تفتُّت العِناق شهادات عن الحرب في يومها الأول (1-3)

Wait 5 sec.

مغيرة حربيةليلة اندلاع الحرب، كنا ثلة من الأصدقاء، شعراء ومثقفين، نعقد افطارنا السنوي، مثلما درجنا كل عام في شهر رمضان، على مشارف النيل، تحت كوبري الحلفايا من جهة أمدرمان. تسامرنا حتى وقت متأخر من الليل القلق والمشحون: تحركات عسكرية مريبة، صيحات جنود يمتطون السيارات المدرعة، تختلط بمرح الناس الغافل على رصيف الأسفلت، بغناء الشباب أعلى الكوبري، بأنس الأسر والعائلات الأخير. تحدثنا عن كل شيء، بما في ذلك الحرب الوشيكة، التي وصفها أحد الأصدقاء قبل أن تندلع، أنها ستعصف بالبلاد وتعود بالسودانيين القهقرى ثلاثة قرون، دفعة واحدة. كان ثاقب النظر.في مرمى النيران في الصباح، أيقظني أخي الأصغر مزعوراً: “حميتي عمل انقلاب!”. قلت لأخي، ليس انقلاباً عسكرياً، إنها الحرب وستمتد طويلاً. بعد ساعتين، انفجرت الحرب في المنطقة التي أسكنها قريباً من معسكري الجيش والدعم السريع المتجاورين، كان شارع الحي الرئيسي مرمىً حامياً لنيران الطرفين، دويٌ هائلٌ ومتفجراتٌ ثقيلة وقعت على البيوت المصدومة. في الحال قُتل عبد الله صاحب الطاحونة وقتل طفل آخر وقتلت جارتنا حياة، المعلمة بالمعاش. قتلتها دانة دهمت البيت، لم يستطيع الجيران مواساة أهلها أو تشييعها، فالرصاص والقنابل والنيران تندفع حامية، بلا هوادة، من كل اتجاه، والناس مزعورون داخل البيوت؛ بقية ذلك النهار العنيف وطوال الليل المرعب.بلدتنا أصبحت منطقة عمليات شديدة الخطر، حوَّل الجنود من الطرفين شوارعها وساحاتها الضيقة لأرض معركة وطيسة، تبادلوا فيها القصف واطلاق النيران والمتفجرات، تطاير الرصاص وشظايا المقذوفات داخل البيوت. بدت الحرب قريبة من المنازل، احتمى الأطفال بصدور الآباء وبحنان الأمهات المرعوبات، تكدست العوائل والأسر في غرفة واحدة يحمون بعضهم البعض. وسط الخوف والترقب والحذر، تحولت الأسِرَّة لمخابئ هشة تقي الرصاص المتطائر في عتمة الظلام، أغلقت النوافذ والأبواب وبقي الجميع بالداخل ينتظرون المجهول وشروق الصباح البعيد. لاذت بالبيت عروس وأختها، قدمتا من قرى شمال الجزيرة ليشترين حاجيات العُرس المقرر في عطلة عيد الفطر، لكنهن علقن في السوق بعد أن سُدت الطرق وانبهمت الاتجاهات بالناس، بقين معنا، دون سابق معرفة بهن، طوال الليل الصاخب والعنيف، يشاركننا الخوف والرعب والقلق.في صباح الأحد، بعد أن توقفت المعركة وخمدت أصوات المتفجرات وسكت الرصاص، بدأت رحلة النزوح الشقي، غادر الناس زاحفين على الأرجل والسيارات، النساء والأطفال وكبار السن، لم يتبقَ سوى قليل من الشباب وبعض الرجال، غادرت الطيور في رحلات جماعية مؤلمة، بدأت الحياة التي اعتادها الناس في التلاشي، للأبد. منذ ذلك اليوم ساد صمت رهيب، سكن الصدى في البيوت والشوارع وتحوّل صالوننا لـ”تكية” للطعام والأنس والإخاء، نواسي بعضنا البعض، نحن القليلين، من تبقوا في الحي، يحرسون لا شيء. ممر للخوف والقلق يخبر الشاعر الأصمعي باشري، أنه منذ صباح الحرب، لم يعد الصباح عادياً. يقول في شهادته عن الحرب في يومها الأول: “في صباح اندلاع الحرب، وقبل أن يتبدّل وجه الخرطوم إلى الأبد، خرجتُ من البيت بصورة عادية. لم أكن أعرف أن الساعة التالية ستفصلني عن حياة كاملة، وأن الطريق القصير الذي اعتدته كل يوم سيتحوّل إلى ممرّ للخوف والموت. استقللتُ المواصلات من الحلفايا بحري متجهاً إلى السوق المركزي. كانت الحافلة تمضي في طريقها، والناس داخلها منشغلون بأحاديثهم اليومية، حين اقتربنا من جسر النيل الأزرق، الرابط بين الخرطوم والخرطوم بحري. هناك، بدأ شيء غريب يحدث. وصل إلينا أولاً صوت الرصاص، ثم دويُّ المدافع الثقيلة. لم يكن الصوت بعيداً كما نتخيل في نشرات الأخبار؛ كان قريباً، حاداً، ومخيفاً. وفجأة ازدحم الجسر بالسيارات التي أخذت تحاول العودة، بينما لم يعد أحد يعرف إلى أين يذهب. نزلنا من الحافلة، وبدأنا نركض.لم نعد نعرف من يطارد من، ولا أين تقع المعركة، ولا ماذا يحدث خلفنا. كانت أصوات الرصاص والمدافع والشظايا تلاحقنا، وكلما دوّى انفجار أسرع الناس في الركض. وجدت نفسي أركض وحيداً، لاهثاً، مثل رجل فقد عقله، أبحث فقط عن طريق يقودني إلى البيت. قطعت مسافة تقارب عشرين كيلومتراً، عبر شوارع الصافية وشمبات حتى البراحة ثم الحلفايا. لم تكن المسافة هي الأصعب، بل ذلك الشعور بأنك تركض داخل عالم لم يعد يشبه العالم الذي خرجت منه قبل ساعة. في الشوارع، كان الناس يتبادلون الأسئلة الحائرة والتأويلات. أحدهم يقول إن الأمر لن يستمر طويلاً، وآخر يتحدث عن اشتباكات محدودة، وثالث لا يعرف شيئاً سوى أنه يريد الوصول إلى أسرته. لم تكن هناك إجابة. حين وصلت إلى البيت، وجدت زوجتي وأطفالي في حالة من الفزع. احتضنتهم، وحاولت أن أبدو مطمئناً، رغم أنني كنت أرتجف من الداخل.لم تمضِ سوى هنيهات حتى وصلت الحرب إلى شارعنا. تدفّق الرصاص إلى البيوت، وسقطت الأصوات الثقيلة فوق رؤوسنا. اختبأنا تحت الأسِّرة، لا نعرف ماذا يمكن أن تفعل لنا تلك المساحة الضيقة سوى أنها تمنحنا وهماً صغيراً بالحماية. ثم انقطعت المياه والكهرباء. وتوقفت الحياة. لم يعد البيت بيتاً، بل صار ملجأً مؤقتاً لعائلة تنتظر المجهول. لم يعد السؤال: ماذا سنفعل غداً؟ بل: هل سنصل إلى الغد أصلاً؟ عشنا اليوم الأول كابوساً طويلاً. لم ننم. كانت أصوات المدافع والطائرات تسكن شوارعنا وسماءنا، فيما غطّى الظلام الدامس البيوت بعد انقطاع الكهرباء. كان الأطفال يخافون من كل انفجار، وكانت زوجتي تحاول أن تخفي خوفها كي لا يزداد خوفهم. أما أنا، فكنت أستعيد ذلك الطريق الذي قطعته قبل ساعات، وأفكر في بساطة الصباح. خرجت من البيت كأي يوم عادي، ثم عدت إليه كناجٍ من شيء لا أعرف كيف نجوت منه. كان ذلك اليوم طويلاً، ليس بمعنى الزمن، وإنما بمعنى فقدان الحياة وجدوى وجودنا. للمرة الأولى شعرت أن الحرب ليست خبراً بعيداً، ولا معركة تدور في مكان آخر؛ إنها شيء يدخل بيتك، يقطع مياهك وكهرباءك، يحاصرك في غرفة، ويتركك مع أطفالك تحت السرير، عاجزاً إلا عن انتظار المجهول. كانت حرباً ضدنا نحن، ضد تفاصيل حياتنا الصغيرة، ضد أمننا، وضد حقنا البسيط في أن نعيش يوماً عادياً.————————————–الصورة البارزة  لوحة وجه الحرب   للفنان السريالي الإسباني سلفادور دالي ، تعود لعام 1940. .The post تفتُّت العِناق شهادات عن الحرب في يومها الأول (1-3) appeared first on صحيفة مداميك.