أ.د. عاصم التجاني شمعونربما يكون العمل عن بُعد قد كشف مشكلة لم تكن في الموظفين أصلاً. لقد كشف أن بعض المديرين كانوا يديرون الأشخاص من خلال الرؤية. طالما الموظف أمامهم، يشعرون أنهم يسيطرون على العمل. وحين اختفى الموظف من المكتب، اختفت معهم بعض أدوات الإدارة التقليدية. فبدأ القلق: هل يعمل؟ هل فتح الحاسوب؟ هل يرد بسرعة؟ هل هو متصل؟ لكن السؤال الحقيقي ليس هذا. السؤال هو: هل المدير يعرف كيف يقود دون أن يراقب؟ هذه واحدة من أهم مهارات المدير في المستقبل. فالمدير الذي لا يستطيع إدارة موظف إلا عندما يجلس أمامه، يحتاج إلى تطوير أسلوبه الإداري. وكذلك المدير الذي لا يرى الموظف يحتاج إلى أن يتعلم كيف يقود. لأن الإدارة الحديثة لا تقوم على معرفة مكان الموظف في كل لحظة، وإنما على معرفة إلى أين تتجه المؤسسة.ولا يمكن تجاهل دور التكنولوجيا في هذا التحول. فبرامج تتبع الوقت، وأدوات تحليل الإنتاجية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، يمكن أن تكون أدوات مساعدة للمديرين، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات رقابية تقمع الموظفين وتزرع الخوف. والفرق الجوهري يكمن في النية: هل تستخدم التكنولوجيا لتمكين الموظف من أداء أفضل، أم لمراقبته وكشف تقصيره؟ المؤسسات التي تنجح في التحول إلى ثقافة النتائج هي التي تستخدم التكنولوجيا كوسيلة للشفافية والتواصل، لا كأداة للرقابة والتشكيك.في الماضي كان الالتزام المهني يعني، إلى حد كبير، الالتزام بالوقت والمكان. أما اليوم، فإن مفهوم الالتزام يحتاج إلى توسيع. الموظف الملتزم ليس بالضرورة الشخص الذي يبقى متصلاً حتى منتصف الليل. وقد يكون الموظف الذي يعمل عشر ساعات أقل التزاماً من موظف يعمل سبع ساعات وينجز أهدافه ويحافظ على جودة عمله وتعاونه ومسؤوليته. بالتالي فإن الالتزام الحقيقي هو:أن تلتزم بما وعدت به.أن تكون متاحاً عندما يتطلب العمل ذلك.أن تحترم المواعيد.أن تحقق النتائج.أن تتواصل بوضوح.أن تتحمل مسؤولية الخطأ.وأن تقول لمديرك الحقيقة عندما تواجه مشكلة بدلاً من إخفائها حتى تظهر متأخرة. هذه هي المهنية. لأن العمل عن بُعد يعيد تعريف الالتزام.غير أن الانتقال إلى العمل عن بُعد لا يقتصر على الجانب الإداري، بل يمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي. فالشعور بالعزلة، وصعوبة الفصل بين العمل والحياة، وفقدان التفاعل الاجتماعي المباشر، كلها عوامل تؤثر على صحة الموظف النفسية وعلى إنتاجيته على المدى الطويل. ولذلك، فإن المؤسسات الناجحة في إدارة العمل عن بُعد هي التي تستثمر في بناء مجتمعات افتراضية، وتنظيم لقاءات دورية (افتراضية أو وجاهية)، وتوفير دعم نفسي للموظفين، وإعادة تصميم العمل بطريقة تحافظ على التواصل الإنساني.ربما نحتاج اليوم إلى إعادة صياغة العقد النفسي بين الموظف والمؤسسة. الموظف لا يقول فقط: أعطني راتباً مقابل ساعات أعملها. والمؤسسة لا تقول فقط: أعطني وقتك مقابل راتب. العلاقة الأكثر نضجاً تقول: أنا أقدم لك بيئة عمل عادلة، وموارد، وثقة، وتطويراً مهنياً، وأنت تقدم لي مسؤولية والتزاماً ونتائج وقيمة. وهنا يصبح العمل علاقة تبادل للقيمة، لا مجرد تبادل للوقت. وهذا لا يعني نهاية الدوام التقليدي، لكنه يعني أن المؤسسات يجب أن تعرف متى يكون الوقت هو المؤشر الصحيح، ومتى تكون النتيجة هي المؤشر الأهم.والسؤال الأصعب: ماذا نريد من الموظف؟ ربما تكون المشكلة كلها في السؤال الذي نبدأ منه. إذا سأل المدير: كم ساعة بقيت أمام الحاسوب؟ فسوف يحصل غالباً على موظف يحاول إثبات أنه كان أمام الحاسوب. أما إذا سأل: ما النتيجة التي حققتها؟، فسوف يبدأ الموظف في التفكير في القيمة. وبين السؤالين يتغير السلوك. وهنا تكمن قوة إدارة الموارد البشرية. فالمؤسسات لا تغير سلوك موظفيها دائماً من خلال التعليمات، وإنما من خلال ما تختار أن تقيسه وتكافئه وتعاقب عليه.إذا كافأت الحضور فقط، سيبحث الناس عن الحضور. إذا كافأت كثرة الاجتماعات، ستزداد الاجتماعات. إذا كافأت سرعة الرد فقط، قد تحصل على رسائل سريعة بلا قيمة. أما إذا كافأت النتائج والجودة والابتكار والتعاون، فسوف يبدأ الموظفون في توجيه طاقتهم نحو هذه الأشياء. ما تقيسه المؤسسة يصبح، بمرور الوقت، ما يتعلم الناس أن يهتموا به. وهذه قاعدة إدارية تتجاوز العمل عن بُعد نفسه.المستقبل الحقيقي للعمل ليس عن بُعد أو من المكتب. المستقبل هو أن تصبح المؤسسات أكثر ذكاءً في الإجابة عن سؤال: ما أفضل طريقة لإنجاز هذا العمل؟ قد تكون الإجابة من المكتب. وقد تكون من المنزل. وقد تكون بنظام هجين. وقد تكون باستخدام الذكاء الاصطناعي. وقد تكون بمزيج من الإنسان والتكنولوجيا. المهم ألا تصبح وسيلة العمل هدفاً في حد ذاتها. فالهدف ليس أن نجعل الموظف بعيداً عن المكتب. والهدف ليس أن نعيده إلى المكتب. الهدف أن نجعل العمل أكثر قيمة، والموظف أكثر قدرة، والمؤسسة أكثر إنتاجية، والعلاقة بين الطرفين أكثر عدلاً وإنسانية.في النهاية: ربما نحتاج إلى التخلي عن فكرة قديمة تقول إن الإنسان يعمل فقط عندما نستطيع رؤيته. فالإنسان ليس ساعة حضور. وليس مؤشراً أخضر بجوار اسمه في تطبيق الاتصال. وليس عدد الساعات التي بقي فيها الحاسوب مفتوحاً. إنه عقل، وخبرة، ووقت، وإبداع، ومسؤولية، وعلاقات، وقرارات، ونتائج. ولهذا فإن السؤال الأكثر نضجاً في إدارة العمل لم يعد: أين الموظف؟، بل: ما الذي أضافه؟ ولا ينبغي أن نفهم ذلك باعتباره دعوة إلى التساهل مع ضعف الأداء، بل على العكس، إن قياس النتائج يفرض مسؤولية أكبر، لأن الموظف لا يستطيع أن يختبئ طويلاً خلف حضور شكلي، كما أن المدير لا يستطيع أن يختبئ خلف مراقبة شكلية.في عالم العمل الجديد، يحتاج الموظف إلى الثقة، وتحتاج المؤسسة إلى النتائج، ويحتاج المدير إلى أدوات عادلة لقياس الأداء. وفي النهاية، قد يكون أفضل تعريف للإنتاجية هو أنها القدرة على تحويل الوقت والموارد والمهارات إلى قيمة حقيقية.أما الموظف الذي يجلس أمام الحاسوب طوال اليوم دون أثر، فلا ينبغي أن نخلط بين حضوره وإنتاجيته. والموظف الذي يعمل بمرونة، ويحقق أهدافه، ويحافظ على الجودة، ويتعاون مع فريقه، ويطور نفسه، ويضيف قيمة حقيقية للمؤسسة، فلا ينبغي أن نقلل من عمله لأننا لم نره طوال الوقت. فالمؤسسة الذكية لا تقيس ظل الموظف أمام الشاشة، بل تقيس الأثر الذي يتركه في العمل. وربما يكون هذا هو التحول الأهم الذي يفرضه عصر العمل عن بُعد على إدارة الموارد البشرية:من إدارة الوقت إلى إدارة النتائج،ومن مراقبة الموظف إلى تمكينه،ومن الحضور الشكلي إلى القيمة الحقيقية،ومن الخوف إلى الثقة،ومن السؤال: هل تعمل؟، إلى السؤال الأكثر أهمية: ماذا صنعت بعملك؟The post هل نراقب وقت الموظف أم نقيس أثره (2) appeared first on صحيفة مداميك.