جمال محمد إبراهيم(1)للأزمة السودانية وجهان يصعب تقديم أحدهما قبل الآخر، إذ هي سياسية في مقامها الأول، قبل أن تأخذ شكل صراعٍ عسكري في حربٍ دامية، دمّرتْ بلداً حباه الله، في أرضه الشاسعة، بموارد طبيعية ثرية، ما كان سيجعل منه الشفرة التي ستفتح أبواب النهضة له ولمن حوله من بلدان، غير أنّ هذا لم يكن ممكناً بسبب التناحر والصراع الرَّاسخ بنيوياً في تاريخ السودان، القديم والحديث.الحرب المشتعلة سنوات أربعاً، ولربما، إذا اعتمدنا نظر التشاؤم، أن تتواصل عقوداً وعقوداً، هي حربٌ تتصل بالتكوين الاجتماعي والسياسي في البقعة الجغرافية الواقعة في قلب القارّة الأفريقية، بما يجعلها (إذا قبلت التشبيه) بمثابة القلب في جسم الإنسان الذي، من جريان الدم في عروق شرايينه، يمنح الحياة والحيوية لأعضاء الجسم في كامل أطرافه.(2)عليه الرؤية التي قد تخرج السودان من وَهدته هي التي تحيلنا إلى النظر بعمق في التناقضات الجسيمة المتصلة بأصل معضلة ما يجمع هذا الشتات المتنوِّع من البشر في بقعة جغرافية، عرفت تبايناتٍ وتناقضات، في السحنات وفي الإثنيات، وفي المعتقدات وفي الألسُن والسَّحنات. ليس الغلبة فيه لمعتقدٍ واحد، بل هنالك إسلام ومسيحية وعقائد كريمة أخرى، ولا لسان واحد، فهنالك ما يصل إلى 300 لهجة ولغة، ولا للون سحنة واحدة، بل هي سحنات عِـدّة. إذ حتى اسم “السودان” هو اسم خاطئ من أساسه، فليسوا جميعهم “سود”، فهناك “بيضان” و”سمر” خاطف لونين، كما يصفون.ولنا أن نتساءل إن كان التمدّد الأوروبي الاستعماري الكولونيالي قد أفلح في السيطرة على بلدان القارّة، وهم أصلاً جاؤوا إلى القارّة بدوافع التنافس الحاد للسيطرة على الموارد هنا وهناك. حدَّثنا التاريخ أن التكالب على القارّة الأفريقية قاد إلى تقاسم أطرافها بينهم، فكان، مثلاً، هنالك “سودان بريطاني” في وادي النيل، و”سودان فرنسي” في غربي أفريقيا، وأقطار أخرى بلجيكية وبرتغالية وإسبانية. ذلك التكالب وتلك الأطماع هي التي رسَّختِ التباينات قروناً.(3)حين نأتي إلى الأزمة السودانية سنقف عند محطة مربكة، وأسئلة لا إجابات حاضرة لها. ونهر النيل من قلب القارّة الأفريقية، في مسيره شمالاً إلى البحر المتوسط، عرف حضارات متشاكسة، وتاريخاً ملتبساً. لك ألّا ترَى في مصر إشارة من علماء آثارها عن أسرة فرعونية سمراء، هي الأسرة الخامسة والعشرون التي حكم ملوكها ذات قرون قديمة وقبل الميلاد، من وادي النيل إلى أطراف الشام ولم تكتفِ بحكم مصر وحدها التي جاء اسمها في قرآن المسلمين، “ادخلوها آمنين”.وأضرب لك مثلاً في السنوات الماثلة، حين أرادتْ “هوليوود” إنتاج شريط سينمائي عن الملكة كليوباترا، واختار مخرجه الممثلة أنجلينا جولي لميل بشرتها إلى السُّمرة، بحسب معد السيناريو. رتبوا للممثلة الشهيرة زيارتين إلى مصر والسودان، فثار الآثاريون المصريون ثورة رجلٍ واحد، وأفشلوا إخراج ذلك الشريط. أقنعوا الممثلة (لا علاقة لها بالتاريخ) بأن لا داعي إلى زيارة منطقة مروي في شمال السودان، وهم يعلمون ما في السودان من مئات الأهرام، فيما يعرف العالم عن مصر أهرامها القليلة التي ضمَّنوها قائمة عجائب الدنيا. ولا تسأل لمن يتقاطر كبار علماء الآثار من أوروبا وأميركا وآسيا إلى شمال السودان لكشف آثاره، ثمّ لا نسمع عن زيارة لعالم مصري واحد للتحرّي عن آثار السودان.(4)ما وددتُ تبيانه هنا أنَّ الأزمة الماثلة في السودان ليستْ بالتبسيط الذي تتعامل به بعض أطراف المجتمع الدولي، مع احترام السودانيين مواثيقه وهيئاته ووكالاته، وأنَّ أمر الحرب الماثلة لمن يمعن النظر وراءه أطماع وأجندات ومصالح متقاطعة. حتى وإن تصارع السودانيون حول مصائر بلادهم، فبعضُهم قد لا يكونون على دراية بعمق أزمة بلادهم. ولا أحدّثك عن السودانيين العاديين، بل عن بعض القيادات السياسية، من مدنيين وعسكريين، يتغافلون، وربّما عن جهالةٍ، عن المصير الأشـدّ سَـواداً من اسم السودان نفسه، الذي ينتظر السودانيين في منعطفات استسهال أطراف أجنبية للنيل من بلدٍ تتداعَى أطرافه، وهو على شفير تشظٍّ محتمل. لعلَّ ما نرى من انهيارات في مقوّمات دولته، ينذر بمآلاتٍ مفزعـة.(5)ما وددتُ تبيانه في أوضح لغة أنَّ الأزمة السودانية ليستْ في تدهور أوضاعه الإنسانية وحدها، على أهمية تداعياتها خلال الحرب، لتُترك لمنظمات الإغاثة تقديم الأطعمة والأدوية، بل على أصحاب القرارات الكبرى الذين يريدون تقديم ما يحفظ للسودانيين كرامتهم وعيشهم في بقعة تنهض ببلادهم وبثرواتها ومواردها، فإن الحل لا يكمن في وقف الحرب حلّاً عاجلاً يمكن أن يعيد الأوضاع الإنسانية إلى حالتها الطبيعية، بل الحل المطلوب هو الذي يخاطب الأزمة السودانية في جذورها الجغرافية والتاريخية… نعم لتضافر الجهود لوقف الحرب، ولكن بالتوازي مع تلك الحلول الجذرية التي تنظر في صيغة لحل المآزق التاريخية والجغرافية المشار إليها أعلاه.عليه، الركون على الحلول الترقيعية الآنية، مثل ما نرى من ترتيباتٍ وشكلياتٍ ومعادلاتٍ ومعالجات، قد يعيد الأمور إلى سابق عهدها، لكنها لن تجلب استقراراً في السودان، من دون مخاطبة المعضلة الوجودية العميقة التي ستحقق للسودانيين نهوضاً اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً في بلادهم. المهمّة المنتظرة لن تكون في تنظيم انتخابات ترتّب على عجل، ولا في استيعاب أطرافٍ من هنا أو هناك للمشاركة في إدارة عجلة الدولة، ولا بالإعمار وبتوفير الخدمات الأساسية، وإن هذه أولوياتٌ متفقٌ عليها.(6)مَن يرغب في مدِّ يدِ العون إلى السودانيين فلينظر مليّاً في أسّ مُعضلاتهم، وأنْ يتمعّنَ في تاريخ بلادهم الأعمق التباساً، وَجغرافيتها الأكثر تباينـاً، وَسُكانها الأشدّ تنوّعاً. لن يكون وقف الحرب وإعادة الإعمار وعودة الحياة ظاهرياً إلى طبيعتها غاية المأمول، وآخر المُنى، إلّا إذ اقترن ذلك كله بتصوّرٍ موضوعي جاد، يَستنبط من قراءة التاريخ والجغرافيا، وعلى المدى البعيد، تلك الرؤية التي تعيد للسودان دوراً مفتاحياً غائباً للنهوض، ليسَ في ربوعه فحسـب، بل لأن يكون عوناً فاعلاً أكيداً لنهوض جواره وإقليمه وكامل القارّة الأفريقية وامتداداتها في الشرق الأوسط.ليس استخفافاً بالجهود الجادة ولا بالوسطاء الفاعلين، غير أنه بدا لي أن سؤالاً مهمّاً ينبغي طرحه وهو: هل لجميعِ الوالغين في شأن الأزمـة السودانية إدراكٌ تامٌّ بأبعاد تلك الأزمة، أم أننا ماضون وبعيون مغمضة؛ نحن السودانيين والوسطاء المتعاطفين، نحو اعتماد حلولٍ تبسـيطية (ولا أقول ترقيعية) مثلما ألمحتُ من قبل، لكونها، في نهاية الأمر، ستكون محضَ مُهدِّئات تُمنح لمريضٍ ينازع؟نشر المقال علي صحيفة العربي الجديدThe post السودان… ليس مُجدياً الوقوف في سطح المعالجات appeared first on صحيفة مداميك.