداخل ويستوعب جميع القوى السياسية والمجتمعية، ويضع معاناة المواطن وحقه في السلام في صدارة أهدافه. وقد قدمت هذه المجموعة رؤيتها للعمل كآلية وطنية مستقلة تهيئ لحوار سوداني شامل، يهدف إلى توافق وطني جامع يضع بلادنا على طريق الاستقرار”.ثم مضى البرهان يشرح ما دار بينه وبين من تبنّوا هذه المبادرة: “وقد التقيت هذه المجموعة فاستعرضت رؤيتها، وشدّدتُ على استقلاليتها وانفتاحها على الجميع، وطلبت من الدولة جملة من الضمانات الضرورية لانعقاد الحوار وتيسير مشاركة أطرافه وحماية سلامتهم، وقد وافقتُ على هذه الضمانات، مؤكداً استعداد الدولة لتوفير الدعم اللوجستي والضمانات القانونية والسياسية والأمنية اللازمة، دون أن تكون الدولة هي الجهة المنظمة للحوار أو المحددة لأجندته أو مخرجاته، احتراماً لاستقلاليته وحرصاً على صدقيته الوطنية. أي حوار يتصل بالداخل لا يمكن أن يتجاهل الحاجة إلى ضمانات سياسية وقانونية وأمنية، وهذه الضمانات لا تعني أن الدولة تملك الحوار أو تحدد أطرافه أو ترسم أجندته أو تتحكم في مخرجاته أو تمثل رعاية سياسية له”.ما يعنيني في هذا المقال هو الأمر السياسي الثاني، مبادرة الحوار السوداني من داخل السودان، وما قاله البرهان عنها:أولاً: المبادرة لم تأتِ من الدولة أو من البرهان، وإنما جاءت من مجموعة وطنية من أبناء وبنات السودان تداعت من تلقاء نفسها.ثانياً: البرهان لم يسمِّ أيّاً من الأشخاص الذين تقدموا بهذه المبادرة.ثالثا: البرهان أكد أن الغاية من المبادرة كما طرحت عليه من قبل المبادرين هي تجاوز محنة السودان وخلق توافق وطني جامع يضع البلاد على طريق الاستقرار.رابعاً: أن الحوار بكامله مستقل عن الدولة تماماً، “دون أن تكون الدولة هي الجهة المنظمة للحوار أو المحددة لأجندته أو مخرجاته احتراماً لاستقلاليته وحرصاً على صدقيته الوطنية”.خامساً: قيام الحوار داخل السودان، والحماية والضمانات التي طلبتها الشخصيات المبادرة ووافقت عليها الدولة لتيسير قيام الحوار داخل السودان، “لا تعني أن الدولة تملك الحوار أو تحدد أطرافه أو ترسم أجندته أو تتحكم في مخرجاته أو تمثل رعاية سياسية له”.كما أضيف أن المجموعة التي تقدمت بهذه المبادرة لم تعقد بعد مؤتمرها الصحفي لتعلن عن نفسها كمجموعة بكامل عضويتها، ولم تفصح بعد عن رؤيتها للحوار الوطني من داخل السودان، ولم تعلن عن اسم متحدث باسمها. لذا علينا أن ننتظر الإعلان الرسمي من قبل أهل هذه المبادرة لنحكم عليها، ولكي نقرر إذا ما كانت أي تصريحات صدرت حتى هذه اللحظة عن شخص أو أشخاص يقولون بانتمائهم لهذه المجموعة موافقة لما ستعلنه هذه المجموعة أم لا.عليه، فإن من يقرأ خطاب البرهان برويّة يستيقن أن ما تناقله البعض واستخدمه كمسوّغات ومبررات للرفض الاستباقي للحوار يحتاج إلى مراجعة نقدية وتمحيص.حجج الرفض الاستباقي للمبادرة:الذين استبقوا خطاب البرهان واستبقوا الإعلان الرسمي عن المبادرة ورفضوها، بنوا رفضهم الاستباقي على ظنون، ولم ينتظروا انجلاء الحقائق. وإليكم بعض هذه الظنون التي أُسِّس عليها الرفض الاستباقي للمبادرة:أولاً: أن البرهان سيصدر عفواً عن المشاركين لرفع القيد عن حضورهم للسودان والمشاركة في الحوار، وجاء الرفض الاستباقي لمبدأ العفو. ولقد بيّن خطاب البرهان أن التدابير التي طلبها المبادرون ووافق عليها لا تتضمن عفواً.ثانياً: رفض أن تكون الدولة هي صاحبة الدعوة للحوار أو الراعية له. وقد بيّن خطاب البرهان موافقته على طلب أصحاب المبادرة “ألا تملك الدولة الحوار أو تحدد أطرافه أو ترسم أجندته أو تتحكم في مخرجاته أو تمثل رعاية سياسية له”.ثالثاً: الزعم بأن استضافة الحوار في السودان تعني “سيطرة الدولة على الحوار”. ولعمري إن هذا الزعم يعني – بغير وجه حق – أن كل الحوارات السابقة التي تمت استضافتها في برلين وجدة وأديس أبابا والقاهرة والمنامة وغيرها من الدول المضيفة قد شكّلت سيطرة من هذه الدول على الحوار، وأن من شاركوا في تلك الاجتماعات قد رهنوا أنفسهم لأجندة خارجية. هذه حجة غير منطقية، وهي تحمل في طياتها تجريماً لدول سعت لجمع شتات أهل السودان، واتهاماً للسودانيين الذين شاركوا في تلك اللقاءات. لذا أرجو صادقاً التمعّن والتفكّر قبل إطلاق مثل هذه المزاعم.رابعاً: الزعم بأن هذا الحوار مقصود منه شرعنة الحكم القائم أو أنه من قبل مجموعة تريد نصيباً من السلطة والمناصب. إذا كنا لا نعرف الشخصيات التي تقف وراء هذه المبادرة وإعلانها، فهل من العدل أن نلقي التهم جزافاً؟خامساً: الرفض الاستباقي الذي يقول، يجب وقف الحرب أولاً قبل الحوار. لو كان دعاة هذا الرأي يعنون ما يقولون، لما شاركوا أو قبلوا قيام الحوارات التي فاضت بها مدن العالم من جدة والقاهرة والمنامة وأديس أبابا وبرلين. كما أن المتأمل لتاريخ السودان يدرك أن الحوارات هي التي أفضت لوقف الحروب وليس العكس. فحرب الجنوب أوقفتها اتفاقية أديس أبابا عام 1972؛ واتفاق السلام الشامل (نيفاشا) عام 2005 جاء نتيجة مفاوضات وحوار، ولم يكن هناك وقف شامل لإطلاق النار قبل بدء الحوار؛ والاتفاق السياسي والدستوري عام 2019 كان حواراً في الخرطوم وسط نزاعات قائمة في أقاليم مختلفة؛ ومؤتمر جوبا للسلام 2020 انعقد بينما كانت العمليات العسكرية مستمرة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، ولم يكن وقف الحرب شرطاً مسبقاً. بل إن اتفاق جوبا نفسه هو الذي وضع الأسس لوقف الحرب، وبعد التوقيع صرّح أحد زعماء الفصائل المقاتلة، “الآن أعلن وقف الحرب”.سادساً: الزعم بأن هذا الحوار لن يناقش وقف الحرب وإرساء السلام الدائم. ولعمري كيف يمكن أن يُرفض الحوار بناءً على مثل هذا الزعم، ولم تُطرح علينا أي أجندة للحوار، ولم يُعلن حتى عن آلية التوافق على الأجندة بين المشاركين؟ من المنطقي أن يسهم أي حوار جاد ومسؤول بين السودانيين في هذا الوقت الحرج، وفي ظل معاناة كل أهل السودان من ويلات الحرب، في وقف الحرب والتأسيس لسلام مستدام، حتى وإن لم يناقش تفاصيل الترتيبات الأمنية والعسكرية. فالحوار السياسي والمجتمعي الجاد لا بد أن يتعاطى مع أسباب هذه الحرب ويضع أساساً لسلام دائم. كما أن المشاركة الفاعلة من قبل الكتل السياسية والمجتمعية في هذا الحوار هي السبيل الأمثل لامتلاكه وتفصيل أجندته ووضعه في المسار الذي يخدم الوطن والمواطن.خاتمة:ويحضرني في هذا المقام موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خرج من المدينة الى مكة يريد أداء العمرة، بعد أن أُخرج هو وأصحابه منها مكرهين. فلما بلغ الحديبية، حالت قريش بينه وبين دخول مكة، ومع ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم قولته الجامعة: “والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطةً يعظّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها”. ورجع إلى المدينة دون أن يدخل مكة أو يؤدي العمرة، وقبل الشروط المجحفة التي اشترطها زعماء قريش عند توقيع صلح الحديبية، ومنها ألا تُفتتح الوثيقة بعبارة “بسم الله الرحمن الرحيم”، وألا يُوقّع بصفته “محمد رسول الله”، بل بعبارة “محمد بن عبد الله”. وقد أثارت تلك الشروط وغيرها غضب كبار الصحابة، كعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، لما رأوا فيها من قسوة ومشقة على أنفسهم. ومع ذلك، مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبولها تعظيماً لحرمات الله، وتقديماً لمصلحة الأمة على مشاعر الأفراد. فهلّا تجاوزنا نحن أيضاً عن بعض ما يثقل نفوسنا أو يمس تنظيماتنا السياسية، تعظيماً لحرم الوطن والمواطن؟ ولعل الحوار داخل السودان يمنح القيادات السياسية والمجتمعية التي طال غيابها عن البلاد فرصةً للوقوف على أحوال الوطن والمواطن، والاستماع مباشرةً لتطلعات السودانيين وآمالهم في السلام والاستقرار.The post الحوار وضرورة تجاوز الاعتراضات الاستباقية appeared first on صحيفة مداميك.