هل نراقب وقت الموظف أم نقيس أثره؟ (1)

Wait 5 sec.

أ.د. عاصم التجاني شمعونمن (كم ساعة عملت؟) إلى (ماذا أنجزت؟ سؤال يعيد تعريف العمل في عصر العمل عن بُعدهناك سؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة يفتح باباً واسعاً على مستقبل العمل: هل يجب أن نقيس الموظف بعدد الساعات التي قضاها أمام الحاسوب، أم بالنتائج التي استطاع تحقيقها؟قد يبدو السؤال إدارياً بحتاً، لكنه في جوهره سؤال فلسفي عن معنى العمل نفسه. فمتى نقول إن الإنسان عمل؟ هل عندما كان حاضراً أمام الشاشة طوال ساعات الدوام؟ أم عندما حل مشكلة، وأنجز مهمة، وخدم عميلاً، واتخذ قراراً صحيحاً، وطوّر فكرة، أو ساهم في تحقيق هدف مؤسسته؟هنا تبدأ واحدة من أهم التحولات التي يشهدها عالم الموارد البشرية اليوم: الانتقال من إدارة الحضور إلى إدارة الأداء، ومن مراقبة الوقت إلى قياس القيمة. لكن هذا الانتقال لا يعني أن الوقت لم يعد مهماً، ولا أن الموظف يستطيع أن يعمل متى شاء وكيف شاء دون مسؤولية. المسألة أكثر عمقاً من ذلك. إنها تتعلق بإعادة بناء العلاقة بين الوقت، والثقة، والمسؤولية، والنتائج.لسنوات طويلة، كانت المؤسسات تبني جزءاً كبيراً من تصورها عن الموظف الجيد على الحضور والانضباط الزمني. الموظف يصل في الموعد، يجلس في مكتبه، يبقى حتى نهاية الدوام، ويظهر أمام مديره بصورة الموظف المنشغل. وكان ذلك مفهوماً في زمن كانت فيه الأعمال مرتبطة بالمكان بصورة كبيرة. لكن التكنولوجيا غيّرت المعادلة. اليوم يمكن لموظف أن يجلس أمام حاسوبه ثماني ساعات ولا يحقق نتيجة مهمة، بينما يستطيع موظف آخر أن ينجز في ساعات أقل عملاً ذا قيمة أعلى.وهنا تظهر مشكلة إدارية خطيرة: الانشغال ليس هو الإنتاجية. قد تكون الشاشة مفتوحة، والبريد الإلكتروني يعمل، وحالة الموظف تظهر (متاحاً)، لكنه لا يضيف قيمة حقيقية. وفي المقابل، قد يكون موظف آخر بعيداً عن المكتب، لكنه أنهى مشروعاً، وحل مشكلة، وأغلق صفقة، وقدم تقريراً، أو ابتكر طريقة أكثر كفاءة لإنجاز العمل. فهل نعاقب الثاني لأنه لم يكن أمام أعيننا؟ وهل نكافئ الأول لأنه كان أمام الشاشة؟ إذا فعلنا ذلك، فنحن لا نقيس الأداء، وإنما نقيس قابلية الموظف للمراقبة. وهذه ليست إنتاجية. فالحضور ليس دائماً إنتاجية.في إدارة الموارد البشرية التقليدية، كان الوقت أحد المؤشرات الأساسية للعمل. لكن في اقتصاد المعرفة، أصبحت القيمة التي ينتجها الإنسان أكثر أهمية من مجرد وجوده الفيزيائي. فالمبرمج لا يُقاس بعدد الساعات التي حدق فيها في الشاشة، وإنما بجودة الحل الذي أنتجه. والمصمم لا تقاس قيمته بعدد الساعات التي جلس فيها أمام الحاسوب، وإنما بجودة التصميم وأثره. والمستشار لا تكون إنتاجيته في عدد الساعات التي تحدث فيها، وإنما في المشكلة التي استطاع حلها. والموظف الإداري لا تكون قيمته في عدد رسائل البريد التي أرسلها، وإنما في قدرته على إنجاز المعاملات وتقليل الأخطاء وتحسين الخدمة.غير أن الانتقال من قياس الوقت إلى قياس النتائج لا يخلو من تحديات عملية. فبعض الوظائف (كالإبداع، والبحث، والتطوير) يصعب قياس نتائجها كمياً في المدى القصير، وبعض المهام تتطلب تعاوناً مستمراً يصعب تتبعه عبر مؤشرات فردية، وبعض المديرين يجدون صعوبة في التخلي عن أساليب الإدارة التقليدية القائمة على الرؤية المباشرة. ولتجاوز هذه التحديات، تحتاج المؤسسات إلى الاستثمار في تدريب المديرين على أساليب القيادة عن بُعد، وتطوير مؤشرات أداء متوازنة تجمع بين الكم والكيف، وبناء ثقافة الثقة تدريجياً من خلال تجارب صغيرة ناجحة. ولهذا فإن السؤال الإداري الأكثر نضجاً لم يعد: كم ساعة عمل الموظف؟ بل: ما القيمة التي أنتجها خلال هذه الساعات؟ وهنا لا نتحدث عن إلغاء الوقت، وإنما عن وضعه في مكانه الصحيح. فالوقت مدخل للعمل، لكنه ليس بالضرورة مخرَجاً للعمل.لكن هل يعني ذلك أن الساعات لا قيمة لها؟ بالتأكيد لا. وهنا يجب الحذر من الوقوع في الطرف الآخر. فمن الخطأ أن ننتقل من (مراقبة الساعات)، إلى (إلغاء المساءلة). العمل عن بُعد لا يعني أن الموظف أصبح مسؤولاً عن نفسه فقط، ولا يعني أن المؤسسة تتخلى عن أهدافها. على العكس. كلما ابتعدنا عن مراقبة الحضور، احتجنا إلى وضوح أكبر في الأهداف، ودقة أكبر في مؤشرات الأداء، ومسؤولية أكبر في النتائج. وهذه هي النقطة التي يغفل عنها بعض المديرين. عندما لا أستطيع رؤية الموظف أمامي، لا ينبغي أن أبحث عن كاميرا أراقبه بها، بل ينبغي أن أبحث عن نظام أداء يجعل النتائج قابلة للقياس.فالمدير الجيد لا يحتاج إلى أن يسأل الموظف كل ساعة: (ماذا تفعل؟). بل ينبغي أن يستطيع أن يسأل: (أين وصلنا في الهدف؟). (ما الذي أنجز؟). (ما العقبات التي واجهتك؟). (ما الدعم الذي تحتاج إليه؟). (وماذا ستكون النتيجة في نهاية الفترة؟). هنا تتحول الإدارة من المراقبة إلى القيادة.كثيراً ما يُطرح العمل عن بُعد باعتباره اختباراً للثقة. وهذا صحيح، لكن الثقة في الإدارة ليست أن تقول للموظف:أنا أثق بك، افعل ما تشاء. هذه ليست ثقة، هذه فوضى. فالثقة ليست غياب الرقابة، والثقة المهنية تعني أن تكون هناك توقعات واضحة، وأهداف معلنة، ومسؤوليات محددة، ومؤشرات أداء، ومحاسبة عادلة. أنا أثق بك لأنني أعرف ما المطلوب منك، وأعرف كيف أقيسه، وأعرف أنك تعرف مسؤوليتك.وهنا تصبح الثقة أكثر نضجاً. الثقة الحقيقية لا تلغي المساءلة، بل تجعل المساءلة أكثر عدلاً. فالموظف لا يريد مديراً يراقب مؤشر متصل وغير متصل، طوال اليوم، كما أن المؤسسة لا تريد موظفاً لا يعرف ما المطلوب منه.العلاقة الصحية هي أن يعرف الطرفان القاعدة: لك حرية في كيفية إنجاز العمل، وعليك مسؤولية تحقيق النتائج المتفق عليها.من السهل أن نلقي مسؤولية ضعف الإنتاجية على الموظف. والمشكلة ليست في الموظف دائماً. لكن إدارة الموارد البشرية الحديثة تسأل سؤالاً أكثر صعوبة: هل صممت المؤسسة العمل بطريقة تسمح للموظف بأن يكون منتجاً؟ فقد يكون الموظف موجوداً، ومخلصاً، ومجتهداً، لكن الإجراءات بطيئة. وقد يكون لديه استعداد للعمل، لكن أهدافه غير واضحة. وقد يكون مطلوباً منه إنجاز شيء، بينما يمتلك مديره توقعات مختلفة. وقد يعمل ساعات طويلة لأن المؤسسة لم تستثمر في التكنولوجيا المناسبة. وقد يضيع نصف يومه في اجتماعات لا تحتاج إلى وجوده. وفي هذه الحالة، لا تكون المشكلة في (كسل الموظف)، وإنما في تصميم العمل. وهنا تظهر مسؤولية الموارد البشرية. فالموارد البشرية لا ينبغي أن تكون شرطي الدوام في المؤسسة، وإنما شريكاً في تصميم بيئة تجعل الأداء ممكناً. لأن هناك فرق بين الحرية والفوضى.العمل المرن لا يعني أن لكل موظف نظاماً خاصاً به. هناك وظائف تحتاج إلى وجود متزامن، ووظائف تحتاج إلى تعاون مباشر، ووظائف مرتبطة بخدمة العملاء، ووظائف لا يمكن أداؤها عن بُعد بصورة كاملة. لذلك لا توجد وصفة واحدة تصلح لجميع الوظائف. وهذا أحد أهم الدروس في إدارة الموارد البشرية: ما يصلح لوظيفة لا يصلح بالضرورة لوظيفة أخرى. المعيار ليس أن نقول: كل الموظفين يعملون عن بُعد. ولا: كل الموظفين يجب أن يكونوا في المكتب. بل نسأل: ما طبيعة العمل؟ وما النتائج المطلوبة؟ وما مستوى التعاون الذي يحتاجه؟ وما المهارات والتقنيات المتاحة؟ هنا يصبح العمل المرن قراراً إدارياً، وليس شعاراً.ومن المهم أيضاً التمييز بين أنواع الوظائف عند تطبيق مبدأ (قياس النتائج). فالوظائف الإبداعية (كتصميم الجرافيك، والكتابة، والتطوير) تحتاج إلى مؤشرات نوعية تركز على الجودة والإبداع، بينما الوظائف الإدارية (كخدمة العملاء، والمعاملات) تحتاج إلى مؤشرات كمية تركز على السرعة والدقة. والوظائف القيادية تحتاج إلى مؤشرات تجمع بين النتائج المباشرة وتطوير الفريق. وهذا التمييز يساعد في تصميم أنظمة تقييم عادلة تتناسب مع طبيعة كل وظيفة.الخطر الآخر: تحويل الموظف إلى رقم، بمعنى إن التركيز على النتائج يحمل خطراً آخر إذا أسيء استخدامه. فليس كل ما هو مهم يمكن قياسه بسهولة. يمكننا قياس عدد المعاملات، والمبيعات، والطلبات المنجزة، ونسبة الأخطاء، وسرعة الاستجابة. لكن ماذا عن الإبداع؟ ماذا عن مساعدة زميل جديد؟ ماذا عن بناء علاقة جيدة مع العميل؟ ماذا عن المبادرة؟ ماذا عن التعلم؟ ماذا عن منع مشكلة قبل وقوعها؟إذا اختزلنا الموظف في مجموعة أرقام، فقد نحقق كفاءة قصيرة المدى ونخسر رأس المال البشري على المدى الطويل. ولهذا فإن نظام تقييم الأداء الجيد لا يعتمد على مؤشر واحد. إنه يجمع بين النتائج والسلوكيات والمهارات والتعلم والتعاون، بحسب طبيعة الوظيفة. فالموظف الناجح ليس فقط من يصل إلى الرقم المطلوب، وإنما من يصل إليه بطريقة مستدامة وأخلاقية وتخدم المؤسسة على المدى الطويل.The post هل نراقب وقت الموظف أم نقيس أثره؟ (1) appeared first on صحيفة مداميك.